في الاردن، سوق عكاظ يبعث حيا بعد توقف لاكثر من 1400 عام

عمان - من هاني دياب‏
حنين اللبنانية وفرقتها الكوبية ستحل محل الاعشى

لا تندهش اذا كنت في عمان خلال شهر تموز/يوليو المقبل ‏ ‏ووجدت نفسك في "سوق عكاظ" تتنسم عبير المآثر الثقافية والفكرية للعرب الذين ‏ ‏اقاموا هذه السوق لاول مرة عام 585 ميلادية.
فرغم انقضاء حوالي 1417 على توقف نبض الحياة في سوق عكاظ، الا انها لم تمت بل ‏ ‏سنراها تنبعث مجددا ولكن هذه المرة في العاصمة الاردنية بجهود رسمية وخاصة مجندة ‏ ‏للنهوض بهذه المهمة الثقافية.
لكن "سوق عكاظ 2002" لن يشهد شعراء مثل النابغة الذبياني او عنترة بن شداد او ‏ ‏امرؤ القيس او الخنساء وما تحمله هذه الاسماء ومثيلاتها من تألق ادبي وعبق تاريخي ‏ ‏بل نخبة من المبدعين والمبدعات العرب والاجانب الذين سيجسدون الانسجام الكامل بين ‏ ‏الاصالة والمعاصرة والمعنى الحقيقي "لحوار الثقافات".
وتقول مديرة مركز الشرق الاوسط الاردني للثقافة والتطوير ايمان هنداوي "يستمر هذا السوق الثقافي الدولي اسبوعا من ‏ ‏15 الى 21 تموز/يوليو المقبل بجهود مشتركة بين المركز ووزارتي السياحة والثقافة ‏ ‏الاردنيتين والمعهد الوطني للموسيقى وهيئة تنشيط السياحة وبدعم من عدة فنادق ‏ ‏ومطاعم وشركات وطنية".
وتوضح هنداوي ان اقامة سوق عكاظ 2002 "تأتي انسجاما مع اختيار عمان عاصمة ‏ ‏للثقافة العربية لهذا العام ليكون استعادة معاصرة لروح سوق عكاظ الثقافي" الذي ‏ ‏عرفه العرب قبل الاسلام وتحت شعار "حوار الثقافات".
وتتابع "ان فعاليات هذا السوق الثقافي الدولي ستنطلق من قمة «جبل القلعة» الذي ‏ ‏يمثل احد ابرز المعالم السياحية لمدينة عمان تحت عنوان «حوار الثقافات»" مضيفة "ان ‏ ‏ادارة مركز الشرق الاوسط الاردني للثقافة والتطوير قد اعدت برنامجا ثقافيا حافلا ‏ ‏لهذه الغاية".
وفي التفاصيل التي عرضتها منسقة فعاليات "عكاظ 2002" هدى سرحان عروض ‏ ‏فنية تتركز هذا العام على الفنون الادائية الراقية من موسيقى ورقص ومسرح والتي ‏ ‏ستقدمها نخبة من الفنانين والمبدعين العرب والاجانب من الجنسين في حوار موسيقى ‏ ‏وغنائي وادائي يعكس لغة عالمية واحدة هي "لغة الفن والابداع".
‏ وتتضمن الفعاليات الفنية امسية غنائية ثنائية يحييها المطرب العربي اللبناني ‏ ‏الكبير وديع الصافي والفنان الاندلسي الشاب خوسيه فيرنانديز يقدمان فيها مزيجا من ‏ ‏الموسيقى والغناء اللبناني المصحوب بموسيقى وغناء "الفلامنكو" الاسباني.
وسيقدم عازف العود العراقي نصير شما وفرقة "عيون" مجموعة معزوفات راقية ‏ ‏مدهشة ويتبعه الشيخ احمد جلمام ومجموعته الموسيقية من تونس الخضراء ليقدم "حزب ‏ ‏الطيف" وهو مزيج من الانشاد الصوفي والنفحات الروحانية التي تسمو بالنفوس وتطهرها ‏ ‏من ادران المادة وزيفها وتعيد المستمعين والمشاهدين الى روحانية التراث العربي ‏ ‏الاسلامي وعبقها.
ومن بين الفعاليات التي عددتها سرحان حوار غنائي خاص تؤديه الفنانة اللبنانية ‏ ‏حنين وفرقتها الكوبية يجمع بين موسيقى اميركا اللاتينية والغناء العربي في ‏ ‏استعادة جذابة وملفتة لاغنيات اسمهان وفريد الاطرش وسيد درويش وغيرهم من سلاطين ‏ ‏الطرب العربي الاصيل ترافقها ايقاعات متنوعة ونابضة من الوان موسيقى اميركا ‏ ‏اللاتينية من سالسا وتشاتشا وسون وبوليرو وكواخير التي تعزفها الفرقة الكوبية.
وللقارة السمراء "افريقيا" دورها في "سوق عكاظ 2002" حيث تعرض جمالياتها ‏ ‏الخاصة على يد مصممة الرقص السنغالية جيرمان اكوغني ضمن عرض راقص بعنوان "تشواري" ‏ ‏يبرز منتهى القوة والجمال واللغة التعبيرية لرقصة ذات جذور عميقة في افريقيا ‏ ‏مستندة الى نص شعري رائع للشاعر الفرنسي كزافييه اورفيل.
والـ" تشواري" هو البخور الطبيعي الذي تستخدمه نساء السنغال لتعطير منازلهن ‏ ‏وملابسهن لجذب الازواج واغوائهم.
ومن تونس يأتي عرض "شرارة" الذي يمزج بين الرقص المسرحي والخط العربي حيث يبدع ‏ ‏الخطاط الفنان نجا المهداوي خلفية المسرح المستوحاة من فنون الخط العربي بشكل ‏ ‏يمكن الفنانة لطيفة فقيري من اداء رقصاتها التعبيرية التي تدور حول الجسم البشري ‏ ‏ونقاء الكائن الانساني لتضفي على الحروف ليونة وانسيابا جذلا.
ويشارك في هذه الفعاليات من الجزائر ملك موسيقى "الراي" الشاب خالد الذي سيطرب ‏ ‏رواد سوق عكاظ باغنيات منوعة من البومه الاخير "كنزا" والالبومات السابقة وهي ‏ ‏الشمس وصحارى وغيرهما.
ولاضفاء نكهة خاصة على العرض الجزائري يداعب العازف الفلسطيني المرموق عالميا ‏ ‏سيمون شاهين اوتار العود والكمان لتنساب منهما الحان تسمو بقلوب ووجدان المستمعين ‏ ‏الى افاق رحبة لتحررهم من متاعب الحياة اليومية ورتابتها.
وسيقدم شاهين المقيم في الولايات المتحدة وفرقته "القنطرة" امسية ‏ ‏موسيقية تبهر المستمعين حيث يعزف متنقلا بين الموسيقى العربية القديمة وموسيقى ‏ ‏الجاز والاساليب الكلاسيكية من البوماته العديدة "سلطانة وتراث وتقاسيم وسيمون ‏ ‏شاهين موسيقى عبد الوهاب".
وخصصت فعاليات اليوم الاخير من سوق عكاظ 2002 والتي ستقام على المدرج الروماني ‏ ‏وهو معلم آثاري عريق في العاصمة الاردنية للمطرب الاردني طارق الناصر وفرقة "رم" ‏ ‏التي ستقدم مجموعة اغنيات فلكلورية اردنية وشامية وفراتية.
ويعتبر الناصر رياديا في انشاء الحركة الجديدة في المسرحية التلفزيونية ‏ ‏الموسيقية العربية الحديثة في الاردن ومن اعماله المقطوعات الموسيقية لمسلسلات ‏ ‏الدراما العربية مثل "الجوارح ونهاية رجل شجاع".
ويروي التاريخ ان العرب افتتحوا سوق عكاظ يوم 21 ايار/مايو عام 585 ميلادية اي بعد ‏ ‏15 عاما من عام الفيل ليكون اشهر اسواق العرب القديمة التي اشتهرت بتنافس الشعراء ‏ في اروقتها حيث "يتعاكظون" اي يتفاخرون ويتناشدون الاشعار وقد اكسبها قربها من ‏ ‏مكة المكرمة وشعائر الحج حرمة وشهرة متميزة ولذلك كانت تسمى "السوق الكبرى".
وكان السوق يبدأ من منتصف شهر ذي القعدة ويستمر الى نهايته وبعد ذلك يسير ‏ ‏الناس الى مكة التي تقع على مسيرة ثلاث ليال من واد النخل حيث موقع السوق فيقفون ‏ ‏بعرفات ويقضون مناسك الحج ليعودوا الى مواطنهم.
وشكل سوق عكاظ اول مجمع ادبي ولغوي رسمي وكان فيه محكمون يعرض عليهم الشعراء ‏ ‏قصائدهم وكان من اشهر رواده النابغة الذبياني والاعشى وحسان بن ثابت قس بن ساعدة ‏ ‏والخنساء وكان رسول الله (ص) يقصد سوق عكاظ حيث يدعو الحاضرين فيه الى الاسلام.
واستمرت شهرة سوق عكاظ الثقافي والتجاري في العصر الاسلامي لينتهي بها الامر ‏ ‏الى التوقف سنة 129 للهجرة الموافقة لسنة 746 ميلادية بعد حياة حافلة بالعطاء ‏ ‏العربي المتنوع ثقافة وفكرا استمرت 160 عاما.(كونا)