بانتظار الخطة الأميركية الجديدة للتسوية، هل تحسم إدارة بوش أمرها؟

بقلم: ماجد كيالي

أخيرا، يبدو أن الإدارة الأميركية باتت مقتنعة بالتدخل للمساهمة بإيجاد حل لقضايا الصراع العربي - الإسرائيلي، وعلى وجه الخصوص منها القضية الفلسطينية.
فبعد الحديث العمومي للرئيس بوش عن رؤية له للحل تتضمن قيام دولة فلسطينية، وترجمة ذلك سياسيا باستصدار القرار 1397، من مجلس الامن الدولي، الذي نص على قيام دولة لفلسطينيين، هاهي واشنطن تتجه نحو الإعلان عن خطة خاصة بها لتسوية الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وبغض النظر عن مضمون الخطة المتوقعة فإنه ثمة عوامل عديدة دفعت الإدارة الأميركية للتخلص من ترددها، الذي طال، والتقدم خطوات إلى الأمام، من أهمها:
* الانسداد السياسي الحاصل في المنطقة، ففي ظل إدارة شارون ونزوح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف واليمين، تزايدت الأصوات، في أمريكا وفي أوروبا وحتى في إسرائيل ذاتها، التي تطالب الإدارة الأميركية بالتدخل مباشرة لإيجاد مخرج من الأزمة السياسية الحاصلة، لدرجة أنه ثمة شخصيات، من مثل توماس فريدمان وشلومو بن عامي ويوسي ساريد، باتت تطالب بانتداب دولي في الأراضي المحتلة لتهدئة الوضع والانتقال بعدها لتسوية سياسية تنتج عنها دولة فلسطينية.
* اقتناع الإدارة الأميركية بفشل عملية "السور الواقي"، التي شنها شارون بهدف وأد مقاومة الفلسطينيين، بدليل استمرار عمليات المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي عمق المناطق الإسرائيلية؛ وهذا الواقع بلورة قناعة، لدى أركان هذه الإدارة، مفادها بأن لا حل أمني لقضية الصراع بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وأن وقف المقاومة أو العنف من قبل الفلسطينيين يتطلب ثمنا ما يتمثل بمنحهم أفقا سياسيا يتضمن خصوصا حقهم بتقرير مصيرهم بإقامة دولة لهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، على أساس ضمانات دولية.
* التدخلات العربية النشطة، خصوصا السعودية والمصرية، التي حصلت في مناخات العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، طوال شهر نيسان/إبريل الماضي، خصوصا وأن هذا العدوان جاء بمثابة رد على إجماع قمة بيروت (مارس 2002) على مبادرة عربية للسلام، ما أكد بأن شارون لا يستطيع، فضلا عن أنه لا يرغب، تمرير أي حل لصراعه مع الفلسطينيين.
* وصول رسالة واضحة من قمة شرم الشيخ التي شارك فيها زعماء كل من مصر والسعودية وسورية، بشأن التمسك بخيار السلام ورفض خيار العنف، وكانت هذه الرسالة بمثابة تشجيع للإدارة الأميركية للسير قدما نحو منح عملية التسوية أفقا سياسيا وعدم الاقتصار على الأجندة الأمنية التي تتساوق، فقط، مع المنطق الإسرائيلي.
* تزايد الإجماع الدولي بضرورة فرض حل من الخارج، على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بسبب من قناعة دولية باتت تترسخ، مؤخرا، على ضوء التجربة السابقة، مفادها بأن زعامة الطرفين لا ترغبان ولا تستطيعان جلب شعبهما للسلام، بسبب من تعقد قضية التسوية بينهما وبسبب ما تحمله من رموز وحساسيات سياسية وثقافية وتاريخية وحتى شخصية.
الآن ثمة تجاذبات وسيناريوهات متعددة يجري مناقشتها من قبل الإدارة الأميركية لاستخلاص الخطة العتيدة، ولكن معظم التكهنات تؤكد بأن هذه الخطة ستجمع في خطوطها العامة بين مقترحات الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون للتسوية، ومباحثات طابا (مطلع العام 2001) بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتفاهمات قريع ـ بيريز، المعروفة، ومقترحات الأمير عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية، التي عرضها على قمة بيروت في آذار/مارس (2002)، وخطة الرئيس المصري حسني مبارك، التي تتضمن الإعلان عن قيام دولة فلسطينية أولا، لتستأنف هي المفاوضات، باسم الشعب الفلسطيني، على القضايا العالقة(القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات)، على أن تنطلق المفاوضات من مبدأ استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، بعد فترة زمنية محددة ومضمونة.
والآن، أيضا، ثمة حديث عن عقبات مهمة أمام وجود هكذا خطة أميركية، فمثلا حتى الآن لم يحدد، بعد، شكل إخراج هكذا خطة، فهل يكون ذلك عبر بيان يلقيه الرئيس جورج بوش شخصيا، وبالتالي يتحمل هو مسؤوليته؟ أم يتم الإعلان عن ذلك في مؤتمر دولي يجري تنظيمه لهذا الغرض؟ أيضا مستوى المؤتمر لم يحسم حتى الآن فهل سيكون مؤتمرا دوليا أم إقليميا؟ هل يعقد بمشاركة الرؤساء أم على مستوى وزراء الخارجية؟ والأهم بين هذا وذاك، هل سيخصص هذا المؤتمر لوضع إجراءات التهدئة، الأمنية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أم أنه سيبحث وبالتوازي في وضع أسس حل سياسي لمشاكل الصراع بينهما؟
وإذا انتقلنا من النواحي الشكلية المتعلقة بالمؤتمر: مكانه وزمانه ومستواه وهدفه المعلن، وحتى من شكل إخراج الإدارة الأميركية لخطتها المتوقعة، فإنه ثمة عقبات كأداء ما زالت تقف أمام إيجاد أي حل للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من ضمنها، أولا، وجود شارون ذاته في سدة السلطة في إسرائيل، إذ أنه طالما الأمر كذلك فإنه من المستبعد أن تتمكن الأطراف المعنية من الحسم في توجهاتها بشأن عملية التسوية، وهذا ما ينطبق على الطرف الأميركي.
والمعنى أنه من المستبعد أن تلجأ الإدارة الأميركية إلى إحراج ذاتها وإحراج شارون بخطة لم يتم التفاهم عليها معه، وهذا ما يفسر تحديد الرئيس الأميركي جورج بوش لموعد لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، شارون، بعد انتهاء سلسلة لقاءاته مع القادة العرب، التي ضمت، خلال الأسابيع الماضية، كل من الأمير عبد الله، وعاهل المملكة الأردنية، وملك المغرب، وأخيرا الرئيس المصري حسني مبارك، وبعد الجولة التي قام بها إلى المنطقة مساعد وزير الخارجية الأميركية وليم بيرنز ومدير المخابرات الأميركية جورج تينيت، لاستطلاع آراء أطراف الصراع المعنيين، والتي شملت: الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والمصريين والأردنيين، فضلا عن الطرف الإسرائيلي.
فمن جهته سيحرص شارون لدى لقائه الرئيس الأميركي بوش، قبيل إنجاز التصورات الأميركية للتسوية، على قلب الحقائق كعادته إذ أنه سيبلغ المسؤولين الأميركيين بأنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام وأنه من الأفضل تكريس الجهود لاصطناع قيادة جديدة على غرار النموذج الأفغاني! وأنه لا ينبغي التنازل أمام "الإرهاب"! وأنه من المحظور الحديث عن منح الفلسطينيين دولة مقدما أو الالتزام بوضع جداول زمنية محددة، كما سيضع شارون شروطا على مشاركة كل من سورية ولبنان.
طبعا لاءات شارون ومحظوراته هذه هي مجرد تغطية على الموقف الإسرائيلي، الرافض لأي تدخل دولي في الصراع مع الفلسطينيين، والرافض لأي تسوية تتضمن فككفة المستوطنات أو الانسحاب من الأراضي المحتلة في العام 1967.
والمعنى أن مجرد الحديث عن خطة أميركية لا يكفي لوحده فالمطلوب خطة تعالج الجذور السياسية لمسائل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ومطلوب إدارة أميركية حاسمة تتوفر لديها الإرادة اللازمة لتطويع إسرائيل لعملية التسوية، والمطلوب، أيضا، إرادة عربية، موحدة، ضاغطة وفاعلة في هذا الاتجاه، فهل يحصل ذلك؟