«الزحف على حد المستحيل».. للشاعر يس الفيل

بقلم: أحمد فضل شبلول

"الزحف على حد المستحيل" أحدث دواوين الشاعر المخضرم يس الفيل، صدر عن مطبوعات الكلمة المعاصرة التي يصدرها إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، واحتوى على إحدى وعشرين قصيدة (منها قصيدة "لماذا أنتِ في قلبي؟" ص 52 التي لم تثبت في فهرس الديوان) تنتمي كلها إلى شعر التفعيلة الذي يجيد الشاعر التعامل معه، مثلما يجيد تماما التعامل مع الشعر العمودي.
وجاءت أغلب القصائد من تفعيلة بحر الهزج مفاعيلن (8 قصائد) ثم تفعيلة بحر المتقارب فعولن (7 قصائد) ثم تفعيلة الخبب (3 قصائد) ثم تفعيلة الرمل فاعلاتن (قصيدتان) وأخيرا قصيدة واحدة من تفعيلة الرجز مستفعلن.
وهكذا يغترف الشاعر من تفعيلات خمسة بحور شعرية صافية. وهو إلى جانب ذلك يحافظ على وجود التقفية المستمرة بين السطور الشعرية، ليخلق مناخا موسيقيا أو إيقاعيا تسبح فيه الكلمات والصور الشعرية المتدفقة بين يدي الشاعر، فتطرب له الأذن عند الاستماع، وترتاح له العين عند القراءة البصرية، فللعين أيضا إيقاعها.
ولعل هذه الخصيصة تعد من أهم خصائص شعر الشعراء المخضرمين (أي الشعراء الذين يجمعون بين الكتابة العمودية والكتابة التفعيلية في أشعارهم، والذين عاصروا بزوغ فجر الحركة التفعيلية على أيدي روادها الأوائل، ولم يأخذوا منها موقفا حادا، مثل غيرهم، وإنما بدأوا يتحسسون الخطى نحوها، ويجربون الكتابة على منوالها، وحققوا نجاحا يحسب لهم في هذا المضمار، ويعد الشاعر يس الفيل واحدا من أهم أقطاب هؤلاء الشعراء المخضرمين في مصر).
لقد ظل يس الفيل يجاهد من أجل تحقيق شعريته الخاصة، فكتب في كل الموضوعات الإنسانية تقريبا، وعاصر أحداث وطنه العربي الكبير، وتفاعل مع قضايا الأمة. ولعل وجوده في قريته الصغيرة "دست الأشراف" بمحافظة البحيرة، ورفضه ـ منذ وقت مبكر ـ الإقامة بالعاصمة، جعله يعكف على إنتاجه الشعري، يجوده وينقحه ويؤصله، ويجد الوقت المتاح ليراسل أغلب الصحف والمجلات المصرية والعربية، التي تستقبل أعماله دائما بما يليق بها.
وقد تأخر يس الفيل كثيرا في نشر أعماله الكثيرة والمتنوعة ـ سواء الشعرية أو القصصية أو المسرحية المكتوبة للكبار أو المكتوبة للأطفال ـ بين دفتي كتاب مطبوع.
وعندما أحس أن العمر بدأ يتسرب من بين يديه، أدرك أهمية جمع أعماله المكتوبة والمنشورة في دوريات مختلفة، لتصبح في كتب تحفظها من التشتت والضياع، لذا نراه هذه الأيام دؤوبا في جمع أعماله المتناثرة ونشرها، سواء من خلال مؤسسات النشر الرسمية، أو على نفقته الخاصة.
ويجئ ديوان "الزحف على حد المستحيل" تحقيقا لهذه المهمة التي يضطلع بها الشاعر، وهي جمع أعماله في مصنفات شعرية. وتعكس قصائد هذا الديوان رؤية الشاعر للناس والحياة والحب والجمال والأمل والوطن. يقول في قصيدة "ينابيع الجمال": لماذا أنتِ ؟
تنتزعين إعجابي
وترتسمين قنديلا
على بابي
وترتفعين سنبلةً
على ربواتنا تعلو
وتعلو فوق ظفر الأرض
والناب
لماذا أنت ؟
لا أدري
واللاأدرية هنا تختلف تماما عن لا أدرية إيليا أبو ماضي ـ ومن سار على دربه ـ فأبو ماضي ينطلق من موقف الشك الوجودي، أما لا أدرية الفيل، فتنطلق من الإحساس المبهم بالجمال، الذي لا يستطيع أن يرجعه إلى مصدر معين سوى الإلهام الرباني، أو الإيمان القلبي الذي يخلع على الوجود جمالا وطهرا وصفاء وحياء، لا يشعر به سوى أصحاب القلوب المؤمنة الشاعرة: أيا ترنيمةً للحبِّ
ترسل عطرها الفواح
إيمانا
وتنثر
أينما تسري
عبير الصفو ألوانا
وتعرف أن قدر جمالها
يخضرُّ بين مشاتل الطهر
لماذا أنت ؟
لا أدري
وعلى الرغم من رمزية الموضوع الذي تتحدث عنه "ينابيع الجمال"، وتحليقه إلى آفاق وسماوات علا، فإن الشاعر استطاع أن يجسده وينقله إلى عالم البشر في سموهم وبعدهم عند الدنايا والصغائر والغواية. يقول الشاعر: لا أدري
سوى أني رأيتك
في مساراتي
وبين المؤمنات هناك
من أهلي وجاراتي
حياء ليس يخدعه
سفورٌ ضلَّ
أزمانا
وأغوانا ..
وعن درب الهوى
في رحلة الأشواق
أعمانا.
هنا ننتقل إلى عالم مادي أرضي، ولكن لم يزل محافظا على نقائه وطهر سريرته، وقد تجسد هذا العالم في: القنديل المعلق على الباب، والسنبلة، والربوة، والأردية، وتلك المؤمنة التي شاهدها (هناك)، وهناك هذه تحيلنا إلى المكان أو إلى المسارات التي سلكها الشاعر في درب الطهر والنقاء. وما من شك أن تلك المسارات أو الدروب تدل بطريقة غير مباشرة على أماكن الحج أو العمرة، والسعي بين الصفا والمروة، حيث يقف الإنسان بين يدي الله في بيت الله الحرام، أو تدل بطريقة نفسيه إلى دروب النفس الطاهرة المبرَّأة من كل ذنب وغواية، أو إنها تدل في قراءة ثالثة على دروب الحلم البشري ومساراته المختلفة نحو التخلص من التراب والطين الذي يعلو هام الإنسان، ويتحكم في تصرفاته وسلوكياته، ويوجهه نحو دروب الشيطان: وأدرجنا مع الشيطان
أخوانا
فبتنا
نستطيب الحرث
في البحر.
إنه توق الإنسان إلى التخلص من طينته، فتخف موازينه فيصفو ويعلو، ويصير روحا دائرة في فلك الجمال والصفاء والنقاء والمحبة.
ولنا أن نتأمل تعبيرين أو صورتين متشابهتين وردتا في القصيدة، هما: 1 ـ وترتسمين قنديلا / على بابي / وترتفعين / سنبلةً على ربواتنا تعلو
2 ـ وترتفعين سنبلةً / على بابي / يحيط بك الإباء
فبعد أن كان ارتفاع السنبلة على الربوات، أصبح قرب نهاية القصيدة على الباب، وكأن باب الشاعر الذي تكرر ذكره مرتين، هو المدخل إلى عالم الصفاء والنقاء والجمال، فعلى الباب الآن يوجد القنديل رمز الشبع الروحي الذي يضيء عالم الشاعر، والسنبلة رمز الشبع المادي حيث لا يشعر الداخل إلى عالم الشاعر بأي جوع أو إحساس مادي تجاه الحياة.
ويأتي رد فعل الشاعر عنيفا إزاء ما حدث في مكة المكرمة أثناء موسم حج 1409 هـ / يوليه 1989 حيث وقع انفجاران في هذا البلد الحرام. لقد أحس الشاعر أن هذا الجمال والصفاء والأمن والنقاء الذي تحدث عنه في قصيدته السابقة "ينابيع الجمال" معرض للتدمير على يدي بعض العابثين والحاقدين والموتورين. يقول في قصيدة "البيت": تمرد
تمرد
وأخرج سهامك
من جعبة الحقد
لا تبق شيئا
وكن عبقريا
ـ إذا ما تفجرت
أو كن غبيا
سهامك ليست بداياتِ غدرٍ
تروِّع بعضا من الآمنين
وليست سهامك آخرَ بغيٍ
على الأرض
ليست نهاياتِ هذا الغباء اللعين
فليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها كيان الطهر والنقاء والصفاء والجمال إلى محاولات التخريب والتدمير، ولن تكون الأخيرة. وعلى الرغم من معرفة الشاعر لذلك الأمر، ومعرفته أن هناك محاولات كثيرة مرت على مدى التاريخ وأشهرها محاولة أبرهة الأشرم لهدم الكعبة في العام نفسه الذي ولد الهدى فيه.
وعلى الرغم من يقين الشاعر أن للبيت ربا يحميه، وهي مقولة عبد المطلب الشهيرة عندما طلب من المعتدين رد الأبل التي أخذوها بدون وجه حق. فإن الأمر عندما يجري في زماننا ونكون شاهد عيان عليه، يكون ذا تأثير أكبر على المشاعر والأحاسيس المؤمنة، ندرك بعدها أن الحقد والجهل مازالا موجودين يطلان كل فترة برأسيهما على الطهر والعلم والنقاء، فربما يجدان ثغرة ينفذان منها، ولكن هيهات أن يحدث ذلك: على صخرة البيت كل السهام توالت
فأين البقاء ؟
على صخرة البيت
مالت وحطت وزالت نوايا
فأين البقاء ؟
هو البيت .. حبل الرجاء المتين
هو البيت .. منتجع الآمنين
وهكذا تتوزع قصائد الديوان بين النقاء أو الصفاء المطلق الذي تمثل في البيت المعمور وفي شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خصه الشاعر بقصيدة "تأهبي يا أرض للميلاد"، وبين من يريد تقويض هذا الصفاء والنقاء لتمتلئ الأرض بالشرور والآثام والغواية.
والشاعر في كل هذه الأحوال يقف موقفا صلدًا مدافعا عن نقاء الإنسان وسريرته وأشواقه نحو عالم اليوتوبيا، وأعتقد أن إنسان هذا العصر في أشد الحاجة إلى من يرشده أو يدله على طريق النقاء والجمال والصفاء، ولن يجد هذا الإنسان أجمل من الشعر طريقا إلى هذا العالم النقي، وبالتحديد شعر يس الفيل الذي ينزع إلى عالم الخير والحب والجمال.
ولأن إنسان العصر ما زال يعاني من طينته البشرية وتكالبه على المادة فإن الشاعر يرى نفسه زاحفا على حد المستحيل، ولكنه المستحيل الذي من الممكن أن يتحقق، ففي عالم الشعر لا يوجد شيء اسمه المستحيل، والشاعر يس الفيل يعرف ذلك مؤكدا، فهو القائل: يا قلوبا من حجارة
يا عيونا أنكرتني
ورأتني فوق حد المستحيل
ليتكم تدرون أني لغد آتٍ .. دليل
وما دام الشاعر جسَّد المستحيل بأن صنع له حدا، فإنه يدرك تماما، إمكانية عبور المستحيل ولو على حده القاطع، فالأمر ليس بالهين، ولكي نصل إلى الكمال والصفاء أو الجمال المطلق، لابد من المعاناة ولابد من الألم. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية