قصة قصيرة: هــناك

بقلم: السيد نجم

"نسيت"
رمى ناظريه الى حيث لا يرى ونطقها..
دفست ردفيها بين جانبي المقعد كمن يدفس قشا في بيت النار..
قرفص أمامها بحلق نحوها , ثم أومأ متابعا يرجوها أن تصدقه ..
حاولت أن تقدم له الاعتذار غير المطلوب لم يعد يعنيه. أخبرها أنه بالفعل ليس في حاجة الى الاعتذار لأنه وببساطة في غير حاجة إليها , متابعا أن المرء حين يقبل أو يرفض الاعتذار يكون حريصا على المعتذر له. وانه لم يعد كذلك, لأنه نسى تماما أنها تزوجت من غيره , فضلت آخر ليس هو الغريم الشريف.
..... ........ ........
فلما أحنت رأسها وبصت الى تحت هاجت كومة شعرها الشاردة نحو الجانب القريب من الأرض. ينسدل شعرها منها المرة تلو المرة, يسعى إليه, الى كفيه الغليظتين.. كما كانت منذ سنوات مضت لا يعرف عددها.
لما تقوس جذعها بشدة نحو جالس القرفصاء, سألته:
" أين تمثالي الذي صنعته لي؟!
يوم أقسمت أنك لا تستطيع إلا أن تراني في كل حين!"
قال:" أنا على استعداد للترحاب بك, أشرب معك فنجانا من الشاي أصنعه بنفسي. "..ردت بأنها تريد أن تعرف إجابة على سؤالها.
لم تفض أكثر, تخلصت من قيدها الغامض, ذاك الذي جعل شعرها المنسدل يتعلق نحو كفيه. انفرطت تعدو بين أرجاء الشقة الضيقة في غضب..تصيح:"أين تمثالي؟ ..حقي وأيامي".
من فرط عتمة المكان ..تعثرت.
نطقت عفوا :"آه.. آه يا كامل".
لم يسمع اسمه, سمع ضوضاء تأتى بالآهة الأنثوية التي يعرفها, يتذكرها منحوته في صدره. داهمته حالة من التوتر.."حياة" تتألم , يود لو يسعى إليها!
أما وقد نجح في التخلص من السلاسل القابضة على مفاصله وأطرافه, هم يبوح بما جال في صدره. لم تدعه يشرح لها, ولا سر ذاك الشيء الذي تعثرت فيه على الرغم من شقته الخاوية تقريبا من الأشياء المعتادة بين جدران تضم انسيا يتنفس وينام.
عاجلته قائلة:
" انه تمثالي الذي أبحث عنه, لم أره بسبب العتمة...
لماذا لم تخبرني عن مكانه؟"
رد فى سكينة :
" لم أعد أره..!!"
..... ....... .........
قلبها كان يدق بشدة, بدت مع صمتها كما التمثال المرمى الى جوارها, من حولها تحوم أشباح لا تدريها, تدفعها دفعا نحو "كامل" الذي فضل أن يضجع فى صمت وهدوء غريبين.لم يكن هدوء المطمئن ولا صمت المتوتر..كان كمن سيغشى عليه.
قالت في نفسها: لو كان حبيبي قادرا, لخطفني الى بلاد الزعفران والمسك والعنبر والمرجان. لو كان حبيبي يحبني..ما زال, لردد كلاما لا أفهمه , ويطلب منى أن أعيده ولا أعيده. لو كان حبيبي حقا كما كان ..لقال لي أحاديث الليل التي دارت معه وتمثالي بعد كل غروب شمس.
لكنه لم يفعل....!
ظمآنة كزهرة برية .
ثم قالت له:
" الآن أصبحت ضمن طابور المطلقات, ماذا أنت فاعل؟ غدا سوف ترحل الشمس لو لم أسمع إجابتك.. ماذا أنت فاعل؟"
رد عليها بعد أن تخلص من هيئة رقدته, استقام بطول قامته رأسه على امتداد ساقيه, وظهره على الأرض, بحلق نحو السقف المعتم..
قال: اليوم اليوم فقط اشتريت مدفنا مكسوا بالشمس محاطا بزرعة الصبار , وبالسور المرتفع الذي يفصل مقبرتي عن مقابر الآخرين.
عاد وكرر: "اليوم اشتريت مقبرتي" !!
اكتفت الحبيبة بالصمت !!!