الشباب الروسي يلجأ الى الرشاوي للهروب من التجنيد

موسكو - من شتيفان فوس
الخدمة العسكرية في الشيشان تمثل كابوسا للشباب الروسي

عندما وصل خطاب الاستدعاء لابنها من المجلس المحلي للخدمة العسكرية في موسكو، انتاب الخوف سيدة الاعمال جالينا.
فالخدمة العسكرية في روسيا قد تعني عامين من العنف في الثكنات، واستغلالا وأذى من جانب الجنود أصحاب الرتب الاعلى، وجوعا، وفي أسوأ الاحوال إرسال المجند إلى الشيشان.
وفي إشارة لابنها الذي بلغ لتوه الثمانية عشر عاما قالت جالينا "إنني أخاف على حياة قنسطنطين". ولهذا فقد فعلت مثل مئات الالاف من الاباء والامهات في روسيا، وقامت برشوة أحد موظفي الجيش لدفع الاذى عن ابنها وتجنيبه السوء.
فعندما خاض قنسطنطين اختبارات اللياقة البدنية تم تصنيفه لائقا للقوات المظلية، وهو ما يعنى أنه من تلك الفئة من الجنود التي يحتاجها الجيش في الشيشان. غير أن شخصا ما من معارف جالينا في وزارة الدفاع وعد بمساعدتها مقابل ألف دولار لتأمين أن يتم توزيع قنسطنطين في وحدة متمركزة في موسكو. وقامت جالينا بدفع المبلغ.
ووفقا لما تقوله مجلة "كومرسانت دينجى" الاقتصادية فإنه يتم دفع ما بين 600 و800 مليون دولار سنويا كرشاوى لمساعدة الشباب على التملص من الخدمة العسكرية بإعلانهم غير لائقين أو وضعهم في أخر صفوف المطلوبين للخدمة أو توزيعهم في وحدات متمركزة في أماكن أقرب داخل روسيا.
وتشكل هذه الاموال، التي تدس في جيوب الضباط وموظفي الجيش والاطباء، نسبة 10 بالمائة تقريبا من إجمالي ميزانية الدفاع الروسية، وتكفي وحدها لتمويل جيش محترف جميعه من المتطوعين، وهو ما يرغب الرئيس فلاديمير بوتين فيه.
وبرغم مرور ثلاث سنوات على بوتين في منصبه إلا أن أموال الرشاوى مازالت هي زيت الوقود الذي يحرك ماكينة الدولة في روسيا. وكما بالنسبة للقضاة وموظفي الجمارك وأساتذة الجامعات فإن لمسئولي الجيش أيضا قائمة أسعار غير معلنة للخدمات التي يقدمونها.
ويقول ميخائيل سيميونوف رئيس جامعة العلوم الانسانية في سان بطرسبرج والذي يساعد المجندين في الحصول على حقوقهم القانونية "في المكتب المحلي للخدمة العسكرية يطلب مدير المكتب 1.000 دولار. ومقابل 3.000 دولار يتولى مدير الوكالة شخصيا تصريف ورعاية أي أمر".
ووفقا لحسابات سيميونوف فإن نسبة 80 بالمائة تقريبا من المطلوبين للخدمة العسكرية في المدن الكبرى، ممن تجاوزوا الثمانية عشر عاما ولم يتم تجنيدهم بعد، قد دفعوا بالفعل لتأجيل تجنيدهم.
كما أن هناك كذلك الشركات المشبوهة التي تعرض خدماتها على الانترنت. ويقول أحد العروض النمطية لهذه الشركات "لا تقلق مرة أخرى مطلقا بأمر الخدمة العسكرية". ويطالب هؤلاء الوسطاء أو السماسرة بعمولات تصل إلى نسبة 20 بالمائة.
ويضمن الدستور الروسي حق الشباب في خدمة مدنية بديلة، إلا أنه من المستحيل تقريبا تأهل شاب لذلك. غير أن هناك آلاف الاساليب والطرق الاخرى لتفادي أداء الخدمة العسكرية.
وقد صاغ كيريل شليابنيكوف أحد هذه الاساليب على الانترنت قائلا "إن خبرتي كطبيب تؤهلني للقول بأنه لا يوجد شخص سليم تماما صحيا". وأشار إلى أنه إذا ما تم الفحص لوقت أطول فإن بإمكانك أن تجد علة ما في أي شخص.
كما يوجد أيضا الدجالون الذين يعرضون "الاصابة غير المحفوفة بالمخاطر" بمرض من الامراض المنقولة جنسيا. ومثل هذه الامراض من السهل شفاؤها إلا أنها تمنح المطلوب للخدمة العسكرية تأجيلا لمدة عام على الاقل.
وبعد ذلك، فإن التسجيل كشاذ جنسيا بصورة موثقة يعتبر في حد ذاته سببا لاعتبار الشخص غير لائق للخدمة العسكرية.
وهؤلاء الذين يخجلون من اتخاذ هذه الخطوة، بإمكانهم الذهاب إلى مكتب السجل المدني، حيث يمكن شراء وثيقة تشهد أن الوالدين مطلقان. ومثل هذه الوثيقة تجنب صاحبها الاستدعاء للخدمة العسكرية، شريطة أن تقر الوثيقة أن أحد الوالدين على الاقل يعاني من عجز مقعد.
ومن بين هؤلاء الذين يمكن أن يتوقعوا أيضا تأجيل خدمتهم العسكرية، المدرسون في القرى والاطباء في المناطق الريفية. ومقابل 400 دولار يمكن للرجال الذين يعيشون في المدن الكبرى الحصول على شهادة تقر بأنهم ينتمون إلى أي من هاتين الفئتين.
وللمخاوف من الخدمة العسكرية ما يبررها فعلا، وهو ما يفسر هذه الاعمال المشبوهة في محاولة تجنب هذه الخدمة بأي ثمن.
ويعتبر الانتهاك من جانب الجنود الكبار لصغار المجندين أمرا مرعبا، حيث لا يكاد يمر أسبوع دون توارد أنباء من ثكنة عسكرية ما في مكان ما بالاتحاد الروسي عن أخذ أحد الجنود بندقية كلاشنيكوف لقتل معذبه ثم قتل نفسه بعد ذلك.
أما بالنسبة لهؤلاء الذين يذهبون رغم كل شئ إلى الجيش فيمكن ببساطة تقسيمهم إلى مجموعتين: إما أنهم من الوطنيين الذين مازالوا يصدقون كلمات بوتين بأن الجيش هو "صفوة المجتمع". أو أنهم، وهؤلاء هم الاغلبية، عجزوا عن إيجاد أموال الرشوة التي تعفيهم من الخدمة العسكرية.