السلطان قابوس.. ومسيرة النهضة والبناء

علاقات وثيقة بين الشيخ زايد والسلطان قابوس منذ السنوات الاولى لتوليه المسئولية

ابو ظبي - أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة كتاباً جديداً بعنوان "السلطان قابوس .. ومسيرة النهضة والبناء".
ويأتي هذا الإصدار لتسجيل المسيرة التنموية لسلطنة عمان، والتي تتميز بانها نهضة متكاملة العناصر وشاملة لمختلف جوانب حياة أبناء عُمان.
ويؤكد مركز زايد للتنسيق والمتابعة أن هذا الكتاب يسجل أيضاً العلاقات بين الشعبين الاماراتي والعماني التي تشكل نموذجاً رائداً وعالياً للتعاون والحوار الإيجابي يقوم على أسس من الروابط الأخوية والتاريخية والجغرافية المبنية والمتجذرة في ثقافة الشعبين الشقيقين.
ويشرح الكتاب بالتفصيل التاريخ الجديد الذي بدأ في حياة السلطنة باستلام السلطان قابوس مقاليد الحكم، وبداية مرحلة جديدة ومختلفة في حياة العمانيين.
ويوضح الكتاب أن السلطان قابوس تلقى في سنواته المبكرة تعليم اللغة العربية والمبادئ الدينية على أيدي أساتذة مختصين، كما درس المرحلة الإبتدائية في المدرسة السعيدية بصلالة حيث نهل من منابع الثقافة العربية والإسلامية وتشبعت روحه بالقيم الأصيلة التي صبغت أهالي عمان على مدى القرون السابقة. وكان فضوله لمعرفة تاريخ عمان وأمجادها البرية والبحرية وعطاءات رجالها وعلمائها عبر فترات طويلة في التاريخ العربـي والإسلامي يزيد من نهمه وحبه لهذه البلدة الطيبة، لكن ومن جهة أخرى لاشك أن هذا كله كان يشعره بنوع من الحسرة والألم على الانحسار والتراجع الذي تشهده السلطنة في مختلف المجالات والميادين، فقد كان يجري المقارنة بين الماضي التليد وبين حاضر عمان التي كانت تبدو له أشبه بنقطة منغلقة على نفسها.
وقد لمس الضرورة الملحة لرفع الغبن الاقتصادي والاجتماعي عن اهل عمان، فالحياة الاقتصادية للعمانيين كانت تمر بمرحلة ركود منذ عام 1903 وظلت ميزانية مسقط حتى سنة 1965 متواضعة لا تزيد على مليون جنيه إسترليني في العام. أما الجهاز الإداري فقد استمر على وضعه الأول منذ إنشائه عام 1920.
والصورة نفسها يصورها الكاتب البريطاني رونالد هولي ويستعرض مقارنا حال عمان بين اليوم والأمس فيقول في كتابه "عمان ونهضتها الحديثة: " تتوسط عمان منذ آلاف السنين طرق التجارة البحرية بين الشرق والغرب وهي حلقة الوصل بين شبه الجزيرة العربية وأفريقيا، كما كان البحارة العمانيون مرموقين في موانئ العالم آنذاك، وكان تجار عمان مشهورين لدى جميع البحارة في العالم ، ثم تغيرت مراسم الحياة وحل البخار محل الشراع فانزلقت عمان وتردت في مهاوي النسيان، ولكننا نجد رغم ذلك أن نشاط شعبها لم يهن وشخصيته لم تضعف أو تتغير بل بقي الشعب ذا كفاءة ومهارات عالية محافظا على تراثه الغني الخصب.
وفي عام 1960 تعرضت ميزات هذا الشعب العريق الى محنة شديدة واختبار عسير، وذلك بسبب سياسة الركود في الداخل والثورة المسلحة التي أيدتها أصابع غريبة من وراء جبالها الجنوبية.
وبزغ عهد جديد عام 1970 عندما قام سلطانها الشاب بانتهاج سياسة متفتحة متنورة وأظهر قدرة حربية وحنكة عسكرية فأخمد الثورة وتحكم في الموقف تحكما تاما، وما لبثت ثورات عمان أن تحولت لخير أهلها فأثمرت الموارد وازدهرت الحياة وبدأت السفن تقف على موانيها في صفوف طويلة. وهكذا بعون الله وتوفيقه عادت عمان الى الظهور على المسرح العالمي لتلعب دورها التاريخي الأصيل ، ذلك الدور الذي لا يستطيع أن يقوم به أحد سواها".
وكان السلطان قابوس بن سعيد لا يتجاوز عمره الثلاثين عاما عندما وضع حدا فاصلا بين زمن مضى وآخر آت، وبين تردد وركود لبس حياة الناس ومظاهرهم، وبين إرادة جديدة مفعمة بالحماس والقوة وروح الشباب تنبض بحب الوطن وتثمن مكانته وإمكاناته و توظفها لحاضر السلطنة ومستقبلها.
ولم يكن يوم الثالث والعشرين من شهر يوليو/ تموز 1970 يوما عاديا في عمان فقد حملت إشراقة شمسه في فجر ذلك اليوم الصيفي أشعة أمل غمرت الشعب والأرض بنورها الساطع. في ذلك اليوم استمع الشعب العماني إلى السلطان قابوس وهو يعلن بيانه الأول قائلا " شعبي: أتحدث إليكم كسلطان مسقط وعمان بعد أن خلفت والدي يوم 18 جمادى الأول 1390 هـ الموافق 23 يوليو 1970.
أيها الشعب: سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء بمستقبل أفضل وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب، كان وطننا في الماضي ذا قوة وشهرة، وان عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى، وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي. وإني متخذ الخطوات القانونية لتلقي الاعتراف من الدول الخارجية والصديقة، وإني في تطلع الى التأييد العاجل والتعاون الودي مع جميع الشعوب وخصوصا مع جيراننا، وان يكون مفعوله لزمن طويل، والتشاور فيما بيننا لمستقبل منطقتنا".
وكان الشعب في هذا الوقت ينتظر الفرصة السانحة، وعندما جاءت هذه الفرصة قرر أن لا تضييع، وان يمشي في طريق الحياة التي فتحت أمامه مداها. كان البيان الأول الذي أعلنه السلطان الجديد والذي اختتمه بقوله "كان بالأمس ظلام، ولكن بعون الله غدا سيشرق الفجر على مسقط وعمان، وعلى أهلها. وخرج الناس يهللون للحكم الجديد ويؤكدون بعفوية وتلقائية عهدا على العمل الدائم المستمر من أجل تعويض كل ما فات.
وليس مستغربا أن يلقى السلطان قابوس كل هذا الالتفاف والتأييد، فقد جمع بين نشاط الشباب وبين الخبرة والدراية، وهذه الصفات هي مقومات البناء والتعمير، فقد تجول كثيرا في البلاد العربية وفي أوروبا الغربية كما تدرب في بريطانيا على الشؤون العسكرية في الأكاديمية الملكية الحربية في ساند هرست، وهو يجيد عدة لغات كما أنه يمتلك اطلاعا واسعا على الدين واللغة والأدب والتاريخ العربي والإسلامي.
وألقى السلطان قابوس خطابا عند اعتلائه العرش وعد شعبه فيه وعودا خاصة قال فيه "سأشكل حكومة قوية عصرية حديثة في أسرع وقت مستطاع وسأنيط إليها مسؤولية أولى وهي إلغاء جميع التشديدات وإزالة التعقيدات التي لا لزوم لها والتي تحد من حريات الشعب وتضايقه في حياته، وسأعمل جاهدا على إيجاد مستقبل سعيد آمن لكل فرد من أفراد الأمة في أسرع وقت مستطاع ".
كانت الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية بصفة عامة تتزاحم في فكر وبرنامج السلطان قابوس، وكان يقسم وقته بين صلالة في الجنوب وبين سيب في الشمال، وكان يوزع بقاءه هنا وهناك لكي يجمع بين طرفي البلاد ولكي يوثق الصلة بين الشمال والجنوب في ولاء خاص.
ويؤكد كتاب مركز زايد في نفس السياق دائماً أن تاريخ فتح الـ 23 يوليو مع أبواب ونوافذ عمان على العالم الخارجي، وأصبح اسم عُمان يتردد في عواصم العالم والمحافل الدولية، بعد طول احتجاب دام سنوات عديدة وصار الرأي العام العالمي يضبط موجات إذاعته يسمع صوت سلطان عمان الجديد ويتابع خطوات الإصلاح والتغيير التي باشرها.
ويقول السلطان قابوس في هذا الصدد: "كان علينا أن نعيد بناء أنفسنا من جديد وأن نحتل المركز اللائق بنا في الأسرة الدولية، وكان أول ما فكرت فيه يوم بدأت قيادة بلادي أن تنضم بلادي إلى الأسرة التي تنتمي إليها أسرة الجامعة العربية وبذلك نؤكد وجه عمان العربي وأصالتها العربية وإخلاصها الى كل القضايا العربية وفي مقدمتها قضية شعب فلسطين الذي اغتصبت الصهيونية أرضه ظلما وغدراً، وأصبحت عمان عضوا في الجامعة العربية وعضوا في الأسرة الدولية الكبيرة.
ولقد كانت هذه الخطوات ضرورية ولازمة لنقضي على واحدة من أكبر مشاكلنا ألا وهي مشكلة العزلة التي فرضت على سلطنة عمان والتي تسببت في إبعادها عن اللحاق بركب الأمة العربية وبركب الأسرة الدولي، لقد كنت حريصا يوم توليت الحكم في البلاد، أن أعيد الاتصال بالعالم الخارجي وأن أؤكد انتماءنا العربي. وبحمد الله نجحت في هذا".
ان هذه الخطوات القوية والثابتة التي أقبل بها السلطان قابوس على الأسرة الدولية أعادت نبض الحياة في شريان عمان ودبت في أوصالها معاني الكينونة التي افتقدتها قبل هذا، ومن جهته أقبل المجتمع الدولي بدوله ومؤسساته وهيئاته على عمان ، وأصبحت كل الطرق تؤدي الى عمان ولم تعد بعد ذلك نقطة معزولة عن محيطها العالمي.
وكان لهذا أثره الطيب ووقعه العظيم في نفوس العمانيين في الداخل والخارج وبدأت عودة المغتربين باتجاه وطنهم ليساعدوا في بنائه وتشييده. ونجد في ما قالته جماعة المذهب الأباضي في شمال أفريقيا في تقديم كتابها "عمان الماضي والحاضر" الذي صدر عام 1972 شهادة تاريخية تؤكد أهمية التغيير الذي يقوده السلطان قابوس: "الى الرجل الذي خرج ببلاده من قاع النسيان الى قمة الواقع. الى الشاب الذي قاد المسيرة الشاقة لبناء بلده بعد أن عاشت منزوية لا يعرف العالم عنها شيئا ولا تعرف شيئا عن العالم، الى الإنسان الذي تحدى كل قسوة الزمن وخرج بأمته من مجاهل العصور المظلمة الى إشراقة القرن العشرين. الى القائد الذي هز بشجاعته وإيمانه بلاده المنزوية التي كانت يوما إمبراطورية كبيرة لها دورها المسموع في العالم، فأيقظها من سباتها العميق، وجعل الدم الحار يتدفق في كل شرايينها، الى قابوس قائد حركة التغيير المظفرة نقدم هذا السجل شاهداً على مولد دولة وبعث شعب وإشراقة فجر جديد".
والجدير بالذكر أن كتاب مركز زايد للتنسيق والمتابعة عن "السلطان قابوس .. ومسيرة النهضة والبناء" الذي يشكل إسهاماً حقيقياً في إغناء الذاكرة المشتركة للشعبين والبلدين الشقيقين يتوزع بين عدة فصول. أبرزها الإمارات وعمان تواصل الماضي والحاضر، والسلطان قابوس الأصول والميلاد والسلطان قابوس ومرحلة وضع الأسى ودولة المؤسسات العصرية ومسار التنمية الاقتصادية ورؤية السلطان للقضايا الدولية، ثم قابوس والقضية الفلسطينية وجائزة السلام الدولية.
ويضيف الكتاب بأنه من الطبيعي التأكيد على أن المسيرة لم تكن بالسهولة التي يمكن أن تتصور للوهلة الأولى ذلك لأن ما كانت عليه عمان من أوضاع على كافة مشاهد واقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كان يحتاج إلى جهود مضاعفة وإلى رؤية شاملة لسبل التنمية.
ويوضح الكتاب ان السلطنة استطاعت أن تصنع وضعاً داخلياً جعل حياة المواطن العماني تنقلب بصورة كاملة باتجاه الأفضل. ويظهر هذا بوضوح في توافر جميع الفرص الخدمية من صحة وتعليم ورعاية اجتماعية، وأكثر من ذلك المناخ الجديد الذي فتح المجال واسعاً أمام العمانيين للتحاور مع العالم بأدواته الحديثة ومواكبة جميع متغيراته وفي مختلف نواحي الحياة، فصورة عُمان اليوم ليست وبكل تأكيد هي صورتها قبل ثلاثين سنة.
أما على الصعيد الخارجي ، فلقد تمكن السلطان قابوس أن يوجد صورة ومكانة تليق وتتجاوب مع الموروث التاريخي للسلطنة، وارتقى بموقعها على الساحة الدولية تدريجياً، حتى صارت السلطنة مرجعاً لدعوات تحقيق السلام والتعايش في العالم وصار جلالة السلطان واحد من أكبر رموز الدعوة والعمل لأجل تحقيق السلام في العالم ، وما اختياره للتكريم بجائزة السلام الدولية، سوى خير الأدلة على ذلك. العلاقات الخاصة بين دولة الامارات وسلطنة عمان ويشير الكتاب على نوعية العلاقة الأخوية التي تجمع بين قائدي الدولتين الشقيقتين، وهو الأمر الذي انعكس على علاقات البلدين والشعبين. وأيضاً يشير إلى أن العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان تستمد قوتها من تاريخ طويل مشترك وعلاقات راسخة جسدها زعيما البلدين بمفهوم الاخوة الحقة على أسس صلبة بما يحقق للشعبين التواصل والتكامل والقدرة على الانطلاق بقوة في مختلف المجالات.
وقد عمل القائدان منذ توليهما مقاليد الأمور في البلدين على وضع الأسس المتينة لهذه العلاقات من خلال الزيارات المتتابعة التي تبادلاها.
وتعود أولى الزيارات التي قام بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى سلطنة عمان الشقيقة الى عام 1968 عندما كان حاكما لامارة أبوظبي وذلك في السابع من شهر أغسطس عام 1968، وتم خلال الزيارة الاتفاق على الكثير من مسائل التعاون والتقارب بين البلدين.
وفي العاشر من شهر أغسطس/ آب عام 1970 قام الشيخ زايد بزيارة لسلطنة عمان والتقى مع السلطان قابوس بن سعيد. وتم اللقاء الأول بين الزعيمين زايد وقابوس في جو حافل بالمودة والاخوة، وجرت بين الزعيمين العربيين مباحثات ودية تناولت ضرورة تمتين وشائج الاخوة والمودة بين البلدين.
وفي الثاني من شهر مايو/ أيارعام 1972 قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بزيارة جديدة الى سلطنة عمان وأجرى مباحثات مع أخيه السلطان قابوس بن سعيد، وصدر بيان مشترك عقب الزيارة عبر فيه الجانبان عن رغبة البلدين في توطيد أواصر الاخوة والتعاون بينهما لتحقيق رخاء الشعبين وحث دول المنطقة على حل المشاكل بالطرق السلمية وعلى أساس الحق والعدل.
و أدلى السلطان قابوس بحديث للصحافة في أعقاب زيارة الشيخ زايد قال فيه: "في نهاية هذا اليوم أقول انه يوم سعيد.. لأننا اجتمعنا فيه بالأخ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ولاشك ان تبادل وجهات النظر بين الاخوة يحقق مصلحة الطرفين والمنطقة".
كما أدلى الشيخ زايد بحديث مماثل قال فيه: "إن لقاءنا مع الأخ قابوس بن سعيد هو لقاء الأخوة، ونحن نجتمع سوياً لتوطيد العلاقات والروابط المصيرية ودراسة أفضل السبل لتحقيق الرخاء للمنطقة. وأنا أؤمن أن السلطان قابوس شاركني السعي لتحقيق الازدهار لأمتنا وهو يتجاوب معنا دائماً في كل القضايا التي تواجهنا".
وفي الرابع والعشرين من شهر مارس/آذار عام 1973 استقبلت دولة الإمارات رسمياً وشعبياً السلطان قابوس بن سعيد الذي وصل إلى أبوظبي.
وعقدت بين الشيخ زايد والسلطان قابوس جلسة مباحثات صرح بعدها المستشار الصحفي للسلطان قابوس "بأن السلطان قابوس كان يتطلع بشوق إلى زيارة أخيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وان السلطان قابوس سعيد بوجوده في أبوظبي التي يعتبرها وطناً ثانياً له وأن البلدين تربط بينهما روابط الدم والتاريخ واللغة والجوار، وتوحد بينهما التقاليد الواحدة والأهداف المشتركة، وأن هذا اللقاء الأخوي الذي تم على أرض الإمارات يعزز علاقات التعاون الأخوي بين البلدين، وسوف يكون فاتحة عهد كله خير وأمل إنشاء الله ".
وشارك الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات على رأس وفد رسمي في احتفالات السلطنة في العيد الوطني السادس وذلك في الثامن عشر من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1976 وشهد العرض العسكري الذي أقيم بهذه المناسبة. وقد قدم السلطان قابوس الى الشيخ زايد "وسام عمان" وهو أعلى وسام عماني، وذلك تقديراً لمواقفه القومية والعربية.
ولم تنقطع الزيارات بين الزعيمين ولا بين المسؤولين في البلدين وكانت المشاورات متواصلة بين قائدين البلدين تجاه كل القضايا الثنائية والعربية والعالمية. وقد وقع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والسلطان قابوس بن سعيد في الأول من شهر مايو/ أيار عام 1999 في بيت بهجة الأنظار العامر بولاية صحار بسلطنة عمان على اتفاقية الحدود بين دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. وقد أعرب رئيس الدولة عقب توقيع الاتفاقية عن سعادته البالغة بلقاء أخيه قابوس بن سعيد وتوقيع اتفاقية الحدود بين البلدين والتي وصفها سموه بأنها ستضيف لبنة جديدة في الصرح الشامخ للعلاقات الأخوية الوثيقة مؤكدا عزم دولة الإمارات على مواصلة تعزيز التعاون وتنمية المصلحة المشتركة مع سلطنة عمان في الحاضر والمستقبل.
وقال: "ان هذه الاتفاقية المباركة ستعزز المسيرة المشتركة للشعبين وتعمق التلاحم والآمال والتطلعات والرغبة الأكيدة في العمل المشترك وندعو الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدينا جميعا وأن يبارك المولى العلي القدير في جهود أخي السلطان قابوس وأن يمده بعونه وتوفيقه لتحقيق مزيد من الخير والعزة للشعب العماني العزيز ولما فيه خير علاقات الاخوة الحقيقية والتعاون الصادق بين البلدين ".
ومن جانبه أشاد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولى عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بالاتفاقية التاريخية لترسيم الحدود بين دولة الإمارات وسلطنة عمان الشقيقة. وأعرب خلال استقباله أعضاء اللجنة المشتركة بين البلدين وذلك في السادس عشر من شهر مايو عام 1999 عن ارتياحه لما وصلت إليه العلاقات الأخوية بين البلدين متمنيا سموه لهذه العلاقات مزيدا من التقدم والتطور. كمـا أعرب الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان عن ارتياحه لما توصلت إليه اجتماعات اللجنة المشتركة من قرارات وتوصيات ستساهم في تعزيز العلاقات الأخوية بين البلدين والتي ستفتح مجالات جديدة لهذا التعاون في المستقبل لما يخدم مصلحة شعبي البلدين الشقيقين. كما أعرب عن شكره وتقديره لأعضاء اللجنة للجهود التي بذلوها من اجل التوصل لهذه القرارات الأخوية واصفا سموه العلاقات مع سلطنة عمان بأنها متميزة وفى تطور مستمر متمنيا لهذه العلاقات مزيدا من التقدم والازدهار في ظل القيادة الرشيدة لقيادتي البلدين.
من جانبه أكد الشيخ عبد الله بن علي القتبي رئيس مجلس الشورى في سلطنة عمان أن العلاقات بين السلطنة ودولة الإمارات علاقات تاريخية ومصيرية وأسرية ، والرابط بينهما أكبر من ترسيم الحدود ووضع العلامات، وحياة الشعبين مشتركة في السراء والضراء، والدليل على ذلك المعايشة اليومية على أرض الواقع والجغرافيا دون معوقات.
وفي الرابع والعشرين من شهر نيسان / إبريل عام 2000 أجرى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مباحثات مع أخيه السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان الشقيقة خلال زيارته لدولة الإمارات، تبادلا خلالها وجهات النظر حول الوضع الراهن في منطقة الخليج وسبل تعزيز مسيرة العمل الخليجي الجماعي بما يعود بالخير على شعوب المنطقة.
كما تناول الاجتماع بحث كل ما يعمق وينسق أواصر العلاقات الأخوية والتعاون المشترك وتطويره وتعزيزه إلى آفاق أكبر.
وفي إطار العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين قام السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان بزيارة لـه لدولـة الإمارات العربيـة المتحدة وذلك في 28/5/2001 ، حيث استقبله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة. وعقدا اجتماعاً في إطار التشاور والتنسيق المستمر بما يخدم المصلحة المشتركة.
ومن جانبه وفي السابع والعشرين من شهر فبراير/ شباط عام 2000 قام الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بزيارة رسمية لسلطنة عمان الشقيقة، ولدى وصوله إلى مسقط أدلى بتصريح قال فيه: "يسرنا ونحن نقوم بزيارة بلدنا الثاني سلطنة عمان الشقيقة ان ننقل تحيات وتمنيات الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وشعب دولة الإمارات العربية المتحدة إلي أخيه السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان حفظه الله بموفور الصحة والسعادة والى الشعب العماني الشقيق بدوام التقدم والازدهار في ظل قيادته الحكيمة".
وفي الرابع عشر من شهر مارس / آذار عام 1998 استقبل الفريق أول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولى عهد دبي وزير الدفاع الفريق علي بن ماجد المعمري وزير مكتب شئون القصر في سلطنة عمان الذي نقل تحيات السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان إلى أخيه الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي والى سموه شخصيا. وجرى خلال اللقاء استعراض العلاقات الأخوية الطيبة القائمة بين البلدين الشقيقين والتي تجسد التوجهات السديدة للقيادتين في دولة الإمارات وسلطنة عمان.
وشكلت نتائج الزيارة المهمة التي قام بها رئيس الدولة لسلطنة عمان في بداية شهر مايو/ أيار من العام 1991 دفعة قوية في مسيرة التعاون المشترك بإعلان تشكيل لجنة عليا للتنسيق والانفتاح الشامل على جميع مجالات التعاون الثنائي بين البلدين.
وعقدت هذه اللجنة التي يرأس جانب الإمارات فيها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والجانب العماني معالي فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء بسلطنة عمان عدة اجتماعات منذ اجتماعها الأول في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991 وحتى الآن حققت خلالها إنجازات مهمة وملموسة في مقدمتها قرار استخدام البطاقة الشخصية في حركة انتقال المواطنين بين البلدين وإنشاء شركة عمان والإمارات للاستثمار بالإضافة إلى تعزيز التعاون والتنسيق الثنائي في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتربوية والعسكرية والأمنية وغيرها من المجالات.
وشهدت العلاقات الأخوية من خلال أنشطة اللجان الفرعية المختصة التي انبثقت عن اللجنة العليا المشتركة تطورات متلاحقة وخاصة على صعيد اللجنة الاقتصادية العليا التي أجرت العديد من دراسات الجدوى الفنية لاقامة مشاريع استثمارية مشتركة بين البلدين وعملت على زيادة حجم التبادل التجاري والسلعي بينهما.
وأعطت اللجنة العليا المشتركة اهتماما كبيرا لتحقيق الشراكة الاقتصادية والتجارية بين شعبي البلدين وشكلت لهذا الغرض لجنة اقتصادية عليا عقدت عدة اجتماعات مهمة في أبوظبي ومسقط بهدف تحقيق الترابط والتعاون والتنسيق في المجالات الاقتصادية وبناء مصالح مشتركة أكثر صلابة تعود بالمصلحة المباشرة على الشعبين الشقيقين.
وشكل الاتفاق على إنشاء شركة عمان والإمارات للاستثمار يوم 2 مايو/أيار من العام 1993 في مسقط نقلة نوعية في التعاون الثنائي بما يعود بالمصلحة المشتركة على شعبي البلدين .
وفي قطاعي الطاقة والمياه تعززت علاقات التعاون بعد الزيارة التي قام بها معالي وزير الكهرباء والماء الإماراتي الى مسقط يوم 10 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1998، حيث تم الاتفاق خلال هذه المباحثات على تشكيل لجنة مشتركة لدراسة الموضوعات المتعلقة بتخفيض تكلفة تشغيل هذا القطاع وتبادل الخبرات الفنية ودراسة موضوع الربط الكهربائي في المناطق الحدودية بين البلدين.
وشهد بداية عام 1999 تعاونا وثيقا بين وزارتي العمل والشؤون الاجتماعية في ميادين التدريب والتأهيل للكوادر المواطنة لإحلالها محل العمالة الوافدة في سوق العمل في البلدين.
وعلى صعيد التعاون بين البلدين في مجال الاتصالات تم يوم 12 إبريل / نيسان عام 1998 في أبوظبي التوقيع على مذكرة تفاهم لتوسيع مجالات التعاون والتكامل في قطاع الاتصالات . وتشمل مذكرة التفاهم الاتفاق على البدء في تنفيذ ربط المناطق الحدودية بين السلطنة ودولة الإمارات لتسهيل الاتصالات بين المواطنين في هذه المناطق . كما تم الاتفاق على تبادل الخبرات الفنية بين مؤسستي الاتصالات في البلدين.
وحقق التعاون في المجالات الزراعية والثروة السمكية نتائج طيبة من خلال الزيارات المنتظمة بين المسؤولين والمختصين في البلدين لتعزيز وتنسيق التعاون المشترك لمكافحة أمراض النباتات وتبادل البحوث والمعلومات في المجالات الزراعية وتنمية الثروة السمكية وحماية المحميات الطبيعية.
كما يوجد تعاون بناء في مجال القضاء يشمل مختلف المجالات وتبادل الخبرات من أجل دعم وتطوير العمل القضائي ونظم التقاضى في البلدين. ان هذا السجل الحافل من العلاقات المضطردة والمتميزة بين البلدين يُشكل بلا شك قاعدة متينة على طريق التواصل والتآخي لتحقيق المزيد من المكتسبات لشعبي البلدين الشقيقين.