ملاحظات مفصلية على خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش

بقلم: عبد الرحمن الترك

من الواضح أنّ الرئيس الأميركي في خطابه الذي طال انتظار البعض له ، قد أجّل قضايا الصراع الرئيسية للتفاوض مثلما أجلت من قبل وهي الدولة، الحدود، اللاجئين، القدس، المستوطنات، المياه، المعابر الحدودية.
فبعد أن فاوض الفلسطينيون حكومة العمل على هذه القضايا مفاوضات مضنية كان آخرها في كامب ديفيد فهل سيكون هناك اتفاق مع حكومة شارون على هذه القضايا المصيرية؟
من الممكن أن يحدث ذلك في حالة واحدة فقط وهي استسلام فلسطيني وهذا لا يمكن أن يحدث حتى لو تركت القضية للأجيال القادمة.
هذا البيان لبوش ليس خطة أميركية واضحة، وهو يخلو من الأهداف المحددة المعالم، كما يخلو تماماً من آليات التنفيذ، ومن الناحية العملية ترك كل شيء لحكومة شارون، أي للطرف الأقوى عسكريا على الأرض ليقرر ما يشاء.
من الناحية العملية اشترط بوش الدخول في المفاوضات( حتى على هذه الدولة المؤقتة العجيبة ) بالقضاء على المقاومة ومحاربة ما أسماه الإرهاب الفلسطيني، أي أنه أعطى شارون الغطاء والدعم الكامل لمواصلة عدوانه على الشعب الفلسطيني.

لعل النقطة الأخطر في بيان بوش دعوته إلى تغيير القيادة وتحديداً الرئيس عرفات، فالرئيس بوش يدرك أكثر من غيره استحالة تغيير عرفات فلسطينياً في هذه المرحلة ، والأكيد أنه لن ينصح شارون بتصفية الرجل جسدياً أو حتى إبعاده لأن في ذلك تقوية له وإذا ترك عرفات ليخوض الانتخابات التشريعية والرئاسية فسينجح من جديد رئيساً، نكايةً من الشعب الفلسطيني بأميركا وإسرائيل.
إذن ماذا يقصد بوش من دعوته إلى تغيير قيادة عرفات؟؟ أعتقد أنّ في هذه الدعوة ، ضغط جديد على الرئيس عرفات وفرصة أخيرة له ليلجم المقاومة وليضرب بيد من حديد هذه المرة أبناء شعبه، وإذا فعل ذلك سينتهي الرجل فلسطينياً، وتكون اميركا وإسرائيل قد ضربتا عصفورين بحجر واحد والحجر هذه المرة فلسطيني، فكل الخيارات الأميركية الإسرائيلية المطروحة أمام الرئيس عرفات تكاد تكون مستحيلة في ظل هذا العجز العربي الرسمي ، وإذا لم يستجب فقد يواجه الخيار الأصعب ، ويكون الخلاص منه ومن المقاومة في آن واحد، وتمهيد الطريق أمام حركة سياسية فلسطينية جديدة مدعومة أوروبياً وأميركياً ومرضي عنها إسرائيليا لأنها لا تؤمن بالمقاومة المسلّحة كوسيلة لتحرير فلسطين، بل تعتقد أنّ طريقة غاندي في الهند ضد الاستعمار البريطاني، من الممكن أن تنجح في فلسطين وترى هذه الحركة أنّ العنف الفلسطيني يجلب لشعبنا الدمار والهلاك ويؤلب علينا المجتمع الدولي، ولن يوصل الشعب الفلسطيني إلى التخلص من الاحتلال.
وأعتقد أن هذه الحركة السياسية الفلسطينية الموجودة فعلاً في الساحة الفلسطينية ، ترقص فرحاً لخطاب الرئيس بوش، ولا أبالغ إذا قلت أن الرئيس الأميركي يعول عليها كثيراً، هذا إن لم يكن يقصدها فعلاً بقوله( قيادات جديدة ، ومؤسسات جديدة ، وترتيبات أمنية جديدة ) ولم يبق له إلاّ أن يقول شعب جديد مثلما قال شارون من قبله.
من هنا أعتقد أن موقف الرئيس بوش وإدارته من الصراع، جاء ليكون أكثر تطرفاً ضد الفلسطينيين من الحكومة الإسرائيلية، رغم حديثه عن دولة فلسطينية مسالمة إلى جانب الدولة العبرية، تضع الشعب الفلسطيني بكل مقومات وجوده من جديد، تحت رحمة إسرائيل ، تماماً مثلما كان في اتفاقيات أوسلو.
أعتقد أنّ أصدق وأوضح تعبير عن حقيقة الموقف الإسرائيلي حيال بيان بوش هو ما جاء على لسان وزير الاتصالات الإسرائيلي- روفين رفلين - الذي قال :- كان يمكن أن يكتب هذا الخطاب مسؤول في الليكود وبإمكاني إلقائه في الكنيست.

وأخيراً علينا أن نستذكر دوماً، أن الصراع العربي الإسرائيلي وأساسه القضية الفلسطينية، هو شأن أميركي داخلي، وليس خارجي ، تحكمه معادلة الوضع السياسي الكائن في الولايات المتحدة الأميركية بكل ما فيه من تعقيدات وعلاقات براجماتية بينية وخارجية، وللصهيونية نصيب الأسد في صياغة مجمل هذا الوضع، بما يتفق ومصالح إسرائيل الإستراتيجية، وعليه فإنّ الاتكال والرهان على البيت الأبيض لإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال هو ضرب من الخيال والوهم، فالاتكال يجب أن يكون على الله وليس على أميركا ، وذلك بشحذ الهمم، وحشد الطاقات، ومواصلة مشوار الكفاح، بهذا تحررت شعوب الأرض ونالت حريتها بما فيها الشعب الأميركي نفسه. * عبد الرحمن الترك
عضو المجلس الوطني الفلسطيني