غسان يقرع جدران الخزان

بقلم: نضال حمد
غسان كنفاني، الثاني من اليمين، اغتيل في ريعان شبابه

في مثل هذا اليوم وقبل ثلاثون عاما مضت سقط الشهيد الحي والكاتب والأديب المبدع والفنان الرسام والقائد السياسي و الثقافي غسان كنفاني جراء انفجار سيارته في بيروت عاصمة الكلمة وقلعة الصحافة العربية الحرة.
لم يكن موت غسان بالأمر العادي بل تخطى حواجز العادي ليدخل في مرحلة تحويل الحرب إلى ميدان التصفيات الغير عادية والاغتيالات المختارة تلك التي لا تعرف الحدود أو النقاط الحمراء.
إن مصرع الأديب الكبير وبتلك الطريقة الدموية والجهنمية التي عبرت عن مدى الحقد والعداء الذي كانت تكنه الصهيونية العالمية للمبدعين الفلسطينيين وفي المقدمة منهم غسان كنفاني الذي كان يقاتلهم بالكلمة كما بالبندقية وبالقلم كما بالعلم وبالعقل لا بالجهل ولا بالتخلف والتطرف.
كان يدرك ويعي أن الصراع مع الصهيونية العنصرية ليس صراعا عاديا بل هو صراع الوجود والحدود, صراع البقاء أو الفناء, والموت أو الحياة في زمن كانت فيه للأنظمة العربية المستسلمة أو المسترخية الكلمة الفصل في فصل فلسطين عن محيطها العربي. كلن غسان على يقين بأن الأنظمة ساهمت في ضياع فلسطين وفي تغييب وتجهيل الشعوب العربية وحرمانها من التطور والتنوير وحتى التفكير بحرية محدودة، لذا وجد أنه من الطبيعي أن تبدأ القوى الفلسطينية الحية واليانعة بتجهيز نفسها وتأسيس حزبها القومي أو نواتها الثورية التي سيتحتم عليها قيادة الشعب نحو الثورة ومن ثم الحرية والاستقلال.
من هنا كان خياره الالتحاق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التنظيم الفلسطيني الطليعي الذي عبر عن صحوة الشباب العربي ونهضة الأمة العربية الجديدة بعد النكبة الكبرى سنة 1948 وبعد النكسة المؤلمة سنة 1967.
أسس غسان كنفاني مجلة الهدف ورأس تحريرها منذ البداية حتى استشهاده, كما كان له شرف العمل في مجلات وجرائد عربية عديدة لا زالت تذكره باحترام وتجله وتحترم طاقاته الإبداعية والثقافية.
كما انه قدم أعمالا إبداعية عديدة, تميز في القصة القصيرة وفي الرواية كما انه كان أول من قدم دراسة مميزة عن أدب المقاومة في فلسطين المحتلة عرف العالم العربي والأجنبي من خلالها شعراء فلسطين المحتلة وفي المقدمة منهم محمود درويش توفيق زياد وسميح القاسم، وتبعها غسان بدراسة أخرى في الأدب الصهيوني دخل فيها الكاتب إلى قلب المعادلة الصهيونية وغاص عميقا في لب الأدب الصهيوني محاولا فهمه ومن ثم تقديمه للقارئ العربي حتى يتمكن بدوره من فهم ماهية وطبيعة عدوه الأول الذي أغتصب أرضه وشرد أهله وقتل خلانه وأصحابه وهدم بيته ولازال يلاحق الفلسطينيين الأبرياء والعزل في مخيماتهم وأينما كانوا.
استطاع غسان فهم الكشف عن الكثير من المعلومات التي كانت مجهولة وغير معروفة بالنسبة للقارئ العربي.عرف عدوه من الداخل وحاول إيجاد العلاج لوباء الصهيونية اللعين لكن لعنة الوباء لاحقته في السر حتى تمكنت من اغتياله وابنة شقيقته في اليوم المذكور.
مهما قلنا أو كتبنا عن غسان كنفاني فأننا سوف لن نعطيه حقه, فهو كاتب كبير وأديب مميز قاتل بالقلم والفكر والكلمة كما بالسلاح، غيبه القتل وهو في ريعان الشباب وعنفوان الكتابة والإبداع. لو قدر له أن يعيش أكثر كان بالتأكيد سوف يبحر عميقا في بحور الأدب ومن يدري ماذا كان سيقول عن الوضع الفلسطيني وعن المأساة الفلسطينية التي أصبحت مساحة صمودها الصغيرة أكبر من خريطة الوطن العربي الكبير وأبعد من حدود القطب المتجمد الشمالي.
الصوت الذي يقرع خزان ذاكرتنا هذه الأيام هو صوت غسان كنفاني الذي يردد على مسامعنا كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة: ما تبقى لكم .. ما الذي تبقى لكم؟ اقرعوا جدران الخزان اقرعوا جدران الخزان.
لم يعد أمامكم سوى إتمام رسالتكم انتم على وشك الانتهاء من رحلة الألف ميل.. أنتم في الطريق الطويل أقرب من أي وقت مضى لفلسطين الكاملة الأوصاف, فلا الصديق صديقك ولا الشقيق شقيقك أيها الفلسطيني الموشح بثوب الشهادة والمزين بحزام الأمان الإستراتيجي , حزام الموت من أجل الحياة في أزمنة لم يعد فيها معنى للحياة. أنها أزمنة الرعاع من رعاة البقر والبشر, أزمنة أنجبت جورج بوش وريغان وشارون ورايس وأخذت إلى الموت رجال هم أكثرنا عطاء وأمانة ووفاء وأصالة وانتماء.
في يوم رحيلك يا غسان ليس لنا ألا نتذكرك فنعاهدك على الاستمرار في مسيرة العطاء والوفاء لدماء الشهداء وللأرض التي سوف تلفظ الصهاينة كما لفظ بحر صيدا و غزة الغزاة.
في يوم رحيلك نجدد قراءة أعمالك ونعيد مطالعة كتاباتك كي نتأكد من أننا لازلنا نحفظ أحلامك أحلامنا ولا زلنا نبني المواقف على أسس سليمة وبرؤى واضحة وتفكير دقيق يميز ما بين العدو والصديق.