تحذيرات من الفقر المائي العربي

كتاب جديد يلفت انظار العرب لمخاطر وضعهم المائي

ابو ظبي - أصدر مركز للتنسيق والمتابعة دراسة تحليلية و شاملة بعنوان "المياه وصراع الوجود في الوطن العربي" تم فيها الوقوف عند الأزمة المائية في الوطن بأبعادها المختلفة.
و تأتي أهمية هذه الدراسة في سياق حرص المركز على ايلاء قضية المياه الأهمية القصوى من منطلق رؤية بصيرة تدرك أن الصراع على المياه هو السمة التي تميز هذا العقد، ناهيك عن خصوصية قضية المياه في الوطن العربي الذي يعد من اكثر مناطق الأرض تصحرا وأشدها ندرة للمياه بالإضافة إلى وجوده في منطقة تحاصرها أطماع شتى بهدف السيطرة على هذه المادة بغية التحكم في حياة الإنسان و أمنه.
وتبين هذه الدراسة التي تستند إلى بيانات و جداول أن مشكلة النقص في الموارد المائية أخذت في الازدياد بسبب نوبات الجفاف التي أصبحت من الظواهر المألوفة في الوطن العربي، حيث صارت حصة الوطن العربي من الموارد المائية العذبة المتجددة لا تشكل سوى ما نسبته 0.5 من الموارد المائية العذبة المتجددة في العالم، الأمر الذي انعكس سلبا على متوسط نصيب الفرد العربي والذي أضحى من أقل المعدلات في العالم إذ انخفض من 3126 متر مكعب عام 1950 إلى 981 متر مكعب عام 2000.
وتضيف الدراسة بانه على الرغم من أن الدول العربية بدأت تتحسس خطورة أزمة المياه، وأخذت تتعامل معها سياسيا على الصعيد القومي منذ أكثر من ثلاثة عقود، إذ كانت هذه الأزمة وراء عقد أول مؤتمر قمة عربية في القاهرة عام 1964 لمواجهة مشاريع إسرائيل لتحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب، فإن أزمة المياه لم تأخذ نصيبها من الاهتمام على الصعيد الاستراتيجي العربي، إذ لا توجد استراتيجية عربية موحدة تتعامل مع هذه الأزمة المتفاقمة لوضع حلول عملية و علمية للمشكلات الداخلية أو التحديات الخارجية للموارد المائية العربية.
وتشير إلى ان الوطن العربي دخل الألفية الثالثة بمجموع سكان يصل 290 مليون نسمة، يعيش أغلبهم تحت خط الفقر المائي والذي تقدره الأمم المتحدة بنحو 1000 متر مكعب بالنسبة للفرد سنويا.
و تشتمل الدراسة على أربعة فصول، إذ تناولت في الفصل الأول الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي، و التي يمكن تقسيمها إلى موارد مائية تقليدية وأخرى غير تقليدية، و تتمثل الموارد التقليدية في الأمطار و المياه السطحية من انهار وأودية و مياه جوفية، بينما تضم الموارد المائية غير التقليدية تحلية المياه أو ما يعرف بإعذاب المياه المالحة و تنقية مياه الصرف، إضافةً إلى الاستمطار.
و يهتم الفصل الثاني من هذه الدراسة بعرض الاستثمار الحالي للموارد المائية في الوطن العربي، أي الاستخدامات المختلفة للمياه والتي تتنوع بين الري حيث تشير إلى تفاوت نصيب الهكتار من الأراضي المروية في الوطن العربي و ذلك تبعا لتنوع الأقاليم و التربة و المحاصيل وطرق الري، أما الاستخدام الثاني فيتمثل في الاستعمال المنزلي و الذي تبلغ نسبته نحو 12450 مليون متر مكعب في السنة، وهي النسبة التي تتفاوت بين دولة عربية وأخرى إذ يصل أعلى معدل في قطر تليها البحرين و الكويت فدولة الإمارات العربية المتحدة، فيما تقل النسبة في الصومال واليمن، بينما يتعلق الاستخدام الثالث بالقطاع الصناعي الذي تبقى نسبة استخدامه للمياه ضئيلة جدا بالمقارنة مع ما يتم استهلاكه في هذا لقطاع على الصعيد العالمي.
و تشير الدراسة في الفصل ذاته إلى أن الموارد المائية العربية التقليدية هي موارد ثابتة لا تتجاوز 264 مليون متر مكعب و ان الموارد المائية القابلة للاستثمار هي أقل من ذلك.
وتضيف أن الاحتياجات المائية في الوطن العربي ستشهد ازديادا بسبب ارتفاع معدلات النمو السكاني بالإضافة إلى تطور الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية، حيث ستصل عام 2025 إلى 499 مليون متر مكعب في السنة في ضوء التقديرات المحافظة و 568 مليون متر مكعب في حالة استمرار معدلات النمو السكاني بمعدلاتها الحالية، و أن العجز المائي سيتجاوز في عام 2025 مليون متر مكعب.
و تتطرق الدراسة في الفصل الثالث إلى الأطماع الأجنبية بدءا بالأطماع الإسرائيلية التي برزت منذ قيام دولة إسرائيل وشكلت أهمية استثنائية في الفكر الاستراتيجي الصهيوني، و شملت هذه الأطماع مياه نهر الأردن و نهر اليرموك و الضفة الغربية وقطاع غزة و المياه اللبنانية ناهيك عن مياه النيل.
كما تتناول أطماع كل من تركيا عبر عرض الخلافات المائية القائمة بشأن اقتسام مياه نهر دجلة و الفرات والمشاريع التركية، و أطماع إيران وكذا الأطماع الأجنبية في مياه نهر النيل و نهر السنغال.
وتركز الدراسة في الفصل الرابع و الأخير على المشاكل التي تحول دون تحقيق الأمن المائي العربي منها محدودية الموارد المائية و تلوث المياه وانخفاض كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي و الهدر و الفاقد، مقترحة جملة من السياسات الواجب اتخاذها داخليا و إقليميا.
وتخلص إلى التأكيد على أن لأزمة المياه في الوطن العربي أبعادا اقتصاديةً وسياسيةً و قانونيةً، و هي الأزمة التي قد تتحول إلى صراع، مما يقتضي التوصل إلى اتفاقيات جامعة تنظم استغلال مياه الأنهار الدولية التي تشترك في أحواضها و تطوير موقف قانوني عربي موحد حيال مطالبة إسرائيل بحصة من مياه الليطاني و النيل أو محاولات تركيا التحكم في توزيع مياه نهري دجلة والفرات، باعتبار أن تلك المياه عابرة للحدود و ليست مياها دولية.
وتضيف أن تحقيق الأمن المائي العربي ممكن طالما وضعت الخطط المناسبة والبدائل القابلة للتنفيذ من خلال الاستغلال الأمثل لكل الموارد المتاحة و الممكنة في إطار قانوني سليم، مع اتخاذ كافة التدابير للحفاظ على هذا المورد الحيوي ومواجهة التحديات التي قد تجابهه.
ويعد هذا الإصدار إضافة جديدة لدراسات متعددة سلطت الضوء على مسألة المياه و أبعادها منها دراسة "المياه في الشرق الأوسط: الواقع و التحديات" ودراسة "المياه في الخليج" و دراسة "مصادر المياه في سوريا: الواقع والتطلعات".
كما كان للندوة التي نظمها المركز تحت عنوان "مؤتمر المياه في الشرق الأوسط: التحديات والآفاق" في 14-15 أبريل أصداء كبيرة لما دار فيها من بحوث قيمة و ما أسفرت عنه من توصيات عملية وجادة من اجل رفع التحديات التي يواجهها الوطن العربي جراء النقص المتزايد في هذه المادة الحيوية.