مصر تفعل ما بوسعها من الجهد، لكن الظروف قاسية

بقلم: محمود القصاص

"ان الله يحب اميركا لان اميركا تحب اسرائيل، وينعم على اميركا بالخيرات لانها تساعد اسرائيل، ولو توقفت اميركا عن دعم اسرائيل لتوقف الله عن مساعدة اميركا". هذا ما ردده السيناتور الاميركي اليهودي جوزيف ليبرمان اثناء جولاته الانتخابية حين كان مرشحا كنائب للرئيس مع المرشح الديمقراطي آل جور في الانتخابات الاخيرة والتي فاز بها بوش. وكلمات ليبرمان تعكس بوضوح، بل وبساطة، ليس فقط ما يعتقده يهود اميركا، بل ايضا ما يعتقده اليمين المسيحي المحافظ الذي يحكم الولايات المتحدة الآن، والذي يمثل بوش واشكروفت ورمسفلد ابرز رموزه على الرغم من اختلاف انتماءاتهم الحزبية ودوافعهم العقائدية.
الحقيقة التي يتجاهلها كثير من السياسيين العرب، ولا يرحبون بالحديث عنها في وسائل الاعلام العربية، ان قوة اليهود في اميركا لا تكمن فقط في سيطرتهم على مفاتيح القوة الاعلامية والسياسية والمالية، بل ايضا في الدعم الكبير الذي يجدونه من اليمين الاميركي، وهو الدعم الذي تلقى قوة دفع اضافية بعد هجمات سبتمبر، وبدا واضحا ان الادارة الاميركية لا تكتفي بمساعدة اسرائيل، بل انها تستهدف العرب والمسلمين سواء على ارض اميركا او خارجها. ونظرة سريعة على اجراءات مكافحة الارهاب الاخيرة في اميركا توضح انها تستهدف بالدرجة الاولى العرب والمسلمين، وسيبدأ تطبيقها على مائة الف فرد، اغلبهم من الدول الاسلامية، سيتم اخذ بصمات اصابعهم وتسجيل اسمائهم لدى جهات الامن ومتابعة اتصالاتهم واجتماعاتهم.
الصورة اذن على الجانب الاسرائيلي تتلخص ملامحها في قوة اعلامية وسياسية في واشنطن يساندها حملة اميركية شعواء على العرب، وبالمقابل تبدو صورة مختلفة تماما للعرب عبر عنها صدقا وزير خارجية قطر حين قال ان العرب لا يملكون الا التسول، وان التسول لمساعدة الفلسطينيين هو كل ما يستطيعه العرب، وهو افضل الخيارات اذا كان يمكن ان ينجز شيئا.
الحقيقة قد تؤلم احيانا. لكن معرفتها وفهمها افضل كثيرا من العيش في اوهام. فقد تخلى العرب منذ فترة طويلة عن كثير من اوراق اللعبة، وتراجعت قدرتهم على التأثير على اميركا واسرائيل تراجعا مستمرا. حتى ورقة البترول التي يملكها العرب، والتي استخدموها بنجاح عام 1973، اوشكت ان تضيع. وعندما حاول العراق استخدامها، لم يجد دولة واحدة تسلك نفس مسلكه. بل رأينا بعض وسائل الاعلام العربية تلوي عنق الحقيقة وتدعي ان العرب لا يستطيعون التأثير على امدادات النفط لاميركا، رغم ان الدراسات الاميركية نفسها ترى غير ذلك!
لقد وصل الحال بحرص العرب على عدم اغضاب واشنطن انه اصبح من الصعب نشر مقال او بحث ينتقد اسلوب الحياة الاميركي او السيطرة الاميركية في كثير من الصحف العربية. وعندما استمع الى سياسيين او باحثين اوروبيين يحملون بعنف على سوء تقدير الادارة الاميركية او تجاهلها لمصالح شركائها باوروبا اتعجب من اننا لا نستطيع حتى ان نتحدث بما يتحدث به شركاء اميركا.
وفي وسط هذه الصورة القاتمة للعجز العربي من جهة والسيطرة الاميركية من جهة اخرى يطالب البعض مصر بأن تكون استثناء من القاعدة، وان تقوم بخطوات اكثر فعالية وتأثيرا لعقاب اسرائيل. والسؤال المنطقي الذي لابد ان يقفز للذهن هو: هل تمتلك مصر القدرات التي تمكنها من ان تكون الاستثناء الوحيد من الضعف والفشل العربيين؟
اجابة السؤال تقتضي ان ننظر للاوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر حاليا.
ان مصر تمر منذ فترة غير قصيرة بازمة اقتصادية طاحنة، وتواجه عجزا كبيرا في الميزان التجاري، وبطالة واسعة يقدرها الاقتصاديين بنسبة 15% الى 20 % من قوة العمل، وانخفضت قيمة عملتها خلال السنتين الاخيرتين بأكثر من النصف. والمشكلة الاساسية التي تواجه صناع القرار في مصر ان اغلب ايرادات ميزان المدفوعات تأتي من مصادر خارج سيطرة الحكومة، وهي السياحة والبترول وتحويلات المصريين بالخارج وايرادات قناة السويس. بعبارة اخرى لا تستطيع الحكومة ان تقرر زيادة ايراداتها من السياحة او من تحويلات المصريين بالخارج، بل يخضع ذلك للظروف السياسية والاقتصادية الاقليمية والدولية. وعلى العكس فان اغلب واردات مصر اما من السلع الاساسية او من مستلزمات الانتاج، أي ان نقصها سيشكل ازمة سواء للمنتجين او المستهلكين.
ولنا ان نتخيل الوضع لو تم منع كل المساعدات والاستثمارات الدولية في مصر، او تم هجرها سياحيا تماما باعلان انها بلد راعي للارهاب. عندئذ ستتحول الازمة الاقتصادية الى كارثة اقتصادية، وسيرتفع سعر الدولار الى اضعاف سعره الحالي، وستتفجر مشكلات اجتماعية لا اول لها ولا آخر.
ولن اتحدث عن تبعات اتفاقية كامب ديفيد وعدم قدرة مصر على التملص منها لان هذا حديث آخر يطول شرحه. لكن ما اود قوله ان الاوضاع الاقتصادية والسياسية بمصر تجعل هامش المناورة امامها محدود، وتجعل مساحة التحرك امام قيادتها ضيقة للغاية.
فمن السهل على مصر اتخاذ مواقف اعلامية ساخنة. ومن السهل تبني خطاب حماسي يدعو لسياسات متشددة. لكن مصر تحاول تحقيق أي انجاز على صعيد القضية الفلسطينية في حدود ما هو متاح لها. وربما كان هذا هو الاصعب. فمصر لا تحاول فرض دورها الاقليمي، بل ان هذا الدور فرضته اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والثقل السكاني والثقافي، ولا يستطيع احد، سواء اتفق او اختلف مع السياسات المصرية، ان يتجاهله.
كان الهدف من مقالي هذا الرد على مقال نشر مؤخرا على صفحات "ميدل ايست اونلاين" افترض ان مصر تعيش وهم دورها الاقليمي. وتناسى كاتب المقال حقيقتين اساسيتين: الاولى، هي ان ضعف مصر، او قوتها، يمثل انعكاسا لحالة عربية جماعية؛ والثانية، ان مصر، وفي خضم دوامة سياسية اعقبت هجمات سبتمير، لا تستطيع تجاوز معطيات الوضع الدولي الذي تمسك فيه الولايات المتحدة بخناق دول العالم، ربما دون استثناءات تذكر.
والى ان يأتي اليوم الذي يستطيع فيه العرب اتخاذ موقف جماعي قوي ومؤثر، فلا معنى لان يتجنى البعض على مصر او يطالبها باكثر من طاقتها.
محمود القصاص – كاتب مصري يقيم في لندن