الشعب الفلسطيني يعاني من فراغ في القيادة

بقلم: ماجد كيالي

دخلت الساحة الفلسطينية في المجهول ليس، فقط، بسبب التحديات الخارجية، الإسرائيلية والأميركية، التي تضغط عليها بشدة (سياسيا وعسكريا وماليا)، ولا بسبب أوضاعها الداخلية الهشة وقابليتها للاختراقات والتدخلات الدولية والإقليمية، فحسب، وإنما، أيضا، بسبب الفراغ القيادي، بمعناه الاستراتيجي، الذي تعاني منه، خصوصا، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، أي قبل ما يقارب السنتين، إذ سرعان ما اتضح بأنه ثمة ضعف في الاستعداد لهذه النقلة النوعية الكبيرة، وأنه ثمة تخبّط ومزاجية في إدارتها وتعيين أهدافها.
فمثلا لم تقم القيادة الفلسطينية وهي التي تقود، في ذات الوقت، المنظمة والسلطة وحركة فتح، بإجراء التحضيرات المناسبة للانتفاضة، التي أرادتها وسيلة للضغط على حكومة باراك، في حينه، لدفعها نحو إبداء أكبر قدر من التجاوب مع الحقوق الفلسطينية، فهي لم تقم بتحضير نفسها ولا بمفاتحة شعبها ولا فصائله لا بمسألة الانتفاضة ومتطلباتها، ولا بحقائق العملية التفاوضية وتعقيداتها.
والأنكى من ذلك أن هذه القيادة لم تبذل من جهتها أي جهد لتوجيه الانتفاضة، بحكم التزامها بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل والتي تفرض عليها حل القضايا الخلافية بالوسائل السياسية.
والنتيجة أن القيادة الفلسطينية، تعاملت بازدواجية متعبة ومكلفة مع الانتفاضة، فهي تبنّتها سياسيا ـ ونظريا ولكنها تمنّعت عن قيادتها ميدانيا ـ وفعليا، وهي، أيضا، تعمدت ترك مسافة بينها وبين فعاليات الانتفاضة، خصوصا المسلحة منها، ولكنها، بنفس الوقت، حالت دون تشكّل قيادة ميدانية مستقلة لها، وبذلك تركت الانتفاضة نهبا للعفوية والفوضى والمزاجية والقيود ما أهدر طاقاتها وأدخلها في سياسات متضاربة في غير محلها وخارج سياقاتها.
وفي الواقع فقد كانت الانتفاضة بحاجة ماسة لقيادة ميدانية مستقلة (ولو نسبيا) لأسباب، أهمها: أولا، ضرورة انبثاق قيادة ميدانية ترشّد مساراتها وتنظّم طاقتها وتعيّن أهدافها؛ ثانيا، حاجتها لشكل من أشكال التعبير المستقل (ولو نسبيا) عن ذاتها الشعبية وإرادتها التحررية؛ ثالثا، لتجنيب القيادة الرسمية الحرج السياسي، على الصعيدين الدولي والإسرائيلي، الناجم عن تعهدها سلوك طريق التفاوض، وأيضا، عن وضعها كسلطة معنية بتأمين الحاجات الأساسية لشعبها.
وبالطبع فإن الفصائل الفلسطينية بمختلف تياراتها تتحمل المسؤولية، بقدر معين، عن تردّي الوضع القيادي الفلسطيني إذ أنها فوجئت وأربكت، سياسيا وميدانيا، باندلاع الانتفاضة، بسبب ركون بعضها للتحالف مع السلطة واعتماده عليها، وبسبب تركّز جهد، بعضها الأخر، على معارضة عرفات على حساب انشغاله بمتطلبات الصراع ضد إسرائيل وسياساتها، هذا فضلا عن أن التآكل الذاتي للعديد من الفصائل ساهم بدوره في الفراغ القيادي الحاصل.
لهذه الأسباب كلها ينبغي وضع قضية إصلاح الهيئة القيادية الفلسطينية في أول سلم لإصلاحات الداخلية، فمنذ سنوات بات يصعب الحديث عن وجود هكذا هيئة، لا على مستوى منظمة التحرير ولا على مستوى السلطة الوطنية، ولا حتى على مستوى حركة "فتح"، هذا فضلا عن غياب المؤسسات القيادية التمثيلية الفلسطينية من مثل: المجلس الوطني والمركزي والتشريعي؛ فما هو موجود عبارة عن جسم هلامي غير محدد لا من حيث الشكل ولا من حيث الصلاحيات، يتألف من خليط من كل ما سبق ذكره، من هيئات، مضافا إليه بعض قادة الأجهزة الأمنية والمسؤولين الماليين والمستشارين المتنفذين.
ولا شك بأن الرئيس ياسر عرفات يتحمل تحديدا المسؤولية الأكبر عن تغييب الهيئات القيادية الفلسطينية الشرعية، لصالح تركّز الصلاحيات في شخصه، فهو رئيس الهيئات السياسية والأمنية والمالية، وهو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية وزعيم حركة فتح، وهو الذي يصوغ كل القرارات، المصيرية والكبيرة والشكلية والصغيرة، في آن معا!
وطبيعي أن هذا الوضع الشاذ سمح لبضعة أشخاص من "المستشارين" المحظيين، الذين لا يمتلكون أية شرعية، من بناء مراكز قوة ونفوذ (أمني ومالي وسياسي) ما جعلهم "يمونون" على القرارات المصيرية والتحكم بمقدرات الساحة الفلسطينية، على حساب الهيئات الشرعية مستمدين شرعيتهم من رضى الرئيس عنهم؛ ما أتاح لهم، أيضا، تطويق الرئيس عرفات، نفسه، بالمعطيات التي تتلاءم مع أهواءهم وارتباطاتهم.
والآن، فإن طريقة "الاستقالات" و"التعيينات" العجيبة وردود الفعل الغريبة عليها ومحاصرة الرئيس عرفات في مقره في رام الله (من دون أية ردة فعل تذكر) واستمراره في العمل واتخاذ القرارات، بذات الطريقة التي اعتاد عليها، تثير، مجددا وبإلحاح أهمية التركيز على أولوية إصلاح القيادة الفلسطينية من خلال ترميم الفراغ القيادي، المؤسساتي والتشريعي في الساحة الفلسطينية التي عانت كثيرا ودفعت غاليا ثمن المبالغة بدور الأبوات على حساب المؤسسات، وبالمراسيم الرئاسية على حساب الهيئات التشريعية والشرعية، وبالتنظيمات والأجهزة على حساب المجتمع، فهذه الساحة تحتاج في عمليتي المقاومة والبناء إلى بني مؤسسية ولهيئات مقررة قائمة بذاتها وقادرة على الاستمرار والتطور، بغض النظر عن التحولات السياسية الحاصلة.
على ذلك فإن القيادة الفلسطينية، وخصوصا الرئيس عرفات، تخطئ باعتقادها بأن الساحة الفلسطينية يمكن أن تتحمل الفراغ القيادي المريع الذي تعاني منه، وتخطئ أكثر إذا اعتقدت بأن الإصلاح القيادي يقتصر على تحريك أشخاص من أماكنهم وتغيير في الشكليات، والمصيبة، أنها أخطأت كثيرا حين تعمدت تأخير الإصلاح والتغيير وحين استجابت، بمقدار معين له، بعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية الممارسة عليها؛ هذا من ناحية.
من ناحية ثانية، وبغض النظر عن شبهة الابتزاز الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن لامناص من إيجاد فصل بين السلطة ومنظمة التحرير، أو بين القيادة السياسية والحكومة الفلسطينية، وفي الواقع الفلسطيني، المعقد والاستثنائي، لم يكن هكذا خلط لا في صالح السلطة ولا في صالح المنظمة، كما بينت التجربة الماضية.
ففي مرحلة المفاوضة انهمكت القيادة الفلسطينية بالعملية السياسية، على حساب بناء المؤسسات، فلا نجحت في هذا ولا في ذاك؛ والأنكى أن هذا التداخل خلق مخاطر أخرى تمثلت ببروز شخصيات معينة لها وظائف متعددة، فالوزير المسؤول عن قطاع معين يمكن أن يكون مفاوضا سياسيا وأمنيا وماليا، وناطقا إعلاميا باسم الشعب الفلسطيني.
والمسؤول الأمني، ينطبق عليه ذات الأمر! وهذا الخلط بالوظائف خلق شريحة لها مصالح وطموحات محددة، ربما قادت إلى انحيازات وتوجهات سياسية معينة، ما يعني ضرورة الفصل بين الوظيفة الإدارية والأمنية والمالية في إطار السلطة، وبين القيادة السياسية، ومن ضمنها شؤون المفاوضات، المعنية بمصير الشعب الفلسطيني.
أما في مرحلة الانتفاضة فقد ظهر بشكل واضح بأن مهمات السلطة مختلفة عن مهمات المنظمة، إذ تعذر على السلطة أن تظهر بمظهر الموجه للانتفاضة، للأسباب التي شرحناها، ولكن ذلك لم يعفها من تحمّل تبعات الانتفاضة، بسبب وحدة جسم القيادة، وهو ما أدى إلى تدمير مؤسسات السلطة وتقويض البني التحتية للفلسطينيين، في المناطق الخاضعة لها، أما بالنسبة لقيادة المنظمة فهي ما كان لها أن تختزل نفسها إلى مجرد سلطة في الضفة وغزة بحكم استمرار الاحتلال، أولا، وبسب اهتمامها بالحفاظ على مكانتها ودورها بالنسبة للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ثانيا.
ولا شك بان وجود ياسر عرفات، في وقت واحد، بموقعي رئيس السلطة الوطنية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الفلسطينيتين (فضلا عن كونه زعيما لحركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية) هو الذي خلق إشكالية التداخل بين السلطة والمنظمة، ما سهّل على إسرائيل استهداف الوضع الفلسطيني برمته، إذ أنها بحصارها لياسر عرفات تشل الساحة الفلسطينية وتهدد، من خلال استهدافها لشخصه، ركائز العمل الفلسطيني، أي السلطة والمنظمة و"فتح".
على ذلك فإن إن إصلاح القيادة يتطلب، أيضا، وضع الأسس اللازمة لقيام شرعية خاضعة للمحاسبة والمساءلة والقانون وتحتكم لأصول العلاقات الديمقراطية في اتخاذ القرارات وصوغ السياسات، ما يفترض التخلص من الحالة الهلامية والفردية والمزاجية، أي الحالة التي لا يوجد فيها مرجعيات قانونية ودستورية وسياسية، لأن هذا الوضع هو الذي ينتج الفوضى والفساد والعبث في الساحة الفلسطينية.
وأخيرا فإن التغير القيادي الفلسطيني المنشود لا بد أن يأخذ باعتباره الواقع الصعب والمعقد للساحة الفلسطينية وخصوصا لجهة الإشكالية الناجمة عن وجود كيان سياسي فلسطيني، هو في طور النشوء، واستمرار حركة التحرر الفلسطيني، بحكم استمرار الاحتلال، وهذه معادلة ينبغي احتسابها بدقة، حتى لا تتمكن إسرائيل، من جهتها، من تحقيق هدفها المتمثل بوأد الكيان الفلسطيني، وحتى يتمكن الشعب الفلسطيني من جهته من الحفاظ على حقه في النضال لاستعادة حقوقه.
المهم أنه وبغض النظر عن الشبهات التي تثيرها الدعوات الأميركية والإسرائيلية للإصلاح في الساحة الفلسطينية، فثمة حاجات داخلية ـ ذاتية تؤكد على ضرورة إجراء عملية مراجعة وتجديد وتطوير للنظام السياسي الفلسطيني في بناه ومؤسساته وطرق عمله وخطابه السياسي، أولا لتعزيز الوحدة الوطنية وتوليد قاعدة إجماع واسعة حول القرارات المصيرية المتعلقة بعمليتي البناء ودحر الاحتلال، وثانيا لأن إصلاح الفلسطينيين لأحوالهم هو، بحد ذاته، ركيزة أساسية من ركائز صمودهم أمام التحديات الإسرائيلية.