ذكريات على شواطئ القصيدة مع شيخ النقاد، القط

بقلم: أحمد فضل شبلول

لم أكن تلميذا ـ بالمفهوم التقليدي ـ للناقد الكبير د. عبد القادر القط، ولكن كنت أستفيد من ملاحظاته النقدية الذكية، وآرائه الأدبية الثاقبة، وخاصة عندما كان رئيسا لتحرير مجلة "إبداع" طوال فترة الثمانينات، حيث كنت أذهب إليه في مقر المجلة بشارع عبد الخالق ثروت بالقاهرة، ومعي بعض المواد الأدبية لي ولغيري من الأصدقاء لنشرها في المجلة. كان د. القط يستقبلني ببشاشة وود، هو والصديق الراحل الأديب عبد الله خيرت (مدير التحرير)، وكثيرا ما كان يطلب د. القط مني قراءة الأعمال الشعرية أمامه ليقر نشرها في المجلة من عدمه.
ذات مرة قدمت له قصيدة أرسلها لي الصديق الشاعر إبراهيم المصري الذي يعمل بدولة الإمارات العربية المتحدة، فأخذها مني، وبدأ يقرأها بصوت عال، ثم طلب مني استكمال قراءتها، لكوني من جيل الشاعر وصديقه، وأقدر على فهم تجربته الشعرية، فبدأت استكمل القراءة، وكان يستوقفني كل عدة أسطر، ليستوضح ما غمض عليه أو التبس أمره، أو ليتأكد من عدم وجود كسر في الوزن الشعري، وأتذكر أنه في النهاية لم يوافق على نشر هذا النص لإبراهيم المصري. ولكن على أية حال كنت أخرج من زيارتي له بفائدة كبيرة، كنت أستفيد من تعليقاته الفورية على النصوص الإبداعية، حتى عندما كنت أتصل به تليفونيا من الإسكندرية، لأسأل عن رأيه فيما أرسله من مواد للمجلة سواء بالبريد، أو باليد في حال عدم وجوده. كان حريصا، عندما اتصل به، على أن يسألني عن المكان الذي أتحدث منه، وعندما أقول له إنني اتصل من الإسكندرية، كنت ألاحظ أنه يجيب بسرعة عن المطلوب السؤال عنه، حتى لا تكون تكلفة المكالمة عالية.
كان د. القط ـ يرحمه الله ـ حريصا على تلبية الدعوات والمشاركة في المؤتمرات والندوات والمهرجانات الأدبية والثقافية سواء داخل مصر أو خارجها. أتذكر أنني التقيت به في أحد المؤتمرات التي عقدت في مدينة المنيا، وكانت إحدى الشاعرات تسأله عن قصيدة أرسلتها إلى مجلة "إبداع" فأجابها أنه قرأ القصيدة، ولم يوافق على نشرها، فسألته عن السبب، فأجاب: لأنك تسبين أباك في القصيدة، وتقولين كذا وكذا، فقالت له: إن الأب هنا رمز لكذا وكذا، فقال لها: ولو. ويفهم من ذلك أن الرجل كان حريصا كل الحرص على قراءة كل ما يصل إليه من أعمال إبداعية ويناقش أصحابها، مناقشة هادئة واعية غير متحجرة، حتى ولو كان يرفض العمل الذي أمامه، فكان من رؤساء التحرير الذين لا يتحججون بحجج واهية في سبيل الرفض، ولكن رفضه كان يقوم على أسس إبداعية، وأيضا أخلاقية، هو على قناعة تامة بها.
عندما ذهبت للعمل بمدينة الرياض، كنت انتهز انعقاد مهرجان الجنادرية، لأقابل المشاركين في المهرجان، وخاصة كل من د. القط والشاعر فاروق شوشة. وفي كل مرة كان القط يحرص على تعريفي بكبار الأدباء والنقاد العرب المشاركين معه في المهرجان وفي الجلسات العلمية. وكان يقدمني لهم تقديما طيبا، فيسألون عن إنتاجي الأدبي، وبالفعل كتب عدد منهم عن بعض أعمالي، في سوريا والأردن والمغرب، بفضل إشادة القط عني في جلساتنا في ردهات الفندق.
في السنة الأخيرة كان صوته الواهن عبر الهاتف، يحمل لي الكثير من البشارات. حدثته عن كتاب صدر في سلسلة "ذاكرة الكتابة" التي يرأس تحريرها بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وهو "أرض كليوباتره" للكاتبة الإيطالية آني فيفيانتي، وأن طبعته الجديدة المترجمة صدرت في الوقت المناسب، فطلب مني ترشيح كتاب قديم لإعادة طباعته في السلسلة، فتذكرت على الفور كتاب "المعجم في بقية الأشياء" لأبي هلال العسكري، والذي طبع في عام 1935 تقريبا بعد أن حققه إبراهيم الإبياري، وبعد أن تأكد القط أنني أملك نسخة من هذا المعجم، (كنت صورتها من المكتبة المركزية لجامعة الملك سعود، عندما كنت أعمل بها)، طلب مني تصويرها تصويرا جيدا، وإرسالها على الفور، ليأخذ المعجم دوره في الصدور في سلسلة "ذاكرة الكتابة"، وبالفعل أرسلت النسخة المصورة بالبريد السريع، على عنوان منزله، وعندما اتصلت به لأتأكد من وصول البريد، أجابني بأن المعجم لطيف، ومهم.
عندما نشرت لي جريدة الأهرام، مقالا عن كتاب "حكايات جدتي" للكاتبة هدى المكي، اتصل بي د. القط في الساعة التاسعة صباحا في نفس يوم النشر، يطلب نسخة من الكتاب، وكم كانت فرحة هدى المكي كبيرة، عندما اتصلت بها، لأقول لها إن د. عبد القادر القط، قرأ المقال، ويريد نسخة من كتابك، ليقرأه.
ومرة طلب مني أن أرسل آخر دواويني الشعرية له، ليختار منها ما سينشره في المجلد الذي كلفته مؤسسة البابطين بإعداده عن الشعر المصري، والذي صدر بالفعل وبه النماذج الشعرية التي اختارها القط. ومرة أخرى وهي قبل الأخيرة، اتصل بي ليبلغني أن لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ـ باعتباره مقررا لها ـ اختارتني مع الشاعر د. عبد الحميد محمود، للسفر إلى فرنسا لحضور مهرجان صوت البحر المتوسط خلال شهر يوليو القادم. وأن سكرتير اللجنة سيتصل بي بعد دقائق لتجهيز الأوراق المطلوبة، وبالفعل بعد خمس دقائق يتصل بي الأخ طارق عبد الحليم، ويطلب مني إرسال كذا وكذا. أما المرة الأخيرة فطلب متابعة موضوع السفر، بأنفسنا مع قطاع العلاقات الثقافية الخارجية بوزارة الثقافة لحين صدور القرار الوزاري الخاص بذلك.
الذكريات كثيرة ولا تنتهي مع الدكتور عبد القادر القط، الإنسان والناقد الكبير، الذي افتقدته الحياة الأدبية والثقافية في مصر والوطن العربي.
ترى من سيرعانا بعدك أيها القلب الكبير؟ أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية