الأخضر السعودي: وقفة مع الذات بعد الفشل بالمونديال

طوكيو - من ميشال الحاج
ذكرى على السعوديين أن يحاولوا ازالة آثارها بأسرع ما يمكن

لم يكن بالامكان افضل مما كان، انها العبارة التي يمكن فيها وصف ما قدمه المنتخب السعودي لكرة القدم في نهائيات كأس العالم 2002 في كوريا الجنوبية واليابان التي لقي فيها ثلاث هزائم متتالية وكان اول المودعين من الدور الاول.
فالمنتخب السعودي الذي اتى الى اليابان حاملا معه امال السعوديين خصوصا وعرب اسيا بشكل عام بطموح تحقيق نتيجة مشرفة كالتي نجح في تحقيقها في مشاركته الاولى في النهائيات عام 1994 ببلوغه الدور الثاني، سيعود ادراجه الى الرياض بخفي حنين حاملا معه ذكرى اليمة، من دون اي نقطة واي هدف، وفي جعبة حارسه محمد الدعيع 12 هدفا، اي بنسبة 4 اهداف في المباراة الواحدة.
وقد تكون عبارات، قدمنا عرضا جيدا امام الكاميرون وجمهورية ايرلندا ولم نوفق في التسجيل، او ارتكبنا بعض الاخطاء التي كلفتنا الخسارة وحصلنا على فرص عدة من دون ان ننجح في ترجمتها وما شابه ذلك، من باب المسكنات التي لا تقنع الجمهور السعودي، ولا حتى الرأي العام العالمي، لان من شاهد عدد الصحافيين الذي يحتشد لمتابعة المباريات يكون فكرة بسيطة جدا ان الاعلام العالمي باسره مهتم بتفاصيل جميع المنتخبات الصغيرة الكبيرة لان البطولة ليست عادية وهي اكبر محفل كروي في العالم.
والمنتخب السعودي يجيد خلق الفرص وتنظيم الهجمات وتشكيل الخطر على المنتخبات التي يواجهها، واظهر ذلك في مبارياته الودية حيث خسر بصعوبة امام البرازيل والدنمارك صفر-1، ثم فاز على الاوروغواي والسنغال 3-2، ولعب جيدا امام الكاميرون وجمهورية ايرلندا في المونديال رغم خسارته، لكن الحقيقة المرة هي انه اظهر ضعفا خطيرا في بعض النواحي التكتيكية والبدنية التي لا تتواكب مع المنافسة في بطولات كأس العالم حيث لا مجال للضعيف فيها لانه لن يرحم.
وهذا الواقع الاليم كرسته على حقيقته مباراة السعودية الاولى امام المانيا، فرغم تصريحات المدرب ناصر الجوهر وبعض اللاعبين "لا نخاف المانيا بطلة العالم ثلاث مرات وسنحاول تحقيق نتيجة ايجابية امامها لاننا سبق ان لعبنا امام منتخبات قوية وشكلنا خطرا عليها"، فان النتيجة جاءت كارثية بثمانية اهداف نظيفة هزت شباك الدعيع واربكت المدافعين ولاعبي الوسط فتاهوا تماما وكأن المباراة بين ملاكم من الوزن الثقيل واخر من وزن الريشة.
ونجحت التجربة الالمانية تماما، لا بل كانت الاكثر نجاحا، فحتى اساتذتها القدامى الذين صنعوا امجادها امثال فرانتس بيكنباور وغيرد ميلر ولوتار ماتيوس وغيرهم لم ينجحوا في تجارب مماثلة لانها كانت النتيجة الاعلى لهم تاريخ مشاركتهم في كأس العالم، وجاءت على حساب ممثل القارة الاسيوية لتؤكد فارق المستوى الشاسع الذي ما يزال يفصل الكرة الاسيوية عن نظيرتها الاوروبية.
واللافت ان الاخطاء توالت امام المانيا، وكأن المنتخب السعودي لم يتدرب ابدا على كيفية صد الهجمات السريعة او التمريرات العرضية وخصوصا الكرات العالية امام المرمى، فكان كالحمل الوديع وسهل كثيرا مهمة منافسه، وحتى ان عرين "الاخضر" الذي يحرسه محمد الدعيع والذي كان مصدر ثقة لزملائه دائما، شكل الطامة الكبرى لانه ارتكب اخطاء قاتلة.
ورفض الجوهر هذا الامر رفضا قاطعا بقوله "ان ما قيل عن هذا الموضوع غير صحيح، فنحن لعبنا بتكتيك تدرب عليه اللاعبون كثيرا وطبقناه في العديد من المباريات التحضيرية لكن امام المانيا حدث شيء غير طبيعي داخل الملعب ادى الى النتيجة الكبيرة رغم توجيهاتي المتكررة للاعبين والتعديل الذي احدثته في خط الوسط".
وامل المدرب واللاعبون بكشف الوجه الحقيقي للمنتخب امام الكاميرون وكان لسان حالهم يقول "ليس هذا هو مستوى المنتخب السعودي"، فجاء الاختبار الثاني ووضعت الجماهير السعودية ايديها على قلوبها خوفا من خسارة ثقيلة ثانية امام ابطال افريقيا، لكن التغييرات التي اجراها الجوهر على التشكيلة اثمرت تحسنا في نوعية الاداء، وكان للمحات الفردية من نواف التمياط وعبدالله الواكد بعض الاثر في نفوسهم، لكن من خطأ دفاعي في المراقبة اثر كرة طويلة تلقت شباك الدعيع هدفا اخر ادى الى خسارة ثانية من دون ان ينجح لاعبو الاخضر في هز الشباك بدورهم.
وخرج المنتخب السعودي من الدور الاول، وكان اول المودعين، فتحول الهدف من تحقيق انجاز جديد الى تحصيل الشرف في المباراة الثالثة ضد جمهورية ايرلندا، لكنها كشفت ايضا عن نقص شديد في الناحيتين الدفاعية والبدنية، لان كرة القدم الحديثة ليست فقط بناء بعض الهجمات وتشكيل خطورة على مرمى الخصم، بل انها دفاع منظم ورقابة لصيقة وفرض السيطرة على منطقة الوسط والاستفادة من الفرص للتسجيل وكل هذا لم يحصل امام ايرلندا.
ووقع السعوديون امام الايرلنديين في الفخ الالماني مجددا، وبانت نقاط ضعفهم في الكرات العالية والعرضية فتلقوا منها هدفين ورحمت رعونة المهاجمين المرمى السعودي بعدم تسجيل اهداف اخرى قبل ان يأتي الثالث اثر خطأ فادح من حارس كان يوما ما افضل حارس في القارة الاسيوية. كما استمر العقم الهجومي للمباراة الثالثة على التوالي.
واذا كان الجوهر اعتبر "اننا نتعلم الدورس في كأس العالم"، وان "مستوى كرة القدم تطور كثيرا بين 1994 و2002"، فان الاتحاد السعودي امام استحقاق مهم الان وهو العمل ليس فقط على توفير المعسكرات والمباريات الودية للمنتخب، بل التركيز على رفع مستوى اللاعب السعودي فنيا وبدنيا اذا ما اراد ان يدخل منتخبه منافسا كغيره من المنتخبات في البطولات العالمية.
وقد يكون وجود الجوهر، الذي انقذ المنتخب في محطتين مهمتين، في كاس اسيا وتصفيات كأس العالم، ضروريا في الجهاز الفني للمنتخب لانه ملم بكل شاردة وواردة عن المنتخب واللاعبين السعوديين، والمهم انه لا بد من افكار جديدة تطور نوعية اداء اللاعب السعودي لمواكبة الركب العالمي، وهو حسب ما قال "ساستمر مع المنتخب حتى ولو لم اكن مدربا لانني ساكون مع الجهاز الفني".
وعلى الجميع اخذ العبر من الدرس السعودي، فانجاز التأهل الى نهائيات كأس العالم من خلال مواجهة منتخبات ضعيفة في بعض الاحيان على الصعيد القاري، قد تكون كابوسا امام المنتخبات العالمية، والفرحة العارمة بالصعود قد لا تعوض مرارة العودة لان التاريخ لا يرحم.