إفلاس الشركات الكبرى يدمر فرص انتعاش الاقتصاد الاميركي

لندن
فضيحة وورلدكوم لم تكن الاولى، ولن تكون الاخيرة

تتواصل عمليات الكشف عن فضائح الفساد والتلاعب في أرقام الحسابات المالية للعديد من الشركات الأميركية الكبرى، بدءاً من شركة "انرون" العملاقة للطاقة وصولاً إلى "زيروس" ومروراً بـ "تيكو" و"جنرال موتورز" و"مايكرون تكنولوجي" و"زيروكس" و"جلوبال كروسينج" و"بوينج" وأخيراً عملاق الاتصالات "وورلدكوم".
وقد أدت هذه الفضائح إلى إفلاس العديد من الشركات ووضع أخرى على طريق التصفية، كما اهتزت أسواق الأسهم والأوراق المالية وزادت من الخسائر الباهظة التي تكبدها المستثمرون الذين خسروا في السنتين الأخيرتين أكثر من 2000 مليار دولار في قطاع الاتصالات فقط، فيما واصلت ديون الشركات الأميركية غير المالية في الفصل الأول من العام الجاري الارتفاع إلى نحو 4870 مليار دولار، أي حوالي نصف قيمة الناتج المحلي للولايات المتحدة، وقد ألقت هذه الفضائح بظلال سلبية ليس على اقتصاد الولايات المتحدة وحسب بل على الاقتصاد العالمي بأكمله. فضيحة "وورلدكوم" وجاءت آخر الفضائح حينما أعلنت مجموعة "وورلدكوم" ثاني أكبر شركة أميركية للاتصالات وخدمات المعلومات الدولية، التي تبلغ تكاليفها وفوائد ديونها 30 مليار دولار، في 25 حزيران/يونيو الماضي اكتشاف مخالفات حسابية تبلغ قيمتها 3.85 مليار دولار في عام 2001 وفي الفصل الأول من عام 2002، حيث تشير المجموعة إلى أن التحويلات بلغت قيمتها 661 مليوناً في الفصل الأول من عام 2001، و610 ملايين في الفصل الثاني، و743 مليوناً في الفصل الثالث، و931 مليوناً في الفصل الرابع، و797 مليوناً في الفصل الأول من عام 2002، أي ما يبلغ إجماله 3.85 مليار دولار.
وبعد ‏ساعات من الإعلان عن قيامها بفصل مديرها المالي سكوت سوليفان بعد اكتشاف مخالفات وأخطاء محاسبية هبطت أسهم الشركة في أسواق المال العالمية بشكل حاد وهبط السهم إلى 20 سنتاً بعدما أغلق على 83 سنتاً في مؤشر ناسداك، مع التذكير بأن سعر التداول بسهمها في أسواق المال العالمية وصل إلى 64 ‏دولاراً منذ عدة أشهر فقط، ثم انخفض بشكل سريع حتى بلغ 56 سنتاً في بداية الإعلان عن الفضيحة، ثم انخفض مرة أخرى إلى 32 سنتاً بعد انكشاف أبعاد الأزمة، وأخيراً واصل انخفاضه حتى بلغ 8 سنتات فقط.
وأعلنت الشركة التي يعمل فيها 85 ألف موظف أن المخالفات التي كشفت في دفاتر المحاسبة داخلياً تضمنت تحويلات ‏بين حسابات داخلية بلغت 3.055 مليار دولار للعام 2001 و797 مليون دولار في الربع ‏الأول من العام 2002.
وأضافت الشركة أن هذه التحويلات غير القانونية ستخف أرباحها بقيمة 6.339 مليار ‏دولار للعام 2001 وبقيمة 1.368 مليار دولار للربع الأول من سنتها المالية 2002 أي أن مجموع الخسائر خلال خمسة أرباح تزيد عن 7.5 مليارات دولار.
وسجلت "وورلد كوم" تكاليف تشغيل مثل رسوم استخدام شبكات شركات اتصالات أخرى باعتبارها استثمارات رأسمالية طويلة الأجل في خطوة مكنتها من إخفاء جانب من نفقاتها وتضخيم ايراداتها، وبالتالي إظهار أرباح غير حقيقية.
ويجري حالياً حساب تكاليف انهيار "وورلد كوم"، فالشركة مدينة لبنوك على مستوى العالم بنحو 4.5 مليارات دولار فيما تبلغ مستحقات شركات التأمين الأميركية لدى الشركة نحو 5.4 مليارات دولار.
وفي تطور لاحق أعلنت مجموعة "وورلدكوم" الأميركية العملاقة أنها باتت عاجزة عن سداد جزء من ديونها بعد أن أعلن دائنون أنهم يضعون حداً لبرنامج تحويل ديون المجموعة إلى أسهم الذي تبلغ قيمته 1.5 مليار دولار أميركي، وهو ما يعني ببساطة أنها لا تستطيع سداد ديونها سواء نقداً أو بتحويل هذه الديون إلى أسهم في رأسمال الشركة، أي أن أموال المستثمرين فيها قد تبخرت بالكامل تقريباً.
ولم تكن قضية الفساد في شركة "وورلدكوم" معزولة بين الشركات الأميركية فقد سبقها العديد من قضايا الفساد طالت العديد من الشركات الكبرى وكشفت عن شبكات كبيرة من العملاء والوسطاء يتبوأ الكثير من عناصرها مناصب كبيرة في الاقتصاد والإدارة الأميركية، كما لعبت شركات المحاسبة التي تتولى تدقيق حسابات هذه الشركات مثل شركة "آرثر أندرسون" دوراً خطيراً في هذه الفضائح.
وكشفت المعلومات عن الترابط الخفي بين السياسة ورجال الاقتصاد كما أظهرت فضيحة انهيار مجموعة "انرون" العملاقة للطاقة.
ويتوقع الخبراء والمحللون الكشف عن المزيد من هذه الفضائح في المستقبل فالحديث عن أخطاء وفساد يطال حالياً مجموعة من الشركات الأميركية الأخرى. ومنها على سبيل المثال لا الحصر شركة زيروكس للتجهيزات المكتبية التي كشفت صحيفة "وول ستيريت جورنال" أنها أقدمت هي الأخرى على ممارسات مغلوطة في حساباتها بين عامي 1997 و2000 مسجلة أرقام أعمال تفوق 6 مليارات دولار، بدلاً من ثلاثة مليارات، فيما قالت الشركة إنها حورت في حساباتها المعلنة بما يقل قليلاً عن 2 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية. أسباب الانهيار يرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون أن هناك مجموعة من الأسباب تقف وراء هذه الفضائح والانهيارات ومنها:
1 - غياب الشفافية والوضوح والتغاضي عن الأخطاء التي تعتبر احدى المقومات الاساسية للتقدم الاقتصادي. وهو ما يطرح تساؤلات صعبة عن كفاءة المؤسسات المالية والمصارف الأميركية ذات الصيغة العالمية والمتعددة الجنسية في تقويم الجدارة الائتمانية للمقترضين الكبار.
2 - تضخيم الإنجازات وتقديم أرقام وهمية عن أرباح خيالية ساهمت في رفع أسعار أسهم هذه الشركات في الأسواق المالية بدون مبررات اقتصادية فعلية بهدف تضليل المستثمرين ودفعهم إلى الإقبال على شراء أسهم هذه الشركات، الامر الذي ادى لرفع اسعارها بشكل غير طبيعي.
3 – توسع دائرة الفساد بين المسؤولين الكبار في هذه الشركات وتقديم رشاوى كبيرة للمسؤولين الاقتصاديين في الإدارة والكونغرس للتغاضي عن الإجراءات غير القانونية وهو ما أكدته صحيفة وول ستريت جورنال في 18 حزيران/يونيو الماضي من أن رئيس شركة "إنرون" كينيث لاي حصل على 67.4 مليون دولار على الأقل على شكل رواتب ومكافآت وأسهم بدءاً من الثاني من كانون الثاني/يناير 2000 ولمدة عام كامل. وحصل كل مسؤول على مبلغ يقدر بنحو 4.8 ملايين دولار. كما قدمت الشركة لحملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة أكثر من 6 ملايين دولار. وأضافت الصحيفة أن شركة إنرون للطاقة ستكشف في وقت لاحق أنها دفعت 681 مليون دولار نقداً وعلى شكل أسهم لـ140 من مسئوليها الكبار بينما كانت تعد لإعلان إفلاسها قانونياً.
4 – تواطؤ شركات المحاسبة والتدقيق المعتمدة مع مسئولي هذه الشركات، وهو ما أدينت به شركة "آرثر اندرسون"، التي تعتبر من أكبر شركات تدقيق الحسابات في العالم وتشغل 26 ألف موظف، من قبل القضاء الأميركي. فقد وجهت إليها أصابع الاتهام في انهيار مجموعة "انرون" العملاقة للطاقة التي أعلنت إفلاسها في كانون أول/ديسمبر الماضي عبر إتلاف أطنان من الوثائق تتعلق بشركة انرون. وبدأت أصابع الاتهام تشير لشركة اندرسون مع بدء التحقيق في انهيار انرون على أساس مسئوليتها من جانبين: الأول: أنها ساهمت في إخفاء خسائر انرون عن طريق إنشاء شركات وهمية على الورق، وادعاء أن انرون تساهم فيها وتحقق منها أرباحاً وهمية. والثاني: أنها اخفت على المحققين حقيقة معاملاتها أو معاملات انرون. انعكاسات الفضائح يشعر العديد من المسؤولين الأميركيين بالقلق جراء التداعيات السلبية لسلسة الفضائح السابقة على مستقبل الاقتصاد الأميركي الذي ما زال يعاني من الركود وآثار هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) الماضي، وسنوجز فيما يلي أهم الانعكاسات السلبية في النقاط التالية:

أ - تراجع معدل النمو: وجهت فضائح الفساد ضربة قوية إلى انتعاش الاقتصاد الأميركي الذي تحقق خلال النصف الأول من العام الجاري وهو ما أكدته "كاترين مان" الاقتصادية في معهد الاقتصاديات الدولية معهد الأبحاث الخاص في واشنطن بقولها": إن الفضائح ألقت بثقلها على النصف الثاني من العام 2002 وستلجم نمو الدخل القومي في العام 2003.
وأوضحت أن إجمالي الناتج المحلي سينمو بنسبة 2.5 في المائة فقط وفقاً للمعدل السنوي من تموز/يوليو إلى كانون الأول/ديسمبر بدلاً من نسبة 3.5 في المائة المتوقعة سابقاً، وقد ارتفع إجمالي الناتج المحلي في الفصل الأول بنسبة 6.1 في المائة بحسب التوقعات الأخيرة التي نشرتها وزارة التجارة مقابل تقديرات سابقة تحدثت عن 6.5 في المائة. ويفسر هذا الارتفاع الكبير خصوصاً بانتهاء تصفية مخزون الشركات. وأكدت "مان" أن "أزمة الثقة هذه لدى المستثمرين والجمهور تشكل سحابة سوداء للنمو في الولايات المتحدة والعالم".

ب - هروب الاستثمارات: ما تزال حركة الاستثمار في الشركات تمثل الحلقة المفقودة في النشاط الاقتصادي الأميركي، وتعتبر أساسية لضمان استمرار هذا النشاط عبر إيجاد فرص عمل جديدة. لكن خسارة عشرات الآلاف من الموظفين لوظائفهم سيزيد من معدلات البطالة التي ستؤدي إلى عودة الاقتصاد مجدداً لحالة الركود بعد أن أدى إفلاس مجموعات أميركية عملاقة عديدة في الفترة الأخيرة وإعلان عدد آخر وجوب مراجعتها للنتائج المالية في السنوات الأخيرة بعد التلاعب بحساباتها في هز ثقة المستثمرين الأجانب بالأسواق المالية الأميركية التي سجلت تراجعاً كبيراً في الأشهر الأخيرة، وازدادت الريبة التي يشعر بها المستثمرون والمستهلكون والمؤسسات المالية في مواجهة تقييم الشركات عمقاً، بينما شهد حاملو الأسهم في قطاع الاتصالات وحده تدهور قيمة أسهمهم في السنوات الأخيرة أكثر من ألفي مليار دولار، وبات نصف مليون موظف عاطلين عن العمل.
وقال جون لونسكي، أبرز العاملين في قسم التوقعات في شركة موديز للتصنيف المالي إن ما يزيد الخشية بعد فضيحة "وورلدكوم"، أن حجم ديون الشركات غير المالية الأميركية بلغ 4870 مليار دولار في الفصل الأول من العام، أي حوالي نصف قيمة إجمالي الناتج الداخلي في الولايات المتحدة.
واعتبر لونسكي أن "قضية "وورلدكوم" قد يكون لها انعكاس مدمر على الطريقة التي ينظر من خلالها المستثمرون الأجانب إلى السوق الأميركية، الأمر الذي قد يمنعهم من الاستثمار فيها وبالتالي من تمويل العجز الخارجي للولايات المتحدة".
ويرى الخبراء أن الاستثمارات الأجنبية تتجه إلى منطقة الأورو وهو ما أدى إلى رفع قيمة العملة الأوروبية وهو ما أكده رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي" بقوله: إن ارتفاع قيمة اليورو إلى المعدل الذي وصلت إليه في 26 حزيران/يونيو كان بسبب توقف تدفق الرساميل الأجنبية إلى الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الزيادة جاءت أسرع مما كان متوقعاً وأعرب عن أمله بأن لا يتراجع هذا التحسن.
وهنا لا بد من التذكير بأن الاستثمارات الخارجية لعبت دوراً كبيراً في النمو الكبير الذي حققه الاقتصاد الأميركي خلال الفترات الماضية فقد ارتفعت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة من 5 مليارات دولار عام 1974 إلى 13.9 مليار دولار عام 1975، ثم إلى 32.4 مليار دولار عام 1977، واستمرت في التزايد حتى بلغت 163.5 مليار دولار عام 1989، وتصاعدت بشكل كبير بعد ذلك فبلغت 762.5 مليار دولار عام 2000، لتسجل قيمة الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة المتراكمة في الولايات المتحدة نحو 9377.2 مليار دولار في نهاية عام 2000.

ج – زعزعة استقرار المجتمع الأميركي: فقد أوجدت حالات الإفلاس حالة من القلق وعدم التوازن داخل المجتمع الأميركي وخلفت هذه الفضائح أجواء من الشك في صفوف المواطنين والموظفين وحملة الأسهم في البورصة من الأميركيين الذين يقدر عددهم بنحو 80 مليون شخص، والخوف على مدخراتهم نتيجة الخسائر الباهظة التي منيت بها أسعار الأسهم التي استثمرت في البورصات الدولية وشراء أسهم الشركات والتي يقدر بمئات المليارات من الدولارات، وأدى تدهور أسعار الأسهم ومناخ القلق الذي واكبه إلى القضاء على ثقة المستثمرين، كما اظهر التراجع الكبير المسجل في حزيران/يونيو. وتواجه البورصات العالمية حالياً هروب كبار المستثمرين الذين تركوا الساحة خالية لأموال المضاربات التي تملك حوالي 4 في المائة من رؤوس الأموال في البورصات العالمية.

د- تراجع قيمة الدولار: يشهد الدولار الأميركي تراجعاً غير مألوفاً في قيمته فقد انخفضت قيمته أمام اليورو نحو 9 في المائة منذ نيسان/أبريل، ومنذ بداية العام الحالي نمت العملة الأوروبية الموحدة بنسبة تتجاوز 11 في المائة مقابل الدولار. وفي شهر حزيران/يونيو الماضي ارتفع اليورو سبعة سنتات تقريباً مع تزايد الشكوك في الانتعاش الاقتصادي الأميركي وانخفاض الأسهم إلى مستويات لم تشهدها منذ الفترة التي أعقبت هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.

و - تفاقم عجز الميزان التجاري: أشارت البيانات الأميركية الأخيرة إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري في الولايات المتحدة، فقد سجلت الولايات المتحدة عجزاً تجارياً بلغت قيمته 35.9 مليار دولار في نيسان/أبريل بزيادة طفيفة عن قيمة العجز المسجل في آذار/مارس (32.5 مليار دولار)، كما أعلنت وزارة التجارة الأميركية الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة الدولار أمام اليورو. وهنا لا بد من التذكير بأن الضغوط على الدولار قد تفاقمت في 28 حزيران/يونيو بعدما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن رجل الأعمال جورج سوروس أن الدولار قد يفقد نحو ثلث قيمته إزاء اليورو خلال السنوات المقبلة بعد أن يتعادل معه قريبا للمرة الأولى منذ إطلاقه مطلع عام 2000.
وأعلنت وزارة التجارة أيضاً أن الولايات المتحدة سجلت من جهة أخرى عجزاً قدره 112.5 مليار دولار في حساباتها الجارية في الفصل الأول من العام 2002 مقارنة بعجز قدره 95.1 مليار دولار في الفصل الرابع من العام 2001. ويعزز تزايد العجز التجاري الأميركي توقعات كثير من المحللين بان الاقتصاد الأميركي لا يزال غير قادر على استعادة مستوى نشاطه قبل موجة الكساد الأخيرة. ويرى هؤلاء أن موجة تكنولوجيا المعلومات التي أنعشت الاقتصاد الأميركي في حقبة التسعينات تتراجع الآن، ومن غير المنتظر أن تنمو بالشكل الذي حدث في تلك الحقبة.
بكلمة أخيرة وجهت فضائح الفساد والتلاعب في حسابات الشركات الأميركية ضربة قاصمة للجهود المبذولة لتعزيز النمو الاقتصادي والخروج من حالة الركود التي ضربت الاقتصاد الأميركي، فقد أدت هذه الفضائح والانهيارات إلى انخفاض أسعار الأسهم وتراجع سعر صرف الدولار مقابل اليورو، وارتفاع العجز في الميزان التجاري، مما أثر على تدفق الاستثمارات ليس إلى داخل الولايات المتحدة بل اتجاه الأموال منها إلى منطقة أوروبا وآسيا، وهو ما سيكون له آثار سلبية على مستقبل الاقتصاد وقوته.(قدس.برس)