الآثار تصلح ما افسدته السياسة بين العراق وبريطانيا

لندن
لوحات مكتبة آشور- بانيبال تمثل تراثا انسانيا فريدا

منذ حوالي مائة وخمسين عاما استطاع عالم آثار بريطاني اكتشاف موضع مكتبة الملك آشور- بانيبال، والتي تعد اقدم مكتبة في التاريخ، بالقرب من مدينة الموصل في شمال العراق، وتمكن من استخراج 25 ألف لوحة مكتوبة باللغة المسمارية يرجع عمرها الى 2600 سنة، وتمثل سجلا فريدا للحضارة الآشورية التي قامت في العراق وضمت بلادا اخرى في ذاك الزمان.
واستقرت اللوحات منذ وقتها، وحتى الآن، في المتحف البريطاني. وتحولت الى تراث ثقافي يجمع البلدين بعد ان قام بدراستها عشرات العلماء العراقيين والبريطانيين لمعرفة اسرار الحضارة الآشورية. وظل الحلم الذي يراود العلماء العراقيين باستمرار، هو احياء مكتبة آشور- بانيبال يوما ما في موقعها الاصلي بمدينة الموصل العراقية لتمارس دورها القديم كمنارة للحضارة والمعرفة.
الا ان رياح السياسة تأتي بما لا تشتهي سفن العلماء. فظروف الحصار المفروض على الشعب العراقي منذ سنوات طويلة منعت علماء الآثار العراقيين من مواصلة جهودهم في هذا المجال بالشكل الذي يريدونه. حتى حانت لهم الفرصة للمشاركة في مؤتمر علمي نظمه معهد الآثار التابع لجامعة لندن حول الحضارة الآشورية. ورأى العلماء العراقيون انها فرصة نادرة للدعوة لمشروع احياء مكتبة آشور- بانيبال.
وعرض ستة من علماء الآثار العراقيين الذين شاركوا في المؤتمر على نظرائهم البريطانيين فكرة اقامة مكتبة ضخمة في مدينة الموصل تضم نسخا من اللوحات المحفوظة في المعهد البريطاني، وانشاء مركز دراسات تابع لجامعة الموصل يتولى مسئولية متابعة البحث والاهتمام بهذه المكتبة بالتعاون مع معهد الآثار بلندن.
وبعد عرض هذه الفكرة بشهر واحد تمت دعوة الدكتور جون كيرتس رئيس قسم الشرق الادنى بالمتحف البريطاني الى بغداد لحضور ندوة عن احياء حضارة بابل. وخلال هذه الزيارة اخبر العالم البريطاني نظرائه العراقيين ان المتحف البريطاني مستعد للتعاون في مشروع احياء المكتبة.
وكان قبول المتحف البريطاني التعاون في هذا المشروع الهائل امرا بالغ الاهمية لان المكتبة التي اسسها الملك الآشوري آشور- بانيبال لا تقدر قيمتها بثمن، فهي اول مكتبة منظمة ومفهرسة في العالم القديم. واللوحات التي تحتوي عليها المكتبة وضعها نحاتون تم ارسالهم برعاية الملك نفسه الى شتى انحاء المملكة لتسجيل لمختلف نواحي الحياة العلمية والاجتماعية والدينية في هذه الفترة. واتسمت هذه السجلات المحفورة بالدقة والاعتناء باصغر التفاصيل حتى انها تحتوي على تسجيل لقوة فيضان كبير على غرار ما تورده موسوعة جينيس للارقام القياسية في الوقت الراهن. ولم يكن الملك آشور- بانيبال، الذي حكم المملكة الآشورية منذ عام 669 الى 627 قبل الميلاد، محاربا عظيما واحد اكبر كهنة الآله آشور فقط، بل كان ايضا نحاتا. ويرى كثير من علماء الآثار انه قام بنحت بعض اللوحات في مكتبته بنفسه.
ويقول الدكتور مظفر الامين رئيس قسم رعاية المصالح العراقية في لندن عن هذا المشروع "ان العراقيين شديدو الاعتزاز بثقافتهم وحضارتهم التي كانت واحدة من اعظم وابرز الحضارات في العالم القديم. ولهذا فان احياء مكتبة آشور- بانيبال سيكون انجازا عظيما بلا شك، خاصة وانه خلال حرب الخليج التي بدأت عام 1991 تم سرقة الكثير من الكنوز الاثرية العراقية، وتم بيعها عبر كافة انحاء العالم".
ويضيف الامين "ان العراقيين شعب ذو جذور حضارية عميقة، وهو شعب محب للسلام، غير ان كل ما يتردد في وسائل الاعلام الغربية هو تقارير تتضمن مزاعم مكررة عن امتلاك العراق للاسلحة الكيماوية والبيولوجية. واغلب هذه التقارير تنقل عن السياسيين الاميركيين الذين لا يعرف اكثرهم اين تقع العراق على الخريطة. ومن هنا تبرز اهمية ابراز الوجه الحضاري للعراق الذي لو قدم على حقيقته للناس في الغرب لما حملوا أي مشاعر عدائية تجاه العراق".
ويرى الامين ان التواصل بين الشعوب يجب ان يتم عبر الموسيقى والادب والثقافة والفنون لا عبر مشاعر عدائية يروج لها سياسيون لا يعرفون شيئا عن العراق وحضارته.
ويؤكد ان مشروع احياء مكتبة آشور- بانيبال هو مشروع حضاري قبل أي شيء. وبه اثبتت بغداد انها مستعدة للتعاون على المستوى الثقافي. ولا يجب مواجهة مثل هذه الفرصة بالمزيد من عمليات القصف والقتل. جهود اوسع لدعم العلاقات بين البلدين ولا يقل حماس الدكتور جون كيرتس للمشروع عن العراقيين اذ يعلق "ان المشروع هو تعاون ثقافي بحت، وهو جزء من مهمتنا في تحسين العلاقات الثقافية بين البلدين".
ويرى العالم البريطاني في تصريحات صحفية ان الحكومة العراقية كانت مهتمة دائما برعاية تراثها الحضاري، الا انه منذ حرب الخليج تمت عمليات سرقة من المتاحف او عمليات تنقيب غير قانونية عن الآثار العراقية، وهذا المشروع سيساعد على وضع حد لهذه العمليات. ويؤكد العالم البريطاني انه سيتم ارسال مئات من النسخ للوحات العراقية. كما سيتم ارسال اجهزة حديثة لحفظ معالم اللوحات حتى يتم استكمال بنية المتحف.
وقد طالبت العراق منظمة اليونسكو بالتعاون في تنفيذ هذا المشروع، ويتوقع الدكتور مظفر ان يلقى هذا الطلب ردا ايجابيا من المنظمة.
اما في مدينة الموصل نفسها التي تحتضن المشروع الجديد، فقد قررت جامعتها انشاء مركز للدراسات الاثرية يكون ملحقا بالمكتبة. كما سيتم انشاء معهد صدام حسين للدراسات المسمارية، وهي اللغة التي استخدمت في الكتابة على لوحات مكتبة آشور- بانيبال.
ويأتي التعاون الجديد بين المتحف البريطاني والعراق في اطار جهود اوسع للحفاظ على الروابط الثقافية والفنية بين البلدين. وبالرغم من المشاكل الكثيرة التي تشوب العلاقات السياسية بين البلدين فان شرطة الآثار البريطانية لم تهمل بلاغا من عالم آثار ايطالي عن وجود تمثال للآله ميدوسا يرجع عمره الى 4000 آلاف عام، تم تهريبه من العراق ليعرض باحد المحلات المتخصصة في بيع الآثار في ايطاليا.
واستطاعت الشرطة البريطانية استعادة التمثال المسروق وتسليمه لمكتب رعاية المصالح العراقية بلندن الذي قام باعادة التمثال الى الارض التي جاء منها. ولاقت هذه الخطوة ارتياحا وترحيبا كبيرا من الجانب العراقي.
ولعل هذا الاهتمام البريطاني الواضح بالحفاظ على الآثار العراقية يوضح السبب في عدم مطالبة العراق حتى الآن بعودة اللوحات الاصلية في مكتبة آشور- بانيبال.
ويقول الدكتور مظفر الامين "بالطبع هذه الآثار تخص العراق. وهناك برنامج للامم المتحدة يهدف الى عودة الآثار ذات القيمة الخاصة لبلدانها الاصلية. ولكن في الوقت الحالي لا يطالب العراق بذلك. وهو موضوع تم تركه مفتوحا للمفاوضات بين البلدين".
والموقف العراقي من هذا الموضوع يوضح درجة النضج التي تتسم بها علاقة البلدين في الجانب الثقافي، وحرصهما المشترك على صيانة التراث الحضاري العراقي بافضل صورة ممكنة سواء بوجوده في لندن او في بغداد على اساس انه تراث انساني فريد يشترك الجميع في مسئولية صيانته والتعريف به.
غير ان العلاقة السياسية لا تزال بعيدة عن هذا النضج الثقافي. وما يأمل فيه كثير من العلماء والمثقفين العراقيين والبريطانيين ان تكون مكتبة آشور- بانيبال جسرا لتطوير علاقة عامة افضل بين البلدين. وكما جمعت هذه المكتبة العظيمة بين حضارات شعوب مختلفة في الماضي، يمكن ان تجمع بين الحضارتين العربية والاوروبية في هذا العصر.