على هامش المونديال: لا لتسييس الرياضة

بقلم: نضال حمد

كما هو معلوم أن التحضير لمونديال كوريا واليابان أخذ الوقت الوفير والمال الكثير من ميزانيات الدول المشاركة، فقيرة ذات اقتصاديات مهزوزة أم غنية ذات اقتصاد متين وميزانيات كروية.
عندما بدأ المونديال وانطلقت المباريات في المرحلة الأولى من تصفيات المجموعات، تبين لنا أن الأمور متشابكة حد التعقيد وأن الفارق في المستويات متقلص حد ألـ"فيفتي فيفتي" باستثناء مباراة السعودية مع ألمانيا والتي كانت نتيجتها كارثية بالنسبة للمنتخب العربي السعودي، ليس بسبب الخسارة، فالخسارة كانت شبه محسومة نتيجة الفارق الكبير في الخبرة والمستوى والتاريخ الكروي وعدد المشاركات في النهائيات، ولكن لان جماهير الكرة العربية كانت تنتظر من المنتخب السعودي أن يقدم عروضا مشرفة تحاكي تلك التي قدمها في المشاركات السابقة، خاصة أن السعودية من الدول التي خصصت الملايين من الدولارات لرعاية الرياضة وكرة القدم تحديدا، وهو مال لم يذهب هدرا، بل هو حق ومطلب وانسجام وتماشي مع تطور الكرة العالمية. والمشكلة تكمن في أن الخسائر السعودية كانت ثقيلة والعروض غير قوية.
من مفاجئات البطولة هذه خروج العمالقة منذ البداية وتأهل عمالقة آخرين بشق النفس وبالحظ. فقد خرجت فرنسا دون أي فوز ودون تسجيل أهداف مع أنها حاملة اللقب وكانت مرشحة للفوز بهذه البطولة.
أما الفريق الأرجنتيني القوي والمرشح أيضا للفوز بلقب البطولة، فقد خرج بصعوبة بعدما قدم عروض مميزة أمام فرق قوية جدا شاءت القرعة أن يكونوا في مجموعة واحدة سماها المراقبون بمجموعة الموت، حيث ضمت إلى جانب الأرجنتين كل من إنكلترا ونيجيريا والسويد.
يوم بدئت مباراة الأرجنتين وإنكلترا قررنا أنا وزملائي أن نشاهدها في أحد المقاهي في العاصمة أوسلو. وبعد بحث طويل عن أماكن شاغرة للجلوس في المقهى ومشاهدة المباراة وجدنا مكانا واحدا خاليا. جلست أنا في المكان المذكور، أما باقي الرفاق فاضطروا للوقوف طيلة وقت المباراة.
كان المقهى مليئا بالمشاهدين النرويجيين الذين كانوا من مؤيدي ومشجعي منتخب إنكلترا. أما نحن الذين نؤيد ونشجع الأرجنتين كنا أقلية من الأجانب ذوي الأصول العربية واللاتينية والأفريقية والأسيوية.
لسوء حظنا خسرت الأرجنتين واحد صفر بعد ملحمة كروية كانت السبب في خسارتها اللاحقة أمام منتخب السويد الذي ظهر بأفضل حالاته فتصدر مجموعة الموت عن جدارة.
أما المنتخب السويدي فقد خرج في الدور الثاني نتيجة هزيمته أمام السنغال بالهدف الذهبي. هذا وتعتبر السنغال مفاجئة الدورة لعبا ونتيجة ومستوى فنيا, حيث أنها تأهلت لربع النهائي وسوف تلتقي منتخب تركيا يوم السبت القادم.
في الحديث عن الكرة والمونديال لا يمكننا نسيان المنتخب الكوري الجنوبي المستضيف والذي يلعب على أرضه وأمام جمهوره.
هذا منتخب أسيوي كبير ولعب مرات عديدة في دورات كأس العالم لكنه فشل في الفوز والتأهل في كل مشاركاته.
هذه المرة أظهر الكوريون مستوى ممتازا ومميزا، حيث استطاعوا التغلب على فرق أوروبية عريقة مثل البرتغال وبولندا و إيطاليا فيما بعد.
لقد كانت مباراة كوريا مع إيطاليا مباراة كبيرة ومميزة سيطر فيها أصحاب الأرض والجمهور على المباراة منذ البداية وحتى النهاية. ففازوا على إيطاليا بعد تقديم لمحات كروية جميلة وهجمات جماعية متكررة ومهارات فنية عالية ومجهودات أهلتهم للفوز على المنتخب الإيطالي القوي والعريق بالهدف الذهبي الذي أحرزه اللاعب الشاب المميز أهن يونغ هوان الذي يلعب في الدوري الإيطالي لحساب نادي بيروجيا.
لكن هذا البطل الكروي تفاجئ اليوم كما تفاجئنا جميعا بالقرار العنصري الجائر والبغيض الذي أتخذه رئيس مجلس أداره نادي بيروجيا الإيطالي السيد لوتشانو غوتشي. وقال لوتشانو أن قراره بفسخ عقد اللاعب هوان ومن ثم طرده من النادي يأتي على خلفية الهدف الذهبي الذي سجله هوان وبفضله تأهلت كوريا وخرجت إيطاليا من التصفيات. كما أنه ردد أنه أتخذ قراره على خلفية قومية لأنه رجل وطني إيطالي.
في سياق الحديث عن هذه الحالة الرياضية التي أخذت بعدا أكثر من بعدها الرياضي، أذكر أنه في سنة 1993 وأثناء مباراة قوية جمعت بين منتخبي النرويج وإنكلترا وكانت نتيجتها ستحدد من الذي سيتأهل لكأس العالم في أمريكا 1994 فازت يومها النرويج بهدفين مقابل هدف وسجل اللاعب النرويجي أيفيند ليونهاردسين الهدف الثاني الذي رجح كفة النرويج، حيث تأهلت الأخيرة على حساب إنكلترا. فدفع ذلك نادي ويمبلدون الإنكليزي من الدرجة الممتازة الى التعاقد مع اللاعب النرويجي المذكور الذي لازال حتى يومنا هذا يلعب في الدوري الإنكليزي.
الفرق بين تصرف النادي الإنكليزي وقرار النادي الإيطالي كبير جدا وفيه ما يؤشر على جدية ورياضية التفكير الكروي في إنكلترا بينما العكس هو الصحيح في إيطاليا.
اليوم، نقول إيطاليا اليوم لأنها إيطاليا بيرليسكوني الذي لا يعرف من الكرة سوى ما يجنيه من ورائها. أنها ليست إيطاليا التي أعربت عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني المحاصر في بيروت والمذبوح في صبرا وشاتيلا سنة 1982 بوضعها كأس العالم في ممثلية فلسطين في العاصمة روما تعبيرا عن التضامن الكبير من شعب إيطاليا العريق مع شعب فلسطين المقاوم.
يومها كانت إيطاليا اكبر من أن تقودها مزاجية تجار الرياضة والسياسة من أمثال لوتشانو وغيره من المتهورين وأصحاب النفس العنصري الذي لا يرضى بالنتائج الرياضية حتى وان كانت ما يزعم الطليان جاءت نتيجة أخطاء حكم المباراة أو حكام المباراة.
هذا القرار المتخذ على خلفية هزيمة إيطاليا يحاول تقزيم الانتصار الكوري الذي جاء بعد مجهود ولعب كوري جميل ومساندة قوية من الجمهور الكبير الذي هتف لفريقه طوال وقت المباراة الأصلي وحتى الهدف الذهبي.
هذا القرار لا يليق بإيطاليا ويسيء لها وقد يقلل من نسبة مشجعي الأندية الإيطالية في العالم وهي نسبة كبيرة موزعة على الأندية الإيطالية التي تضم في صفوفها عددا كبيرا من اللاعبين الأجانب. هؤلاء مطلوب منهم الضغط على أنديتهم وجماهيرهم الكروية من اجل أن يقوم الاتحاد الإيطالي لكرة القدم بالتنديد بقرار لوتشانو وإجباره على الاعتذار والتراجع. كما أن الاتحاد الدولي مطالب بتوجيه اللوم والإدانة لنادي بيروجيا الذي أعلن رئيسه لوتشانو بكل وقاحة تسييسه للرياضة لا بل إدخال التفرقة العنصرية للنوادي الرياضية وبث روح الكراهية والحقد والبغض على اللاعبين الأجانب الذين يسجلون أهداف في مرمى إيطاليا أو يتسببون في خسارتها وهزيمتها أو خروجها من الدورات الكروية الدولية. يجب محاسبة لوتشانو من خلال محاسبة نادي بيروجيا. كما أن العالم المتحضر والذي يستظل تحت خيمة الفيفا الرياضية العالمية مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بمحاربة العنصرية وتسييس الرياضة وبمحاربة الفساد وسوء التحكيم والرشاوى والمنافسات غير الشريفة.
لا مكان للسياسة في الرياضة ولا للسياسة التي تقسم ولا تجمع الرياضيين. هذا العالم يكفيه الكم الهائل من الأزمات والمشاكل والحروب والويلات التي سببها الكراهية والعنصرية والاستعلاء وإلغاء الآخر. نضال حمد - اوسلو