بعد إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة: الساحة الفلسطينية بين متطلبات الإصلاح وحاجات التغيير

بقلم: ماجد كيالي

بعد انتظار وترقّب، طويلين، تم الإعلان عن تشكيلة الحكومة الفلسطينية الجديدة، التي تميّزت أولا بكونها مجرد حكومة انتقالية، لمدة ستة أشهر، وثانيا، بتقليص عددها إلى 21 وزيرا، وثالثا، بأنها ستقوم بمهمات إعادة إعمار ما دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية، وبالإشراف على تنظيم انتخابات بلدية وبرلمانية ورئاسية، بين أواخر هذا العام وأوائل العام القادم، ورابعا، بدخول وزراء جدد، من خارج بورصة الأسماء المعروفة، وبخاصة الوزيرين: سلام فياض للمالية، واللواء عبد الرزاق اليحيى للداخلية، وهي المرة الأولى التي يتخلى بها الرئيس عرفات عن هذا المنصب لغيره.
في ما عدا ذلك يمكن القول بأن هذا التغيير لم يلامس، بعد، الحاجات الفلسطينية، فالقضية بالنسبة للفلسطينيين ليست مجرد تغيير بالشكل وإنما هي قضية تغيير في النهج، وهي لا تتعلق بتغيير أشخاص، فقط، وإنما بطريقة العمل في الساحة الفلسطينية، وبكيفية صنع القرار فيها.
فمثلا، عانت الوزارة الفلسطينية السابقة الكثير من المشاكل، إذ بلغ عدد الوزراء فيها 31 وزيرا، وثمة وزراء بلا حقائب، وثمة ملفات سياسية، أو من طبيعة مختلفة، لها وزراء، مثل: القدس والمستوطنات وشؤون الأسرى، وأيضا، الشؤون البرلمانية والمنظمات الأهلية، وكلها تم إلغاؤها في التشكيلة الحالية.
ولكن المشكلة الأساسية للحكومة السابقة كانت تتمثل أولا، بمحدودية صلاحيات معظم الوزراء، لصالح موقع الرئاسة، وثانيا، كان ثمة تداخل في الصلاحيات بين الأجهزة وعمل الحكومة، خصوصا في المجالين الأمني والاقتصادي، وثالثا، فإن العديد من أقطاب الحكومة السابقة كان منخرطا في العملية التفاوضية على حساب عمله في الحكومة، ورابعا، افتقدت الحكومة، السابقة، لآلية واضحة للعمل إذ لم يكن ثمة اجتماع دوري خاص بها، وكانت الاجتماعات تعقد بحضور بعض أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعض قادة الأجهزة الأمنية، وغيرهم من المقربين أو المستشارين للرئيس ياسر عرفات، خامسا، عملت الحكومة السابقة في ظل غياب القانون الأساسي، وقانون استقلال القضاء، وفي ظل غياب أي شكل من أشكال الفصل بين السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
والمعنى أنه وبغض النظر عن ابتزاز الادعاءات الأميركية والإسرائيلية، التي تطالب بإعادة هيكلة السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوى الإصلاح، فإن الفلسطينيين معنيين بشكل جاد بإصلاح أحوالهم من مجمل النواحي، وانطلاقا من حاجاتهم هم، لأن ذلك يوفر عليهم الكثير من هدر الطاقات والإمكانيات، التي تضيع في غير محلها، كما أنه يمكنهم من تعزيز ثقتهم بأنفسهم ويصلّب وحدتهم الوطنية، ويعزز صمودهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
ومن الأصل، فإن مواجهة الادعاءات والابتزازات الأميركية، التي تستهدف تطويع الوضع الفلسطيني وإخضاعه للسيطرة، لا يمكن أن تتحقق بدون إدخال تغييرات جوهرية في الساحة الفلسطينية، في بناها ومؤسساتها في طريقة عملها وفي توجهاتها، إذ أن الثغرات الموجودة في الساحة الفلسطينية هي التي تتيح للطرفين الأميركي والإسرائيلي المجال للعبث في هذه الساحة واختراقها والتدخل في شؤونها.
وانطلاقا من هذه الحقيقة فإن الساحة الفلسطينية أحوج ما تكون إلى إجراء مراجعة لأوضاعها لبناها وآليات عملها ولخطابها السياسي، وخصوصا في المجالات التالية:
أولا، إعادة الاعتبار لدور المؤسسات فلا يمكن لعمل مهما كان نبيلا بقيمه أو عظيما بقدره أن يدوم بدون وجود مؤسسات، ومشكلة الساحة الفلسطينية أنها بالغت كثيرا بدور الأبوات على دور المؤسسات، وبدور التنظيمات على حساب المجتمع، والمعنى أن الشعب الفلسطيني سواء في مقاومته للاحتلال أو في بنائه لقطاعاته لاقتصادية والاجتماعية والخدمية، بحاجة إلى بني مؤسسية قائمة بذاتها وقادرة على الاستمرار والتطور، بغض النظر عن التحولات السياسية في الساحة الفلسطينية.
ثانيا، لامناص من إيجاد فصل بين السلطة، أي الحكومة، وبين منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الواقع الفلسطيني، المعقد والاستثنائي، لم يكن هكذا خلط لا في صالح السلطة ولا في صالح المنظمة. وقد بيّنت التجربة الماضية، أي تجربة المفاوضة والانتفاضة، بأن مهمات السلطة تختلف عن المنظمة، فالسلطة ما كان لها أن تكون قيادة للانتفاضة، وهي المعنية بتأمين الحاجات الأساسية للمجتمع الفلسطيني، وبحكم الالتزامات التي تربطها بالطرف الإسرائيلي، ومن جانب آخر، فإن المنظمة لم تستطع أن تتحول لتكون مجرد سلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة بحكم واقع استمرار الاحتلال، في هذه الأراضي، وبسبب من التزامها بتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني.
ولا شك بان وجود ياسر عرفات، في وقت واحد، بموقعي رئيس السلطة الوطنية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الفلسطينيتين، فضلا عن كونه زعيما لحركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية، هو الذي خلق إشكالية التداخل بين السلطة والمنظمة، وهو ما أدى إلى نتائج سلبية على السلطة والمنظمة، فلا المنظمة بقيت بصلاحياتها وبوضعها الاعتباري، ولا السلطة بقيت مجرد سلطة لبناء مؤسسات الدولة العتيدة، وهذا الوضع، كما بات معروفا، سهّل على إسرائيل استهداف الوضع الفلسطيني برمته، إذ أنها مثلا بحصارها لياسر عرفات في رام الله شلت الساحة الفلسطينية وهددت، من خلال استهدافها لشخصه، مجمل ركائز العمل الفلسطيني، أي السلطة والمنظمة وحركة فتح.
ثالثا، لا يمكن لقيادة العمل الفلسطيني أن تستمر في هذا الوضع من الحالة الهلامية والفردية والمزاجية، أي الحالة التي لا يوجد فيها مرجعيات قانونية ودستورية وسياسية، لأن هذا الوضع هو الذي ينتج الفوضى والفساد والعبث في الساحة الفلسطينية. فالقيادة التي لا يوجد مؤسسة فوقها(مجلس وطني أو مجلس تشريعي) والتي لا يوجد قانون أو دستور أو خط سياسي معين يحدد صلاحياتها وهوامشها، والتي لا يوجد قدر من الشفافية والمساءلة والمحاسبة لعملها، لا بد أن تخضع لتجاذبات شخصية ولاغراءات مادية ولضغوطات سياسية، وهي المجالات التي أتاحت تشكل شبكة من الفاسدين أو الطموحين أو المخترقين، ووجود مثل هذه النوعيات يقوض الثقة بالقيادة الفلسطينية وبقراراتها، ويضعف قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود، ويتيح المجال للابتزازات والتدخلات الخارجية، الكثيرة، في الظروف الفلسطينية.
رابعا، إن أي تغير ينبغي أن يرتكز على تكريس التعددية والديمقراطية في الساحة الفلسطينية، لأنها ضمان وحدة الصف السياسي وضمان وحدة المجتمع. وقد أكدت التجربة الماضية بأن الاستفراد بطريقة صنع القرار وتعزيز دور حفنة من المستشارين على حساب المؤسسات السياسية القيادية (مجلس وطني مجلس مركزي مجلس تشريعي) وعلى حساب القيادات الكفؤة والشخصيات الوطنية المجربة، يجعل الساحة الفلسطينية عرضة لتجاذبات سياسية متعددة ومضرة، أحيانا، في حين إن تعزيز دور المؤسسات القيادية وتعزيز الثقة بين القيادات الفلسطينية، من خلال الحوار المتبادل، والمشاركة بصنع القرار من شأنه توليد قدر أعلى من الثقة والتفهم لتعقيدات الوضع ولحساسية الظرف، لدى مختلف أطراف الطيف الفلسطيني، ولعل التوجه لتشكيل هيئة قيادية فلسطينية، منفصلة عن السلطة، تضم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقادة الفصائل والأحزاب الفلسطينية، هو خطوة مهمة على هذا الطريق.
خامسا، وأخيرا فإن التغير الفلسطيني المنشود لا بد أن يأخذ باعتباره الواقع الصعب والمعقد للساحة الفلسطينية وخصوصا لجهة الإشكالية الناجمة عن وجود كيان سياسي فلسطيني، هو في طور النشوء، وبين استمرار حركة التحرر الفلسطيني، بحكم استمرار الاحتلال وبالتالي ضرورة استمرار المقاومة بمختلف الأشكال لهذا الاحتلال، وهذا معادلة ينبغي احتسابها بدقة، حتى لا تتمكن إسرائيل من جهتها بوأد الكيان الفلسطيني، وحتى يتمكن الشعب الفلسطيني من الحفاظ على حقه في النضال لاستعادة حقوقه.
وباختصار الساحة الفلسطينية أحوج ما تكون لتغييرات جوهرية، نابعة من حاجاتها الداخلية هي، وهي التغييرات التي ينبغي التركيز عليها، لتعزيز صمود الفلسطينيين وتصليب وحدتهم والحفاظ على منجزاتهم، ومن ضمنها كيانهم السياسي الناشئ، واستمرار مقاومتهم لتحقيق أهدافهم الوطنية. ماجد كيالي - دمشق