في ام العقارب: اصابع سومرية محفوظة في الطين تتحدث

بغداد
الاثار ضحية اللصوص على مر العصور

هي طبعات اصابع حفظتها كتل طين نقية ليست كأية طبعات اخرى. هي طبعات لاصابع صنعت التاريخ وهي تشيد سورا لمدينة سومرية في جنوب العراق قبل الاف السنوات. تلك المدينة التي استكشفها فريق تنقيب عراقي في موقع ام العقارب في مدينة الناصرية على حافة الصحراء.
لسنوات توقفت اعمال التنقيب في التلال الاثارية المؤشرة بسبب الحصار. الا ان الكتب التي تصدر حديثا في أوروبا واميركا والقطع الاثرية الثمينة التي تعرض في المزادات العالمية تؤكد على ان عمليات نهب التلال الاثرية العراقية ـالتي بدأت مع اعلان وقف اطلاق النار في حرب الخليج الثانية في 1991 واستمرت الى سنة 1995 ـ كانت عمليات موجهة من جهات خارجية للسارقين بعد تعيين مكان النهب. ورغم ان المتحف العراقي استرجع 15 الف قطعة مسروقة لكن تسربت المئات من القطع.
ولقطع الطريق امام تخريب ونهب الواقع الاثرية العراقية وهي بعشرات الالاف، بدأت عمليات التنقيب في المواقع المهمة ومنها موقع ام العقارب في الناصرية التي بدأت العمليات فيها في 1999.
يقول الدكتور دوني جورج، مدير عام الدراسات في هيئة الاثار والذي كان مسؤولا عن تنقيبات ام العقارب:
المساحة التي عملنا فيها كانت خمسة كيلومترات مربعة في موقع تغطيه الكثبان الرملية المتحركة وفي ظروف جوية شديدة القسوة، في درجة حرارة بلغت في شهر اب 62 درجة مئوية. وكنا نعيد في اليوم التالي تنظيف الموقع الذي حفرناه قبل يوم بسبب الكثبان الرملية التي ملأته وغطته تماما. وتم تقسيم موقع العمل الى ثماني نقاط. في الاولى وجدنا قطع كسار فخارية قريبة جدا من السطح وطابوق سومري (الطابوق السومري يعرف بانه مسطح من الاسفل ومحدب من الاعلى مع رصعتين للتثبيت)، من عصر فجر السلالات السومرية 3700 ق.م ووجدناها منطقة كثيفة جدا وبدت سكنية من شبكة المجاري المعروفة في الفترات السومرية. في النقطة الثانية، جنوب الاولى، عثرنا على كتلة بنائية مربعة وغرفتين وهي في الغالب من عصر السلالات الثاني 2700 ق.م ومشيد من الطابوق السومري ذي الحجم الصغير 28×15×5 سم مكعب والمادة الرابطة بينها هي القير. وعثرنا على منصة (كان السومريون يشيدون الجدران والاسوار على منصات) اخرى من العصر الثالث 1600ـ1550 ق.م، مبنية من طابوق من النوع نفسه واكبر حجما 38×15×5 وبقايا قوس يعود الى العصر الثاني. واكتشفنا اننا ازاء جدار يحيط بالمنطقة المركزية للمدينة وهذا يعني اننا قرب مدينة مهمة وخاصة المنطقة المقدسة منها. سور متميز متكون من ابراج من اللبن بينها كتل من الطين النقي تظهر لاول مرة في موقع اثري وحين نظفناها من التراب وجدنا طبعات اصابع سومرية في الجزء العلوي من الجدار الذي يعود الى العصر الثالث ويتخلله بئر ماء عمقه ستة امتار وقطره 125 سم كان ماؤه يصب في مجرى ما يزال موجودا لكن البئر اغلق حينها لسبب ما. في النقطة الثالثة بدأنا التنقيب في مركز المدينة وعثرنا على ما اسميه قصر سومري مهم جدا يعود الى العصر الثاني ابعاده 50×50 متر مربع وبقسمين. وقد يكون هذا القصر اقدم من قصر كيش وهو اقدم قصر يعثر عليه في العراق لسلطة دنيوية. قد يكون من الفترة التي انفصلت فيها السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية لاننا وجدنا قرب القصر معبدا. ووجدنا الكيسو وهو جدار ساند للجدار الخارجي.
وسألته: اعتقد ان الكيسو من العمارة البابلية؟
اجاب الدكتور دوني جورج "ان الكيسو البابلي من الطابوق ولاول مرة نجد كيسو من اللبن."
ويسترسل "تم العثور في ام العقارب على قطع اثرية مهمة كانت قد شوهدت فقط في اللوحات المنحوتة مثل اقداح الشرب الاسطوانية وقبور عديدة اختلفت في طريقة الدفن حسب المناطق. ولكن يبقى اهم ما اكتشف في المنطقة هو ان الحي السكني او المدينة كان فد خطط معماريا قبل البناء. ففي نقطة التنقيب الثامنة جدار وسطي وزقاق صغير وبيوت بمرافق كاملة ابوابها على جانب من الجدار بينما بيوت ملاصقة للجدار من اللجخة الاخرى وابوابها الى الجهة المعاكسة. من ضمن مرافق البيوت وجدنا حمامات في زاوية مطلية بالقير وفيها فتحات لتسريب المياه الى حاويات عميقة حفرت وغلفت من الداخل بالفخار، عمر البيوت يعود الى 2700 ق.م. وفي القبور وجدنا فضلا على الهياكل العظمية على اوان فخارية، زوج من كل نوع وانية معدنية او حجرية و قطع سلاح ويبدو من طريقة الدفن ان لكل قبيلة كانت طريقتها الخاصة.
وسألته: هل كان السومري يعتقد بالحياة الاخرى؟
يقول الدكتور دوني جورج: كانوا يسمون الدفن (آناـكورـنوكي) أي الى ارض اللاعودة. والاغراض التي كانت تدفن مع الميت انما هي هدايا لالهة العالم السفلي لترأف بحاله.
ان اللقى الاثرية في المنطقة تعود في الغالب الى عصور فجر السلالات الاولى وهناك دلالات على ان الموقع من فترات اقد. مثلا وجدت فخاريات من عصر الوركاء ومن عصر العبيد 4500 ق.م.
اغمض عيني واضع كفي على تلك الاصابع المحفوظة في جدار سومري منذ الاف السنوات واشعر ان دفئا ما يسحبني عميقا في هذه الارض التي قبل ان تعلم التاريخ كيف يكتب أي قبل ان تبتكر الحرف الاول في التاريخ فانها علمت التاريخ والاخرين كيف يحبون، اذ تقول الروايات ان ادم (ع) التقى بحوائه هنا، في جنوب العراق، حيث جرى اول فعل حب حقيقي في التاريخ انجبت البشرية.