موريتانيا: الانترنت والمحمول في صراع مع التقاليد المحلية

نواكشوط - من أحمد سالم
لا مناص من اللحاق بآخر ما توصل اليه العلم

يرى الكثيرون في أفريقيا أن تيار العولمة الجارف الذي يفرض نفسه على الدول الفقيرة جعل شعوب تلك الدول بشكل عام والافريقية منها بشكل خاص، تواجه العديد من المصاعب والتحديات - ومنها كيفية التعامل مع الانترنت والمحمول.
ورغم أن عولمة الاقتصاد تحدث خللا كبيرا في التوازن المطلوب بين الدول الغنية والدول الفقيرة وتزيد من معاناة الدول الافريقية على وجه الخصوص في مرحلة لم تر بعد إيجابيات العولمة من تحسن الدخل وفرص عمل، إلا أن حكومات هذه الدول وفي مقدمتها موريتانيا تضع برامج التكيف مع العولمة ضمن قائمة أولوياتها.
وقد بدأت الحكومة الموريتانية وسط انتقادات واتهامات المعارضة، قبل حوالي عامين في تنفيذ برنامج طموح للخصخصة أسفر حتى الان عن تحقيق المزيد من الانفتاح على العالم بفضل التطور الكبير الذي طرأ على قطاع الاتصالات واستخدام شبكة الانترنت وشبكات الهاتف الخلوي.
لكن محاولات الحكومة لتطوير المجتمع الموريتاني الذي يغلب عليه الطابع البدوي كثيرا ما تصطدم بالتقاليد الجامدة التي مازالت تحكم العلاقات الاجتماعية وتشكل سدا منيعا في وجه كل ما هو دخيل.
والمشكلة التي تواجه الحكومة حاليا تتمثل في كيفية التوفيق بين التوسع في استخدام وسائل الاتصال الحديثة مثل الانترنت والهواتف الخلوية من ناحية والعادات والتقاليد السائدة في مجتمع إسلامي محافظ من ناحية أخرى.
وخطورة الانترنت والهاتف الخلوي كما يراها المتشددون في المجتمع الموريتاني تكمن بالاساس في "تحرر الشخص من قبضة أسرته وأهله وأقاربه وسهولة شقه عصا الطاعة".
ويقول أصحاب هذا الاتجاه بأن الانترنت أضحت في موريتانيا وسيلة للغزو الثقافي والاخلاقي والاجتماعي القادم من الغرب ويجب الحذر من التعامل معها والتحفظ إزاء الكثير من مواقعها.
وكذلك الحال بالنسبة للهاتف الخلوي الذي يرى منتقدوه في موريتانيا أنه "وسيلة خطيرة ذات حدين يمكنها إحداث تمرد أسري خصوصا في أوساط الفتيات اللاتي أصبح بمقدورهن إجراء مكالمات هاتفية تدعو "للريبة بعيدا عن رقابة اسرهن ".
ورغم ذلك يقول محمد جميل منصور أحد أبرز وجوه التيار الاسلامي الموريتاني والذي يوصف بأنه "معتدل" ويتولى رئاسة إحدى بلديات العاصمة أن " مواكبة موريتانيا لمتطلبات العصر أمر لا مناص منه والعزلة أخطر من سلبيات الهاتف المحمول والانترنت ".
وعلى الصعيد الرسمي نجد أن الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع أكد في عدة مناسبات أم موريتاني لا يمكنها "البقاء من الان فصاعدا على هامش التطور العلمي والتكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم".
وقال وزير المواصلات الموريتاني المرابط سيدي محمود ولد الشيخ أحمد أن بلاده تشهد" ثورة كبري في قطاع الاتصالات وفي معدلات استخدام الهاتف الخلوي بشكل خاص" مشيرا إلى أن ما تحقق يعد نقلة غير مسبوقة تجاوزت كل التوقعات.
وقال إن عدد المشتركين في الهاتف الخلوي بلغ حوالي 170 ألف مشترك مقابل توقعات متفائلة قدرت عددهم عند بدء هذه الخدمة في موريتانيا في تشرين الاول/أكتوبر 2000 بحوالي 11 ألف مشترك في نهاية.2001
وأوضح الوزير الموريتاني أن هذه النتائج تمثل ما نسبتة 1500 بالمائة.
وفي هذا الاتجاه وضعت الحكومة الموريتانية الاسبوع الماضي إستراتيجية لتطوير استخدام الانترنت والتقنيات الحديثة والاتصالات تغطى الفترة من 2002 وحتى 2006 وتستهدف بالاساس توسيع دائرة الاستفادة من خدمات الاتصالات مما يؤدي إلى زيادة مراكز خدمات الانترنت من 50 مركزا في العاصمة وحدها إلى أكثر من 500 في عموم مناطق البلاد.
وتنتقد أحزاب المعارضة كل يوم داخل قاعات البرلمان جميع برامج الاصلاح الاقتصادي وتطوير الاتصالات التي قامت بها حكومة الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع وتقول أن "الاصلاحات فرضت من الممولين الدوليين وهي مجرد إملاءات وشروط من صندوق النقد والبنك الدوليين وليست في مصلحة الشعب الموريتاني".
وتطالب في المقابل برفض شروط البنك الدولي "المجحفة" والتخلي عن برامج ترى أنها " زادت الموريتانيين فقرا وبطالة "ووضع برامج اجتماعية بديلة تعتمد على موارد وثروات البلاد الكثيرة التي لا ينقصها سوى حسن التسيير والتوجيه".
أما عن إدخال الانترنت والهاتف المحمول فلا تظهر المعارضة أي نقد يذكر لهاتين الاداتين نظرا لاستفادة جميع شرائح الشعب الموريتاني منهما، وفقا لاعتراف مسئوليها.
وإذا كان الهاتف المحمول قد دخل إلى البيوت الموريتانية كوسيلة ترفيه ومحاكاة للاخرين في البداية فإنه اليوم فرض نفسه كضرورة ملحة لا غنى عنها.
ولعل الملفت للانتباه في هذه المعادلة هو مشاهدة الموريتانيين ونسبة عالية منهم من النساء وصلوا لتوهم من البادية يقودون أحدث طراز من سيارات المرسيدس بمحاذاة ألسنة الرمال الزاحفة على العاصمة الموريتانية وهم ممسكين بهواتفهم الخلوية لاجراء مكالمات خارجية باللغة الفرنسية أو الاسبانية التي تغلب عليها اللكنة الموريتانية مع مورد في آسيا أو أوروبا لاستيراد بضاعة ما دخيلة على عادات المجتمع لكن فرضتها عولمة الاقتصاد.
ويبقي تساؤلان يطرحان نفسيهما بإلحاح:ترى ما حجم وطبيعة التحولات الاجتماعية التي ستنجم عن غزو وسائل الاتصال الحديثة، وهل يمكن لمجتمع موريتانيا أن يواجه متطلبات العولمة دون التخلي عن قيمه وعاداته.