اميركا تنقلب على قيمها وتستهدف الجالية الاميركية العربية والاسلامية

بقلم: أسامة أبو ارشيد

الآن وقد تكشفت نوايا الحكومة الأمريكية بشكل واضح تجاه الجالية العربية والإسلامية الأمريكية من خلال التعديلات الجديدة والصلاحيات الموسعة التي أعطيت لمكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) لمراقبة المساجد وأماكن العبادة والأماكن العامة والإنترنت..الخ، دون الحاجة إلى إذن قضائي أو وجود أي دليل على وجود أهداف أو أعمال إجرامية، ونفس الأمر يقال أيضا بعد إقرار الحكومة للإجراءات الجديدة التي تنص على أن تأخذ بصمات وصور أكثر من مائة ألف زائر عربي ومسلم للولايات المتحدة في المطارات، على أساس أنهم إرهابيين محتملين-(صحيفة واشنطن تايمز استخدمت تعبير "شرق أوسطيين" بدل عرب ومسلمين وذلك نقلا عن مصادر في دائرة الهجرة أكدت أنهم هم المستهدفون الرئيسيون من هذه الإجراءات، وقد نشرت الصحيفة هذا الخبر على صفحتها الأولى بالمانشيت العريض في السادس من الشهر الحالي..واصطلاح الشرق أوسطيين يعني العرب والمسلمين في التعريف الأمريكي العام)-وتتويج كل ذلك بتصاعد حدة النقاش الآن داخل أروقة الكونغرس والإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام بأن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ما كانت لتحدث لولا الحظر الذي تفرضه القوانين الأمريكية على التحقيقات والمتابعات على أسس عرقية ودينية (Profiling)، وهي الحجة التي يتذرع بها الآن مكتب التحقيقات الفيدرالي، لتبرير فشله في التعامل مع المعلومات التي توفرت له بشأن احتمال قرب هجمات "إرهابية ما" من قبل تنظيم القاعدة، والتي يزعم المكتب الآن أنه في ظل غياب دليل وتحديد واضح لمثل تلك الهجمات في ذلك الوقت، وفي ظل منع القوانين الأمريكية "للمتابعة القائمة على أساس عرقي أو ديني"، فإنه لم يكن بمقدوره في ذلك الوقت التعاطي مع مثل تلك المعلومات والتهديدات، على أساس أنها كانت ستعتبر خرقا للقوانين الأمريكية، فضلا عن أنها كانت ستثير مؤسسات الحقوق المدنية الأمريكية التي كانت ستعتبر ذلك من قبيل التمييز العرقي والديني، ومن ثمّ بدء تعالي الأصوات داخل الإدارة والكونغرس ووسائل الإعلام الأمريكية برفع الحظر عن المتابعات والتحقيقات على أسس عرقية ودينية تستهدف بالطبع العرب والمسلمين الأمريكيين، بل وتحول هذه الأطراف إلى مهاجمة كل من لازال يعتبر ممارسات "التشخيص= “Profiling أمرا مخالفا للدستور والقوانين الأمريكية…في ظل كل هذه التطورات الجديدة الموجهة بالأساس للانتقاص من حقوق وحريات الجالية الأمريكية العربية والمسلمة يصبح من المشروع-إن لم يكن من الملزم لنا-التساؤل كيف سنتعاطى كجالية أمريكية عربية ومسلمة مع هذه التطورات والسياسات التي تستهدفنا بالدرجة الأولى جراء الانقلاب السياسي على قيم أمريكا؟.
بداية يجب أن نقر بأن التطورات الجديدة ما هي إلا إرهاصات أو مقدمات لمزيد من الانتقاص والانقضاض على مساحات أخرى من حريات الجالية العربية والمسلمة. أيضا يجب التأكيد على أن كل الخطوات الحكومية الجديدة المتمثلة في هذه القوانين والنقاشات الجارية حاليا، ما هي إلا ذريعة لتملص الأجهزة الأمنية من فشلها في منع وقوع الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر. وبما أن هذه الإدارة لا تستطيع أن تعيد الزمان إلى الوراء لمنع حدوث ما حدث، فليس أقل من إبقاء المواطن الأمريكي في حالة ترقب مستمر وإشغاله بالمستقبل "المجهول" و"الجار المشبوه"، ومن هنا نفهم بعض تلك التحذيرات التي أصدرتها أف بي آي، لسكان البنايات المرتفعة للتبليغ عن أي شيء أو شخص يشتبهون به، بذريعة أن لديها تأكيدات بأن عناصر من القاعدة ينوون القيام بتفجيرات في البنايات العالية، وبالطبع فإن المقصود بالمشبوه بهم هو كل عربي أو مسلم، أو بالتعبير الرسمي، أي شخص "ذو ملامح شرق أوسطية"، بحيث تخلق الأجهزة الأمنية بمثل هذه التحذيرات المضللة وغير المعرفة مشاعر من العداء والتوجس لدى المواطن الأمريكي من كل شخص "ذي ملامح شرق أوسطية". بكلمة أخرى أصبحنا الآن كلنا مشبوهين، وهذه هي قمة التمييز العرقي والديني، فضلا عن أنها تعبير واضح عن درجة الفشل التي وصلتها الأجهزة الأمنية التي تقدر ميزانياتها بعشرات إن لم يكن مئات بلايين الدولارات في التعامل مع ظاهرة الإرهاب التي تهدد المجتمع الأمريكي ككل، دون تمييز بين فئاته وأعراقه وألوانه ودياناته، وذلك عبر إقصاء أبناء عرقيات محددة تعتنق في غالبيتها الدين الإسلامي والإعلان عنهم بالمجموع كمشتبه بهم.
القضية الأخرى التي يجب أن نتنبه إليها في تعاطينا مع التطورات الجديدة وحملة الانقضاض على الجالية الأمريكية العربية والمسلمة، وانتقاص حرياتها وحقوقها المدنية من أطرافها، أن ثمة جهات ذات مصالح مغايرة لمصالح هذه الجالية تعمل على تسعير الحملة ضدنا، وترسيخ الأكاذيب حول أننا كجالية نشكل تهديدا للأمن القومي والشخصي الأمريكي، من حيث أننا محاضن للتطرف الفكري والعقيدي تفرخ الإرهاب والإرهابيين. هذه الأطراف التي تقف خلف ترويج هذه الإشاعات والأكاذيب، تعمل ليل نهار بشكل منهجي ومحترف، وليس عبثيا ما يجري التركيز عليه الآن في وسائل الإعلام الأمريكية من نصوص من القرآن الكريم تقدم خارج سياقاتها وإطارها الموضوعي التاريخي من مثل الآيات التي تحض على "قتل الكفار"، وربط ذلك بصورة خبيثة ومضللة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، ثمّ الزج بجهاد الشعب الفلسطيني في أتون النقاشات ومحاولة رسم خط بياني واصل بين المقاومة المشروعة للاحتلال الصهيوني وهجمات سبتمبر الإرهابية في كل من نيويورك وواشنطن، وصولا إلى محاولة الضغط على بعض ممثلي الجالية المسلمة للتبرؤ من مفهوم الجهاد في بعده العسكري الدفاعي والمقاوم للظلم والعدوان، وذلك بهدف العبث في القرآن ومعايير المقاربة الشرعية تحت وطأة التهديد بأحداث سبتمبر من العام الماضي. إذن، هذه حملة ممنهجة ومخطط لها بإحكام، ولا نذيع سرا إن قلنا أن من يقف ورائها هو اللوبي الصهيوني مدعوما باليمين المسيحي المتطرف الذي وجد له في إدارة الرئيس جورج بوش جنة وقاعدة لتصفية حسابات مبيتة مع الجالية العربية والإسلامية الأمريكية.
الآن وبعد كل هذا التقديم المختصر والتأكيد على أن حرياتنا المدنية وحقوقنا السياسية (كجالية عربية وإسلامية أمريكية) هي المستهدفة، وبعد الإشارة إلى أن المطلوب من الجالية الأمريكية العربية والإسلامية أن تتبنى معايير متناقضة لمعاييرها الشرعية في تعريف ومقاربة الأشياء، يعود السؤال الذي طرحته آنفا إلى الواجهة من جديد: كيف سنتعاطى كجالية أمريكية عربية ومسلمة مع هذه التطورات والسياسات التي تستهدفنا بالدرجة الأولى؟.
الإجابة ببساطة تكمن في بعدها الأول الذي ينبغي علينا ترسيخه، في أن التعاطي الأمثل مع مثل هذه الحملة المنهجية ضدنا لا تكون إلا بالمواجهة والتحدي القانوني والمدني. الانسحاب لن يجدي شيئا..دس الرؤوس في الرمال لا يعني أننا حصنّا أنفسنا..التراجع لا يعني نهاية الحملة المعادية والمؤلبة علينا..الحل الوحيد هو الوقوف بحزم أمام كل التجاوزات على حقوقنا كأمريكيين وبشر، وكذلك الوقوف في صف قناعاتنا وتسمية الأشياء بأسمائها دون رتوش ولا مواربة ولا خوف..الحل يكمن في تصميمنا على حريتنا في التعبير الدستوري والقانوني وعلى حرياتنا المدنية والسياسية. التراجع عن معاييرنا الشرعية والثقافية لن يعني إلا مزيدا من تقدم الطرف الآخر لخط دفاع جديد لدينا، فكلما خرق خط أحمر دون أن نتحدى ونقاوم سيخرق خط أحمر آخر، حتى نصل إلى مرحلة لا تكون لنا فيها هوية ولا شخصية. المطلوب بكل وضوح، وأكررها، أن نقف لحرياتنا المدنية والسياسية…التراجع في أي مجال مكفول لنا دستوريا مهما صغر، أو ظننا أنه هامشي سيقودنا إلى تراجعات أخرى أكبر ولكنها لن تكون هامشية.
أما البعد الثاني للإجابة، فيكمن في أسلوب عمل مؤسساتنا العربية والإسلامية-الأمريكية. يجب أن تقف كل الجالية بوضوح وحزم أمام أي مؤسسة تسعى لأن تخدم أجندة خاصة بها على حساب الجالية..المطلوب الآن تقديم أجندة ومصالح الجالية، على الأجندة الداخلية لأي مؤسسة كانت. الجالية ككل هي من تعيش الاستهداف، قيمنا ومعاييرنا ومقارباتنا التعريفية والشرعية تعيش الاستهداف، المسلمون يعيشون الاستهداف، بل الإسلام كله يعيش معركة استهداف الآن، ولا يمكن اختزال كل هذا الاستهداف الآن في أجندة مؤسسة كائنا من كانت.
للأسف لقد كان مؤلما جدا ما كشفه الشيخ شاكر السيد أمين عام الجمعية الأمريكية-الإسلامية (ماس) في اللقاء الذي أجريناه معه في العدد الماضي من صحيفتنا "الزيتونة" (24 أيار/مايو، عدد رقم 266) من أن تحالف المؤسسات الوطنية الإسلامية الأمريكية الذي تقوده الجمعية ويضم ثمانية عشرة مؤسسة إسلامية على المستوى الوطني، كان على وشك التوصل إلى اتفاق مع وزارة العدل لتكوين اتفاقية تفاهم وشراكة بين الجالية الإسلامية ممثلة في قيادة القمة (تحالف المؤسسات الوطنية الإسلامية الأمريكية) وبين وزارة العدل بعد إغلاق مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية (هولي لاند فونديشن)، بحيث تلتزم وزارة العدل بالرجوع إلى هذه القيادة قبل الهجوم على أي مؤسسة، ولكن تم طعن هذا الموضوع من قبل بعض المؤسسات-بعضها منضوية تحت لافتة التحالف نفسها-التي ذهبت لوزارة العدل وادعت بأن هذا الإطار لا يمثلها، فكانت النتيجة مزيدا من الاقتحامات والمداهمات في شهر آذار/مارس الماضي لمقار عدد من المؤسسات الإسلامية الأخرى في ولاية فرجينيا وواحدة في ولاية جورجيا، شملت أيضا منازل بعض الشخصيات الإسلامية.
أطرح هذا المثال لأخلص إلى المضمون الرئيسي لهذا المقال: التنافس المشروع في الخير وخدمة الجالية أمر مطلوب وواجب، وأن تحصل أي مؤسسة على حقها بالتعريف بجهدها وعملها خلق لا يعيبه شيء، بل هو حق لها على جاليتها، ولكن على الجانب الآخر، أن تقدم صورة مؤسسة أو مصالحها على حق الجالية ومصالحها فهذا أمر مرفوض، وأن يتحول التنافس المشروع إلى "تفشيل" متبادل فهذه طعنة للجالية في الظهر. ومن ثمّ فالمطلوب الآن هو تنسيق أكبر بين كل مؤسسات الجالية وتأخير الأجندة المؤسسية لصالح أجندة الجالية ومصالحها، خصوصا وأن الحملة على الجالية ومؤسساتها كذلك أكبر من الجميع، ولابد من التحالف البيني بين مؤسساتنا أولا، كي ننجح في الخطوة التالية في مد جسور التحالف مع الجاليات الأمريكية الأخرى ومؤسسات الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية للجميع.
وكلمة أخيرة لجاليتنا، إن مؤسساتنا كلها دوننا لا تملك رصيدا، فدعمها ماديا ومعنويا والوقوف في صفها والدفاع عنها، هو دفاع عن كل فرد فينا وحقه بأن يعيش كريما في هذه البلد. أسامة أبو ارشيد-رئيس تحرير صحيفة الزيتونة-واشنطن
alzaitonah@aol.com