شعرية فرسان الثغر: أحمد فضل شبلول نموذجا

بقلم د. صلاح فضل

يقدم ديوان الشاعر أحمد فضل شبلول "الطائر والشباك المفتوح" نموذجا دالا لشعره وإشارات كاشفة عن عالمه، وتمثل القصيدة الأولى منه ـ وهي التي تمنح الديوان عنوانه ـ مدخلا واسعا لرؤيته، فالطائر يرمز إلى روح الأسلاف التي يدين لها الشاعر بالحب والولاء، كما تتجسد في أبيه على وجه التحديد، والاستفهام الذي يستهل به أبياته: من أي مكان ستطل عليَّ الآن ؟
من أي الأركان إذن ستجيء ؟
لا يلبث في نهاية المطاف أن يصبح شعورا حادا يملك على الشاعر أقطار نفسه بأنه لا يزال محاطا به من كل ناحية: أنت معي مازلتَ
تحاول تخفيضَ الأسعارِ
وإيقافَ نزيف الدم
مازلت تحاولُ
تحريرَ النفسِ من النفسِ
وتقويضَ الظلمْ
أنت معي
مازلت تحاولُ
رفعَ الأنقاضِ عن الوجه البشريِّ
وأنا ..
مازلتُ أحاولُ ترتيبَ العالمِ
داخل شعري .. بعد رحيلك
ومع أن استحضار "روح الأب" في لحظة تأمل ونجوى ومكاشفة تقتضي التحليق في تأملات أكثر تجريدا، وأبعد عن الواقع المحسوس للعالم الخارجي، غير أن هبوط الشاعر بشكل مفاجئ إلى تفاصيل "تخفيض الأسعار"، و"تقويض الظلم"، المسرفة في حسيتها مثل "رفع الأنقاض" عن وجه البشرية، كل ذلك يجسد أسلوب شبلول في التعبير الشعري، فهو شديد الارتباط بالأبنية المادية والمعنوية الموروثة، يتمسك بجذر التفعيلة، ويحرص على إبراز الإيقاع في القوافي المتتالية، ولو بشق النفس، كما يتمسك بهذا الجانب التصويري الحسِّي الملموس مع قدرته على طرح رؤيته بحذق في كلمات يسيرة وحاسمة في نهاية الأمر، لأن محاولة إعادة ترتيب العالم شعريا أبلغ في الدلالة على تداخل حيوات الأجيال، وأعمق في الإشارة للزلزال الذي أطاح بالشاعر عند فقد مرجعيته المباشرة المرتبطة بالأسلاف من جميع الصور الحسية السابقة.
على أن في القصيدة نفسا آخر هو الذي يمثل العصب الحسَّاس لشعر شبلول كله، وهو يتمثل في هذا التماهي بين الفنان والمكان، بحيث يصبح جمالياته هي التي تشكل وعيه، وتحدد مفردات تصوره للكون، فالإسكندرية ليست بالنسبة لفضل شبلول مجرد مكان للميلاد أو الإقامة، ولكنها وعاء روحه وجسد شعره ومجلى حياته، فحين يستعيد ذكرياته مع أبيه يبرز منها: كان رصيفُ البحرِ ..
وكان الفلُّ ..
وكان الوردُ
وشقشقةُ الفجرِ
لنا
كان العصفور يحطُّ على كتفينا
ويزقزق للأسماكِ
فتصحو
تجري فوق الماءِ
تنادي الأعشابَ
وتدخل بيتَ عروس البحرِ
فحين يأخذ الشاعر في تعداد مفردات "الثغر" والإمساك بملامحه يصبح شعره أكثر طلاقة وأقل تعثرا، فلغته بحرية، ومعجمه إسكندري بحت، وبيت شعره الأساسي هو ما تبنيه عروس البحر بين أمواج الإيقاع. إن الحس الوضيء والمشهد المتوسطي المفتوح على جمال الفضاء يمثلان الخلفية التشكيلية المنسكبة في كلمات الشاعر، والمحددة لإطار وعي قارئه بعالمه، بحيث لا تقوم أية صعوبة لحنية أو دلالية في اندماج هذين الأفقين في حضن واحد مفعم ببهجة التحرر، وحينئذ تتحقق شعرية فضل شبلول في أجمل تجلياتها الإبداعية. د. صلاح فضل
رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية