بيروت الحرب، ذاكرة بالابيض والاسود

آرل (فرنسا)- من هدى ابراهيم
واقعية مؤلمة

اطلت بيروت الحرب التي سجلتها عدسة المصور الفرنسي جوزف كوديلكا خلال الحرب الاهلية اللبنانية في التسعينات على الجمهور الفرنسي لوحات فوتوغرافية خلابة ترسم تكسرات المدينة ونثار الاشياء في ذاكرة حية بالابيض والاسود للمدينة التي تغنى بها الشعراء قبل ان يغتصبها الرصاص على مدى اكثر من عقد.
وبدت بيروت عنوانا كبيرا مفتوحا على الحزن في لقاءات مدينة آرل الفرنسية الجنوبية التى كرمت المصور الفرنسي من اصل تشيكي جوزف كوديلكا في ستة معارض استعادية في دورتها الثالثة والثلاثين التي استمرت اسبوعين واختتمت الخميس.
ومنح حضور كوديلكا في هذه اللقاءات بريقا والقا كبيرين خاصة من خلال معرضه "البدايات" وهو عبارة عن مجموعة من الصور تعرض للمرة الاولى ولم يسبق ان رآها احد وهي تلك الصور التي ظلت في براغ التي هجرها عام 1970.
وتتميز هذه الصور بطابعها البانورامي ونزوعها نحو المطلق والعبثي الذي سيظهر في مجموعته "سديم" بعد ثلاثين عاما من تاريخ بدئه التصوير في مطلع الستينات.
واذا كان المعرض الثاني الخاص بكوديلكا "مسرح" يبدو متقادما واقل جودة وبراعة خاصة في التعاطي مع الموضوع المسرحي ومع العمل الفني فانه يمهد على نحو اخص لموضوعه النادر والمميز "غجر" الذي يصور فيه حياة "اهل السفر" في آسيا الوسطى والذي يخرج بصور شاقة على النظر موجعة .
وتمتاز صور مجموعة "غجر" بنقلها لواقع يجهل الجميع خصوصيته وبؤسه وايضا افراحه المصحوبة دائما بالموسيقى التي تبدعها آلة الكمان التي ترافق الغجري بامتياز.
الى جانب هذه المعارض معرض بعنوان "غربات" يصور فيه الغربة عن المكان او العالم الذي يبدو كانه منهارا او كانه لم يعد ينتمي للانسان.
كذلك هناك معرض "براغ" الذي التقط فيه كوديلكا عام 1968 اندحار الدبابات التي دخلت مدينة براغ وسط فرح السكان وتهليلهم في لحظات دقيقة حرجة خلدتها عدسته ليصبح بفضلها مصورا على مستوى عالمي.
ويبقى المعرض السادس والاخير "سديم" الخاص بهذا المصور العبقري اجملها واكثرها عمقا حيث تتحول الصور التى سجلت خلال السنوات العشر الاخيرة الى مساحات اقرب الى الخيال لشدو واقعيتها.
واضافة الى عدد كبير من المعارض التي تضمنتها اللقاءات وحضور كثير من المصورين الشباب من العديد من البلدان حضر اللقاءات اربعة مصورين عرب من جيل الشباب.
اول المصورين فلسطيني هو تيسير باتنجي وقد سبق له اقامة معرض في باريس العام الماضي وينقسم معرضه الى قسمين قسم يتناول صور "الشهداء" كما التقطت على جدران غزة فمنها ما ظل سالما كاملا ومنها ما تجاور مع ملصقات اخرى ومنها ما امحى كله او بعضه ومنها ما بقي منه الاثر.
وتحتل ثلاث نساء عربيات شابات من كل من فلسطين والعراق والجزائر بقية قائمة المشاركين من العرب وقد عملت كل منهن على الجسد والعلاقة به على طريقتها.
فالفلسطينية رائدة سعادة التي عاشت في القدس ودرست في جامعة اسرائيلية تضع نفسها في الصورة ويظهر التعبير لديها عنيفا صارخا ينطق في نفس الوقت بواقعها اليومي الدامي فهي تتعرى لتلبس حمالة صدر مصنوعة كليا من اللحم النيئ الاحمر او تلبس عقدا مشكوكا من قطع لحم.
وتختلف زينب سديرة الجزائرية التي عاشت في فرنسا كليا في الاسلوب والمعالجة فهي تصور وجوه الجيل الجديد من المهاجرين وغطاء المرأة في عدد من الصور الجميلة جدا والناعمة.
ومن خلال اعمالها تعيد زينب محاورة تلك الصور التي انتجها المستشرقون عن المرأة العربية فتخرج بنتيجة صريحة شفافة كشفافية اللون الابيض الذي يتدرج في صورتها ليصفو ولا يبقى الاه.
اما جنان العاني العراقية من ام ايرلندية التي تعيش حاليا في لندن فقد اختارت ان تتخذ من امها واخواتها ومن نفسها موديلات لصورها التي ارادت من خلالها استعادة صورة المرأة العراقية في الستينات.