شاعرات الإسكندرية على مر العصور

بقلم: أحمد فضل شبلول

يبدو أن وجود مكتبة الإسكندرية (الجديدة) فتح شهية الباحثين والأدباء والدارسين في الثغر الحبيب، للبحث والتأليف والتصدي لموضوعات لم تخطر على بال أدبائها وكتَّابها في العصور السابقة.
وقد اختار الشاعر والباحث د. فوزي خضر موضوعا طريفا ليتوقف عنده بالبحث والدراسة والتنقيب، هو شاعرات الإسكندرية. وأقول إن مادة هذا الموضوع، موجودة ومتوافرة بين أيدي الجميع، وخاصة منذ الربع الأخير من القرن العشرين، ولكن مَنْ من أدباء الإسكندرية، وكتَّابها، انتبه إلى هذا الموضوع ليكتب فيه سوى فوزي خضر. إن الأفكار ـ كما قال الأقدمون ـ ملقاةٌ على قارعة الطريق، ولكن مَنْ يُحسن انتقاءها؟ وقد أحسن فوزي خضر انتقاء فكرته أو موضوعه عن شاعرات الإسكندرية عبر العصور، متوقفا طويلا عند الشواعر اللواتي ظهرن منذ عام 1970 حيث شهدت العقود الثلاثة الأخيرة، بزوغ نجم الكثيرات من الشاعرات في الفصحى والعامية، بل إن بعضهن أجاد الكتابة في اللونين معا.
ولعلَّ من أسرار حيوية هذا الكتاب، وجود معظم الشاعرات اللواتي تحدث المؤلف عنهن، ورصد تجربتهن الشعرية والحياتية معا، بيننا الآن في الإسكندرية، ومن هنا، فإنه من الممكن أن ينشأ جدل واسع وحوار ثري، بين المؤلف وبين الشاعرات الموجودات في الإسكندرية الآن، وخاصة فيما أصدره المؤلف من أحكام تعد قاطعة، وغير قابلة للنقاش أو الجدل، مثل قوله: "يذكر التاريخ الأدبي أن نجوى السيد كانت أول شاعرة عامية تنجبها الإسكندرية"، ويقول عن ديوانها "شهر زاد" الصادر عام 1988 عن سلسلة "إشراقات أدبية" بالهيئة المصرية العامة للكتاب: "إنه أول ديوان تصدره الدولة لشاعرة عامية على مستوى مصر كلها". وقوله عن حورية البدري: "إنها كانت كاتبة القصة الوحيدة بالثغر عام 1970". أيضا من الآراء التي تدعو إلى الجدل مع المؤلف قوله عن حورية البدري: "إنها اتجهت إلى كتابة شعر العامية عندما وجدت الأوساط السكندرية تحتفي بشاعرات العامية"، وكأن حورية أرادت أن تعتلي موجة الكتابة بالعامية، دون أن تمتلك الموهبة لذلك.
أما فيما يتعلق بالحقائق التاريخية التي كانت في حاجة إلى مراجعة، قول المؤلف في هامش ص 32 إن الهيئة المحلية لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية (هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية حاليا) ترجمت كتاب الإسكندرية القديمة لمحمود صالح الفلكي باشا، ولكن الذي قام بالترجمة من الفرنسية إلى العربية في عام 1966 م ـ وبمناسبة مرور مائة عام على وضع الكتاب باللغة الفرنسية ـ هو حفيد الفلكي باشا واسمه أيضا، محمود صالح الفلكي، ونشرته الهيئة، وقام بمراجعة الترجمة د. محمد عواد حسين رئيس قسم الآثار بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية في ذلك الوقت، فالهيئة إذن هي الناشر، وليست المترجم.
أيضا من المآخذ على هوامش الكتاب، ما جاء في هامش ص 34، أن عبد الفتاح نوار (مدير مكتبة الإسكندرية)، وبطبيعة الحال يقصد المؤلف مكتبة بلدية الإسكندرية (أو مكتبة البلدية)، وليس مكتبة الإسكندرية. وقد لزم التنويه حتى لا يحدث التباس على قارئ الكتاب، وخاصة في المستقبل، فيعتقد أن مكتبة الإسكندرية التي ذكرها المؤلف، هي مكتبة الإسكندرية الجديدة، وليست مكتبة البلدية.
والشي الطريف في إهداء هذا الكتاب، أن مؤلفه أهداه إلى مجموعة من الإناث اللواتي لهن أثر في حياته، وهن: الأم والأخت والزوجة والابنة، وهي لمحة ذكية من المؤلف، بلاشك.
بعد الإهداء، كانت هناك المقدمة، والتمهيد، ثم كان الفصل الأول بعنوان "شاعرات الإسكندرية عبر العصور" حيث برزت أسماء من أمثال: تقية الصورية، وعائشة الإسكندرانية، ووردة اليازجي، ونيللي زنانيري، وجان أرقش، وحورية علي، ومنيرة توفيق، وفلورى عبد الملك.
ثم يتوقف المؤلف في الفصل الثاني عند شاعرات الإسكندرية في شعر الفصحى، فيتحدث عن سلوى محمود، وزينات القليوبي (التي تحولت إلى كتابة الزجل فيما بعد) وهدى مراد، وفاتن البقري (التي تحولت إلى كتابة شعر العامية بعد ذلك) وأماني يوسف عبد الله، وسامية المصري، وأماني شكم، وأمل سعد، وعزة رشاد، وبشرى بشير، وسناء الجبالي، ودعاء محمد عبد اللطيف، وشهدان الغرباوي، وانتصار الهلباوي، وحنان فاروق، وغيرهن. غير أن المؤلف يفرد بعد ذلك صفحات عن أهم شاعرات الفصحى في الإسكندرية في الوقت الحالي، مع نشر نماذج من إنتاجهن، وما قاله النقاد والشعراء عنهن، وهن على وجه التحديد: عزيزة كاطو، وفاطمة جابر، وكاميليا عبد الفتاح.
أما شعر العامية، فقد كان مركز اهتمام الفصل الرابع من الكتاب، حيث تحدث المؤلف عن الشاعرات: نجوى السيد، وإيمان يوسف، وأمينة عبد الله،. أما الشاعرات اللواتي جمعن بين الفصحى والعامية فهن: هدى عبد الغني، وسامية المصري، ووفاء جابر، ود. حورية البدري.
وبعد، فقد كان كتاب "شاعرات الإسكندرية" لمؤلفه د. فوزي خضر إطلالة على شعر المرأة في الإسكندرية عبر العصور المختلفة، "ولا شك أن هناك عصورا لم يصل إلينا ما كتبته فيها الشاعرات فتاهت أسماؤهن، وأهملها التاريخ، لذلك توجد أزمنة لم يذكر فيها أسماء شاعرات بها، لا لأنهن لم يكنّ موجودات، ولكن لأن شعرهن لم يصل إلينا". لذا فقد اعترضتُ منذ بداية هذا المقال، على بعض الأحكام القاطعة التي أطلقها المؤلف، والتي من الممكن لبحث آخر في الغد القريب، أن ينفيها تماما، أو ينقضها.
عدا ذلك يظل كتاب "شاعرات الإسكندرية"، مرجعا مهما، لكل من أراد الوقوف على نبض الحركة الشعرية في مدينة الإسكندرية، منذ فجر تاريخها، وحتى الآن. ومما يعطي الكتاب قيمته، إعطاء الفرصة للشاعرات لكي يتحدثن بأنفسهن عن تجاربهن الشعرية والمؤثرات التي تدور حولها، سواء المؤثرات الثقافية أو الاجتماعية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية