الاقتصاد التونسي ينجح في تجاوز ازمة الكساد العالمي

تونس تقدم منتجا سياحيا فريدا

تونس - شهد الاقتصاد العالمي خلال العام الماضي تقلبات كبرى ازدادت حدتها اثر احداث 11 سبتمبر، حيث تراجع نمو الاقتصاد العالمي من 4.7 بالمائة سنة 2000 الى 2.4 بالمائة سنة 2001 نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي في اهم الاقطاب الصناعية وركود التجارة العالمية بعد ان كانت قد ازدادت بـ 13 بالمائة سنة 2000.
وكان من نتائج هذا الوضع ان تدهور الوضع الاقتصادي العالمي بشكل عام، وتراجعت مؤشرات البورصات المالية الى ادنى مستوياتها في سنة 2001 خلال الاسبوع الثالث من شهر سبتمبر. كما شملت هذه الازمة اسواق رؤوس الاموال العالمية التي شهدت تقلصا كبيرا في سيولتها وتوسعا هاما في هوامش المخاطرة خاصة بالنسبة الى العديد من الدول الصاعدة التي واجهت صعوبات مالية حادة مثل الارجنتين وتركيا. وكان من الطبيعي في هذه الظروف ان تتراجع تدفقات الاستثمارات الاجنبية بشكل ملحوظ، اذ انخفضت بنسبة 40 بالمائة مقابل زيادة بنسبة 18 بالمائة في عام2000، وهو اول انخفاض يسجل منذ عشر سنوات.
وعلى الرغم من هذا التراجع الاقتصادي تمكنت تونس، رغم محدودية مواردها الطبيعية، من احتواء الانعكاسات السلبية لاحداث 11 سبتمبر وازمة الكساد العالمي. فقد استطاع الاقتصاد التونسي تحقيق نسبة نمو في الناتج المحلي الاجمالي بلغت 5.2%، وهي نسبة نمو مرتفعة في وقت تراجعت فيه مؤشرات التنمية في العديد من دول المنطقة.
ويرجع الفضل في ذلك الى الاجراءات التي اتخذتها الحكومة التونسية لمواجهة الوضع. ولم تكن هذه الاجراءات مجرد اجراءات وقتية، بل كانت خطة مدروسة للحفاظ على كفاءة اداء الاقتصاد التونسي.
فقد قرر الرئيس زين العابدين بن علي مضاعفة الاموال المرصودة للاعلان عن المنتج السياحي وتسويقه، وتكثيف رحلات النقل الجوي مع شركاء تونس في صناعة السياحة، وتشجيع السياحة الداخلية الى جانب زيادة فرص العمل بتخصيص موارد مالية اضافية لتنفيذ البرامج والمشاريع التنموية. واسفر ذلك عن استمرار نمو الاقتصاد التونسي بهذا المعدل المرتفع.
وتؤكد الدوائر الاقتصادية ان موقع تونس، على عكس العديد من البلدان في المنطقة، قد تدعم في سنة 2001 في اسواق رؤوس الاموال، اذ ثبتت ثلاث وكالات عالمية التقييم السيادي لتونس في حين حسنته وكالة "فيتش". علما بان هذه الوكالات خفضت تقييمها لبعض بلدان الاقتصاديات الصاعدة.
وبقيت الاسواق المالية العالمية مفتوحة على اصدارات المالية التونسية وذلك بالرجوع الى الطلبات الواردة من المستثمرين، خاصة مع استقرار شروط التمويل بالسوق التونسي.
ويبرز هذا الاحتواء للانعكاسات السلبية للاحداث الاقليمية والدولية نجاح السياسات التنموية التونسية والثقة التي تحظى بها لدى المستثمرين الاجانب الذين بلغ عدد مؤسساتهم 2100 مؤسسة. كذلك تعكس ثقة المؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد التونسي. مواصلة الاصلاحات الهيكلية ولتعزيز أداء اقتصادها تعمل تونس على مواصلة الاصلاحات الهيكلية على ثلاثة محاور اساسية وهي: اولا، دعم الجهاز المصرفي وتحسين قدراته التنافسية وذلك بتقوية اسسه المالية وعصرنة خدماته. وثانيا، مواصلة الاصلاحات اللازمة لتحقيق مزيد التحكم في التوازنات الداخلية والخارجية. وثالثا، المحافظة على استمرارية النمو الاقتصادي وتطور الاستثمار لخلق المزيد من فرص العمل وتقليص نسبة البطالة.
وبخصوص الاستراتيجية المتبعة في مجال الدين الخارجي ترى الدوائر الاقتصادية ان مستوى التطور الذي بلغه الاقتصاد التونسي في بداية التسعينات لم يعد يسمح بالحصول على موارد ميسرة في اطار التعاون المالي الثنائي او متعدد الاطراف لتغطية كل حاجيات البلاد. وقد دفع هذا الوضع الى البحث عن موارد تمويل جديدة لمواصلة مجهود التنمية وخاصة في الاسواق الدولية لرؤوس الاموال.
وبالفعل فقد تدعم حضور تونس في هذه الاسواق، حيث دخلت السوقين الامريكية والاوروبية بعد ان ركزت موقعها في السوق اليابانية وذلك بتعبئة الموارد الخارجية اللازمة. خفض الديون الخارجية امكن لتونس بفضل استراتيجية الاستدانة الخارجية، التي تتمحور حول اهداف واضحة كتنويع موارد التمويل حسب المقرضين والعملة والاجل ونسبة الفائدة، أمكن لها تخفيض الدين الخارجي خلال السنوات الاخيرة الى مستوى يقارب 50 بالمائة من اجمالي الناتج المحلي مقابل ما يزيد عن 60 بالمائة في بداية الثمانينات، فيما تراجعت خدمة الدين بدورها من نسبة 27 بالمائة من الناتج المحلي الى اقل من 15 بالمائة.
ومما يعزز رهانات المرحلة القادمة توجهات الخطة الانمائية العاشرة 2001 ـ 2002 والتي تهدف الى تقليص هذه المؤشرات الى مستويات تقل عن 42 بالمائة بالنسبة الى الدين الخارجي و13 بالمائة بالنسبة الى خدمة الدين.
واذا اعتمدنا منهج التحليل المقارن تبدو مؤشرات الدين الخارجي التونسي مقبولة بالمقارنة مع بعض البلدان الصاعدة، حيث فاقت نسبة الدين الخارجي للبلدان الآسيوية النامية، باستثناء الصين والهند، والبلدان الافريقية 65 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي في الفترة 1995ـ2001 مقابل نحو 52 بالمائة بالنسبة في تونس. كما تجاوزت خدمة الدين للفترة ذاتها في هذه البلدان 20 بالمائة من الايرادات الجارية مقابل 16.5 بالمائة في تونس.
بالاضافة الى ذلك تمكنت تونس من الوفاء بتعهداتها الخارجية ولم تلجأ الى اعادة جدولة ديونها وهو ما ينعكس في التحسن المنتظم لشروط استدانة الدولة. وتؤكد هذه المعطيات ان ديون تونس تبقى في حدود مقبولة وهو ما يتيح لها مرونة في تعاملها مع الاسواق الدولية لرؤوس الاموال بحيث تستطيع انتقاء افضل فرص التمويل المتاحة.
وبخصوص برنامج اصلاح القطاع المصرفي الذي انطلق منذ سنة 1992، تؤكد الدوائر الاقتصادية ان هذا الاصلاح ينبع من تصور شامل املته الرهانات الوطنية ومقتضيات العولمة، ويعتمد على قراءة عميقة لواقع هذا القطاع في ظل محيط تسوده ضوابط التصرف الحذر والسلامة المالية والشفافية والجودة الائتمانية.
وتؤكد نفس الدوائر انه كان لابد في مرحلة اولى من تدعيم الاموال الذاتية للبنوك وتكوين المدخرات اللازمة لتغطية المخاطر وتحسين ادارة محفظة القروض من حيث نوعيتها وتوزيعها وتمركزها.
وتمكنت البنوك من بلوغ الاهداف المرسومة من حيث تدعيم اسسها المالية واحترام قواعد التصرف الحذر اذ استطاعت خلال الفترة 1993ـ2001 مضاعفة اموالها الذاتية وذلك بفضل جهود المساهمين في رؤوس اموال البنوك وتحسين نسبة تغطية المخاطر بالمدخرات التي تضاعفت بدورها وهو ما اتاح تدعيم الاسس المالية للبنوك لتبلغ ما يزيد عن 13 بالمائة لنسبة كفاية رأس المال مقابل نسبة ترتيبية ودولية بـ 8 بالمائة.
وساهمت هذه الاصلاحات في زيادة قدرة الجهاز المصرفي على مواصلة القيام بدوره في تعبئة الادخار وتمويل الاقتصاد وتاهيله لمجابهة المنافسة الاجنبية.