وردة: أرغب في العودة للغناء

القاهرة
وردة اطربت الملايين بفنها، فهل تعود مجددا لتنثر ورودها

لابد أن ترفض الاستسلام للزمن، وأن تتجاوز عواصف العمر والمرض، لابد أن تغني للفرح وتشعل بصوتها ليالي الحزن الطويلة، لترفرف أغانيها كما اعتدناها. لابد لـوردة أن تنفض الهموم عن القلب الضعيف وتعمل بنصيحة الكاتب الانجليزي "جون ازبورت" فلا تنظر الى الوراء في غضب، وأن تكون مثل طائر الفينيق تولد كل صباح.
وردة التي عادت من رحلة علاجها الأخيرة لتستقر في مصر بين الأحبة الذين رافقوها في مشوار الفن والحياة، أكدت لنا انها لا تعترف بكلمة "النهايات" ولا تتوقف امام المشاكل كثيرا، ان شهيتها للحياة قادرة على ابتلاع كل الأزمات وهضمها وتحويلها الى طاقة رائعة للعمل والحب والسماح.
وليكن ـ هكذا قالت وردة وأردفت في ثقة: أصابني سهم المرض ولكنه لم يقهرني ولم يحجب عين شمس الأمل حتى في وقت المغيب، اجتزت معاناتي المرضية رغم قسوتها بسلام وعدت أحمل صوتي في قلبي وأوردتي، وأعيش فترة نقاهة أنسى خلالها آلام الفترة الماضية ورعبها الذي طردته متعلقة بالأمل وبالايمان بالله، وكان هذا أهم جزء في العلاج.
وكانت وردة التي عانت في السنوات الأخيرة من أوجاع القلب، قد داهمتها آلام الكبد القاسية، فسافرت الى العاصمة الفرنسية "باريس" حيث خضعت لعملية زرع كبد وسط توقعات الاطباء لها بالموت، بل انهم حددوا لها بقية عمرها ثلاثة أشهر فقط، الا انها قاومت وهزمت المرض مما أثار دهشة الأطباء من قوتها التي لم تقهرها الآلام ولا الجراحة المزدوجة للكبد.
وعلى هذه الخلفية القاسية كان الحنين يجرف وردة الى مصر حيث النيل والناس والأحبة وازدحام الشوارع والجمهور الذي كان يشاهد لها عملا فنيا قديما بثه التليفزيون المصري وقت اجراء الجراحة.
تقول وردة وهي تتذكر أول مرة جاءت فيها إلى مصر: ولدت في باريس وعشت طفولتي الأولى فيها، وفيها أيضا تعلمت أن أحب مصر لدرجة العشق من خلال أغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش واسمهان ومحمد فوزي وغيرهم، وقبلهم كان أبي الذي علمني حب مصر وحب عبد الناصر وحب كل الوطن العربي.
وتضيف: كان وجودي في باريس يجعله في حالة رعب من أن أفقد هويتي العربية أو جذوري الشرقية، ولكن الحمد لله كانت العروبة مغروسة دائما داخلي لا تقدر على انتزاعها أية ريح مهما كانت عاتية، وأذكر عندما غنيت أوبريت "وطني الأكبر" انني عشت في حالة ذهول لعدة دقائق عندما صافحت الرئيس عبد الناصر، نظرت في عينيه ونسيت الكلام، كنت أراه الزعيم الذي نجح في توحيد القلوب حول محبته، وحين قال لي: أهلا بالجزائر، شعرت بالفخر لأنني من بلد لها تاريخ في النضال.
تصمت وردة قليلا ثم تشرد بعينيها بعيدا قبل أن تقول فعلا كانت أيام جميلة أدركت فيها معنى الوطنية وأدركت أيضا قيمة صوتي عندما غنيت في مصر التي وصلت درجة حبي لها لدرجة انني كلما ذهبت الى باريس أشعر بالخوف من ألا أرى مصر مرة أخرى، لا تتخيلوا مدى الرعشة التي تصيب كل خلايا جسدي عندما أرى استقبال الجمهور لي في المطار.
لم تنس وردة رحلة ذكرياتها مع الموسيقار رياض السنباطي أول ملحن في مصر يتعاون معها بعد أن سمع لها أغنية "جميلة بوحريد" وفعلا قام بتلحين فيلميها "ألمظ وأميرة العرب" ولكنها تواصلت أكثر من الموسيقار محمد عبد الوهاب، وتبرر ذلك بأن السنباطي تبنى وجهة نظر فنية تميل الى اعطائها شكل الأداء الكلثومي في حين انها فضلت تكوين شخصيتها المستقلة.
أرادت منذ البداية أن تكون وردة لا صورة من أي صوت، وهذا ما أدركته منذ الوهلة الأولى مع محمد عبد الوهاب الذي اعتبرته نقطة الضعف في حياتها ولم تنقطع الصلة أو التعاون بينهما في فترة زواجها من بليغ حمدي. حنين جارف الحنين الجارف الى الماضي وصور الاحبة التي تلاحقها: والدها ووالدتها واشقائها "حميدو ومسعود وكمال" ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل، هو الهاجس الذي يسيطر على وردة التي تلتزم بفترة النقاهة في منزلها، حيث تستعيد من حين لآخر قصة دخولها الى مصر عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها وهي تدندن مقاطع من أجمل أغانيها، فيما هي تحاول ان تتغلب على أوقات الفراغ بالرسم أو تخييط أزرار الملابس، تقول وردة: أحاول ان اتجاوز الزمن وانظر دائما للامام بتفاؤل يجعلني أعفو عن كل من أساءوا إليّ أو أطلقوا على شائعات مغرضة لا أساس لها من الصحة، فالتسامح دائما من طبيعتي. الاعتزال لكن.. ترى هل راود وردة التفكير في الاعتزال خلال فترة مرضها الاخيرة.. وهل ستكون فترة النقاهة التي تقضيها حاليا هي «بروفة» للاكتفاء بما قدمته من تاريخ فني حافل؟
تقول وردة: فكرت في اعتزال الغناء خلال وجودي في فرنسا، خاصة وان الاطباء نصحوني بعدم الغناء قبل عام بعد التطورات الصحية التي انعكست على طاقتي الغنائية، لان الغناء يحتاج الى صحة ونفس طويل وقابلية للأكل، الا ان الامل في العودة الى الغناء لا يزال يراودني بدليل اصراري على التمارين التي أجريها لحبالي الصوتية. زمن الأغنية ويبقى انه في حضور وردة لا يمكن ان نتجاوز السؤال عن رؤيتها لساحة الغناء اليوم، وهل تصح المقارنة بينها وبين الساحة بالأمس؟
تجيب وردة بدبلوماسيتها المعهودة: الساحة ازدحمت كثيرا، والأذواق هي التي تحدد الجيد من الرديء، ولو قلت عن مطرب معين أن صوته حلو وعن آخر ان صوته وحش فسوف يغضب مني الكثيرون، لأن هذا سيكون ذوقي فقط، وكل واحد له جماهيره التي تسمعه وألبوماته المنتشرة في السوق، وهذا يجعلني أقول إننا اصبحنا في زمن الأغنية وليس زمن المطرب، ان الغناء حاليا اختلف عن الماضي حيث كان الفنان يجهد نفسه لتقديم اغنيتين في العام يكون لهما التأثير المؤكد على الجمهور، أما اليوم فإن التدفق الغنائي كبير، لذا كان جيل الأمس أقوى.