تحليل: الجزائر في المشهد الإرهابي

الجزائر
بوتفليقه يبحث عن تحالفات جديدة

كان الجميع يعتقد أن وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقه إلى سدة الحكم في الجزائر، سيعطي لهذه الأخيرة دفعا قويا نحو الأمام وسيعيد للجزائر هيبتها وثقلها الدولي، خاصة بعد أن اتخذ بوتفليقه خطوات حاسمة تجاه الأزمة التي ضربت الجزائر منذ عام 1992 التي توافق مع إيقاف المسار الانتخابي، والذي أدى لفوز كبير للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات التشريعية.

قانون الوئام المدني
بوتفليقه جاء ليوقع على قانون الوئام المدني .. هذا القانون الذي جرى عليه استفتاء وطني كانت حصيلته 86 بالمائة من المواطنين الجزائريين وافقوا على هذا القانون،الذي أبرمه الجيش الجزائري مع الذراع العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ "الذي يرأسه مدني مزراق". والاتفاق، في حقيقة الأمر، لا يعرف تفاصيله إلا عددا من جنرالات الجيش الجزائري ، ومدني مزراق. و أصر الجيش الجزائري أن يُبقي الاتفاق سريا، مما دفع بالرئيس السابق اليمين زروال أن يرحل عن سدة الحكم، وينظم انتخابات جديدة جاءت بالرئيس الحالي بوتفليقه،الذي كان يعلم جيدا أن المطلوب منه مسألتين:
الأولى: هي إعلان قانون الوئام، رغم جهله به.
الثانية: تلميع صورة الجزائر في الخارج.
والتزم بوتفليقه بالاتفاق. لكن مع مرور الوقت، وجد أن الجزائر التي ضربها الإرهاب طيلة عقد كامل، تحتاج إلى بناء من جديد، والنموذج الوحيد الذي أمامه، كان نموذج "جزائر مرحلة السبعـينيات" التي قادها الراحل هواري بومدين. وهنا بدأ الخلل في التعاطي مع الأزمات الُمدرجة على أجندة الرئاسة.

القضية الأمازيغية
المسألة البربرية أو القضية الأمازيغـية .. كانت من القضايا الشائكة التي تفجرت في وجه الرئيس بوتفليقه، وحسب المعطيات فإن سبب التفجير، يعود لحادثة قتل، ارتكبها أحد رجالات الدرك في منطقة القبائل، حيث قتل "قرماح ماسينيسا" بتهمة إثارة الشغب. وأثار مقتل هذا الأخير غضبا جماهيريا،غذته أطراف معارضة لبوتفليقه، ولعبت دورا من أجل إحراج هذا الأخير، ورضخ في النهاية تحت الضغط المستمر في منطقة القبائل ووافق على أخطر قرار وهو ترسيم الأمازيغية واعتبارها لغة وطنية. ورغم أن هناك 15 مطلبا وجهته منطقة القبائل عبر حركة المواطنة المسماة بـ"العروش" ووافق بوتفليقه عليها جميعا، إلا أن الحركة الاحتجاجية بقيت مستمرة، ولا أحد يعرف إلى أين ستصل، خاصة و أن سقف المطالب ازداد في المرحلة الأخيرة ليصل بضرورة ذهاب السلطة. ولم تعد المطالب محددة في الـ15 نقطة. ومن هنا بدأ بوتفليقه يلعب بطريقته الخاصة. حيث استطاع أن يُجرد المنطقة من خصوصيتها، ووجه الشعب بطريقة الدخول في حرب غير معلنة ضد القبائل، واعتبار هؤلاء أنهم يبحثون عن الانفصال، ويريدون تقسيم الجزائر، مما خلق وضعا شعبيا ضد القبائل.
وبقيت جميع الاحتجاجات منحصرة في منطقة القبائل أخيرا وازدادت عزلة المنطقة، واستطاع بوتفليقه في النهاية أن يقسم حركة المواطنة "العروش" بين المتشددين والمحاورين. وأظهر للجميع أنه على استعداد للعمل من أجل كل الجزائر وليس من أجل فئة واحدة فقط. وتم ترجمة ذلك على الصعيد الخارجي، حيث هنأت واشنطن بوتفليقه بعد انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج، واعتبرت أن هناك تحقيق للمطالب الشعبية.

مسألة الإرهاب
بعد الاستفتاء على قانون الوئام المدني، وحصول بوتفليقه على 86 بالمائة من المؤيدين للقانون .. تراجع الإرهاب بشكل ملحوظ، حيث وافقت أكثر من جماعة مسلحة على الدخول في قانون الوئام، بينما بقيت الجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة للقتال على موقفها الرافض للدخول في قانون الوئام. ولكن رغم ذلك فقد تراجع مستوى الإرهاب بشكل كبير.إلى حين تم القضاء على عنتر زوابري في شباط/فبراير الماضي، وتم تعيين خلفا له أبو تراب ليكون قائدا للجماعات المسلحة. وارتفعت وتيرة الإرهاب بعدها بطريقة سقط فيه العشرات خلال فترة زمنية قصيرة، و ليعود الإرهاب قويا كما كان و لكن أقل حدة.

قصة زوابري
لم يكن عنتر زوابري في العامين الأخيرين هو عنتر زوابري الذي كان قبل ذلك، حيث اكتشف أنه تورط في مجازر بن طلحة وغليزان التي أدت إلى سقوط المئات. هذه المجازر دفعت العديد للخروج من تحت إمارة زوابري ولتلتحق في كتائب أخرى.لدرجة أن الجماعات الإسلامية عرفت نزيفا مستمرا لها، وبقيت تنقسم على نفسها طيلة فترات مستمرة ،وتوقفت عن العمل المسلح دون أن تعلن ذلك.
ووصل عنتر زوابري في آخر أيامه إلى أن مجموعته وصل عددها إلى حدود 60 مسلحا فقط، وانزوى في إحدى ضواحي مدينة بوفاريك،التي ينتمي إليها.إلى حين قتل في شباط/فبراير الماضي.
وحسب معلومات موثوقة فأن وكالة المخابرات المركزية الأميركية الـ "سي.أي. إيه" ليست هي منْ ساعد الأمن الجزائري في قتل زوابري. بل أن أحد المسلحين التابع لزوابري قام ببيعه إلى الأمن الجزائري.
وزوابري الذي كان طارئا على الجماعات الإسلامية استطاع خلال فترة بسيطة أن يكون أميرا، رغم عدم شهرته بانه يفقه الكثير بالإسلام أو بتعاليمه. لكن السلطة الجزائرية دفعته إلى ذلك عندما اعتقلت والده وقتلت أخيه "علي" المعروف بأنه أحد نشطاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة.
وجاء أبو تراب ليعيد الجماعات الإسلامية إلى وضعها الأول، حيث استطاع أن يعيد الكثير من التائبين إلى صفوف الجماعة، ووحد الكثير من الكتائب المختلفة تحت قيادته، وهو ما أعاد الجماعات الإسلامية إلى نشاطها خلال الأسابيع القليلة الماضية.

عودة للجبل
وما ساعد الجماعات الإسلامية في إعادة نشاطها،هم مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية .. أما العوامل الداخلية فكانت تعتمد على أن قانون الوئام لم يتم تطبيقه، حيث أن العائدين من الجبل إلى الحياة المدنية لم يتم إدماجهم بالمجتمع، أو إعطائهم الأموال اللازمة أو تأمين مناصب عمل لهم. ومع مرور الوقت وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إلى الجبل، إَضافة إلى المضايقات الأمنية المستمرة للتائبين الذين حاول الأمن الجزائري أن يستغلهم و يبتزهم.
أما العامل الخارجي فكانت الانتفاضة الفلسطينية التي دفعت بالعديد من التائبين أن يذهبوا باتجاه منطقة الشرق الأوسط عبر دول اخرى.
وفي ظل هذه التغيرات بقي الإرهاب يشهد مدا و جزرا، ومع تردي الأوضاع الاجتماعية والسياسية سيشهد الإرهاب تصعيدا أكبر.
وسيبقى على الرئيس بوتفليقه أن يبحث على صور جديدة للتحالف من أجل القضاء على الإرهاب والى مواجهة معارضيه ومنافسيه من أجل عهدة رئاسية ثانية.