الكاريكاتير العراقي لم يخرج من معطف الكاريكاتير المصري

بغداد

الكاريكتير، كلمة مشتقة من "caricare " الايطالية والتي تعني المبالغة، وعلى مدى تاريخه الحديث نسبة الى الصحافة، فان الكاريكاتير اكد انه يبالغ بأقصى ما يستطيع ليضع اليد على الجرح، او ليضع الملح في الجرح، سيان، المهم انه شخّص الجرح سياسيا كان، اجتماعيا ام اقتصاديا. ونادرا ما كان الكاريكاتير مبالغة لاجل الضحك فقط.
الكاريكاتير فن صحفي ومكانه الطبيعي بين صفحات الصحف والمجلات، ويرى البعض أن اقامة المعارض والمسابقات المحلية والدولية يحوله لفن تشكيلي.
وعلى قاعة المركز الثقافي الفرنسي في بغداد يقيم احمد الربيعي وبرهان المفتي معرضهما ويضعان اكثر من ستين رسما كاركاتيريا امام المتلقي. والربيعي والمفتي من رسامي الكاريكاتير الشباب اللذين نشرا في العديد من الصحف العراقية والاجنبية، وتوقفا عن النشر ليفاجأ الآخرين بهذا المعرض.
تسال مراسلتنا في العراق الفنانين احمد وبرهان: بعد انقطاع طويل عن النشر تفاجئوننا بهذا المعرض، هل تعتبران الكاريكاتير مادة للمعارض او للنشر؟ بمعنى آخر، هل يستطيع المعرض ان يستفز المتلقي كما يستفز النشر استنادا الى ان المهمة الاساسية للكاريكاتير هي الاستفزاز؟ برهان: انا افهم ان المهمة الاساسية للكاريكاتير هي صدمة المتلقي ثم تركه ليتساءل عن سبب الصدمة، وانا لا اقدم حلولا بل اشير الى العلة دون اعطاء الدواء، وهذا جزء من الاستفزاز. اما املك الدواء كذلك الآخرون، ولكن لا احد يجرؤ ان يجرعه مخافة ان يقال انه عليل. في المعرض، بين الجدران الاربعة، لا يشعر المتلقي بالاحراج وهو يرتشف خلسة جرعة من الدواء المر من علة ما تؤشرها رسوماتنا.
احمد: انقطاعنا عن النشر لا يعني انقطاعنا عن الرسم. نحن هوينا هذا الفن وعندما كانت لنا أسبابنا لعدم النشر لم تكن لنا اسباب للانقطاع عن ممارسة هوايتنا المفضلة حين كنا نرسم في الصحف كنا نعرف متطلبات العمل الصحفي، البساطة والوضوح كي يتقبلها الاخر، اما الان فنحن نرسم كيفما نشاء وهذا ساعدنا في دخول ممرات لا اعتقد بأننا كنا سندخلها لو استمرينا في العمل الصحفي. لذا، فان هذا المعرض لا يعالج بالطريقة الصحفية نفسها ولا يستفز بالطريقة نفسها. هنا مخاطبة من نوع آخر والفكرة مفتوحة ولا وجود للمباشرة. في لقاء سابق، قلتما بان الهموم كلها انكشفت، فماذا نرسم؟ لماذا رسمتما و ماذا؟ احمد: في الحياة امور كثيرة تستحق ان ترسم، ليست الهموم فقط، رسمنا من الداخل البشري ومن مفردات حياتية، من خلال محاور هي الورد والشوك، الحذاء، القناع، الكتاب، الكرسي وغيرها. هي مفردات غريبة التداول وغير سهلة المعالجة. رسمناها بطريقة تمنح احساسا بأنها اجزاء من الانسان والانسان جزء منها. رسمنا لان الطريقة التي اخترناها للتعبير هو الرسم.
برهان: لقد بُليت همومنا بعد ان انكشفت ولاننا خفنا عليها الضياع في دقائق حياتنا، فكان علينا تحريكها كي لا تُنسى.

الملاحظ انكما ترسمان دون تعليق وهذا نادر في العالم العربي، وسبق لكما وان نشرتما في صحف اجنبية. هل هو بحث عن شهرة في الخارج ام ايصال صوت من خلال ان الصمت افضل وسيلة للشرح، احيانا؟ احمد: رسم الكاريكاتير دون تعليق اصعب، لاننا نناقش من خلال الخطوط التي اصبحت لغة عالمية مثل الموسيقى. هل نجد كلمة في سيمفونية عالمية؟ لذلك نحن نبتعد عن الكلمات ونترك الخطوط تتكلم وهي، ربما تعطي معان اكثر لو علقنا عليها.
برهان: للحروف سطوة كبيرة على الورقة نخشى ان تسلب اهتمام المتلقي وتشغله عن الخوض في تفاصيل خطوط الرسم. وحين نشرنا في صحف اجنبية أثبتنا ان هموم الناس لها الجذور نفسها في كل مكان مع اختلاف الطلع.

لكل منكما اسلوبه الخاص في الرسم والمختلف تماما عن الآخر، كيف اجتمعتما؟ برهان: عندما شاهدني احمد كنت احمل همومه وحينما حدثته كلمني عن همومي.
احمد: لي اسلوبي الخاص ولبرهان اسلوبه الخاص، ولكن بين الاسلوبين يوجد كلام اظنه هو الكلام نفسه واللغة التي نتحدث بها واحدة. لهذا السبب اجتمعنا ومنذ اليوم الاول للقائنا نحن متفاهمين جدا واصدقاء.

الكاريكاتير في العراق كان وما يزال من انضج مدارس الكاريكاتير العربية. انه ومنذ البدء لم يبحث عن النكتة وان بحث فانها كانت نكتة سوداء، كيف تنظران الى الكاريكاتير العراقي الان؟

احمد: لا استطيع ان اقيم الكاريكاتير العراقي الان. لكنني استطيع ان اقول بانني افتقده.
برهان: ان اهم ما يميز الكاريكاتير العراقي انه لم يخرج من معطف الكاريكاتير المصري، هو ما حدث في الدول العربية الاخرى. لقد وُلد الكاريكاتير العراقي عراقيا صرفا بهمومه ومعالجاته مبتعدا عن الابتذال والنكتة السمجة. ولان المرحلة الحالية ممتلئة بهموم تسبب بها الحصار، لكنه الحصار الذي اثر لسنوات على حجم وصفحات الجريدة واجتهادات البعض من رؤساء التحرير جعلنا نفتقد الكاريكاتير.
وانا معكما نفتقد الكاريكاتير واسماء كبيرة ملأت الصحف في السنوات التي سبقت الحصار.
احمد: السبب ان الرسامين غادروا مهنتهم الجميلة وذهبوا الى مهن اخرى للايفاء بمتطلبات الحصار. حتى نحن غادرنا الكاريكاتير نسبيا ولنرسم فاننا نسرق الوقت من وقت الراحة. لقد تفرغ برهان لعمله الهندسي وتفرغت لعملي بتصميم الاعلانات التجارية.
برهان: اخذ الكاريكاتير دوره في الثمانينات لكنه في الظرف الحالي ورغم وجود هذا الكم الهائل من المواضيع التي تسبب بها الحصار، و اكرر ما قلته بان قلة مساحة النشر واجتهادات البعض والاهم متطلبات الحياة جعلتنا نفتقد الكاريكاتير ونفتقد خيرة رسامي العراق مثل الرسام الكبير مؤيد نعمة وعبد الكريم سعدون والقائمة لا تنتهي ما دام الحصار مستمرا. لكنني على يقين بانهم يدخرون الهموم لرسمها حين تحين الفرصة.

ارى شخصيات برهان واضحة جدا تعبر عن الالم والفرح بخطوطها التي تشعر المتلقي بالارباك، هل هو ارتباك شخصي ام ارتباك الشخصيات، وما هذه الفراغات الكبيرة في اللوحة؟ برهان: الارتباك اعيشه بسبب عدم الاستقرار في الكثير من مفاصل الحياة اليومية والفراغات التي يرينها في اللوحة هي مساحات اهرب اليها. اما الوضوح في الشخصيات فلأنني اريد مخاطبة اكثر عدد ممكن من التاس.
شخصيات احمد متوحشة بخطوط حادة ولوحات قليلة الفراغات.
احمد: ما يظهر من الناس عند تعاملاته مع الآخرين قناعه او غلافه الذي لبسه لموضوعه. وبمرور الزمن وكثرة التعامل مع الشخص ينكشف حقيقته ويظهر داخله ودواخلنا متوحشة، عندما ارسم انما من الداخل لأظهر الانانية والطمع، ربما لعملي في السوق تأثير على نظرتي هذه. اما الخطوط التي تصفينها حادة، فانا اراها لينة وسلسة جدا وتمنحني والمتلقي تماما ما احاول قوله.