الجينات يمكن ان تمنع الزواج في الاردن

عمان - من مشعل السرهيد‏
شرط جديد للزواج؟

يدرس الاردن امكانية اقرار تشريع يلزم الخاطبين بالفحص ‏ ‏الطبي قبل الزواج بشان مرض (التلاسيميا) ربما يفضي في نهاية المطاف الى منع حاملي ‏ ‏سمة او جين المرض من الزواج.
والتلاسيميا هو مرض وراثي مزمن وغير معد يصيب دم الانسان ويحتاج لعلاج مدى ‏ ‏الحياة بتناول يومي لدواء يسمى طبيا "الديفيرال" واجراء عمليات نقل دم شهرية ‏ ‏للمريض لازالة الحديد الزائد منه قبل ان يتسرب الى اجزاء اخرى من الجسم.
واخطر ما في الامر بل والاكثر ايلاما وقسوة ان المرض الذي تكثر الاصابة به في ‏ ‏الدول الواقعة في حوض البحر المتوسط ليس منه شفاء كامل وغالبا ما يتوفى ‏ ‏المصابون به قبل بلوغ سن الثلاثين.
ويقول الدكتور عارف البطاينة مقرر لجنة شؤون البيئة والصحة والتنمية ‏ ‏الاجتماعية في مجلس الاعيان الاردني - الذي يعين عاهل الاردن اعضاءه ويسمى مجلس ‏ ‏شورى الملك - ان اللجنة توصلت الى قناعة تامة بسن تشريع يلزم الاشخاص المقبلين ‏ ‏على الزواج باجراء فحص طبي اجباري واستخراج وثيقة خاصة بذلك لمعرفة ما اذا كانوا ‏ ‏مصابين بالتلاسيميا او انهم يحملون سمته لافتا الى ان الامر ما زال قيد النقاش ‏ ‏الجدي مع الجهات المعنية.
ويوضح البطاينة هنا ان زواج شخصين حاملين لجين ‏ ‏التلاسيميا يوفر احتمالا بظهور المرض في ذريتهما تصل نسبته الى 25 في المئة.
ويتابع القول ان الهدف من الخطوة الماثلة هو الوقاية من المرض والحد من ‏ ‏انتشاره في الاردن حتى يصار الى القضاء عليه ففي حال اعطى الفحص نتيجة ايجابية ‏ ‏فان التشريع المقترح يقضي في المراحل الاولى من تطبيقه بتقديم النصح والمشورة ‏ ‏للخاطبين وبيان مدى خطورة هذا المرض على ذريتهم ومن ثم ترك الخيار لهم بالارتباط ‏ ‏او عدمه.
وفي غضون عدة سنوات كما يقول البطاينة وبعد ان تقدم المعلومات والتوعية ‏ ‏بشان المرض واخطاره كاملة لافراد المجتمع "ربما جعلنا التشريع يقضي بمنع الزواج ‏ ‏اذا ما جاءت نتيجة الفحص ايجابية".
واكد في هذا السياق ان "المهم في المرحلة الراهنة هو البدء بتوعية المواطنين ‏ ‏عبر وسائل الاعلام والندوات الطبية والمحاضرات والوعظ والارشاد في المدارس ‏ ‏الاسلامية والمسيحية وتدريس مساق خاص حول الامراض الوراثية".
ويعرب عضو مجلس الاعيان الاردني الدكتور عارف البطاينة عن "ثقته بان تطبيق ‏ ‏القانون بهذا الشان سيفضي خلال بضع سنوات الى القضاء على مرض التلاسيميا كما فعلت ‏ ‏قبرص" التي قال انها كانت تعد من الدول التي تحوي اكبر عدد من الاصابات بهذا ‏ ‏المرض".
وحول تزايد حالات الاصابة بالمرض وارتفاع كلفة علاج المصابين به في الاردن ‏ ‏يكشف المشرع الاردني النقاب عن وجود 1500 مصاب بهذا المرض يكلف علاجهم 10.5 مليون ‏ ‏دينار اردني وان "ما بين ثلاثة الى اربعة في المئة" من سكان الاردن البالغ عددهم ‏ ‏قرابة خمسة ملايين نسمة "يحملون سمة مرض التلاسيميا" اي ما يتراوح بين 150 الى ‏ ‏200 الف شخص. ‏ ‏ ويختم البطاينة بالاشارة الى ان وزارة الصحة الاردنية تبذل "جهودا كبيرة" ‏ ‏لمعالجة هذا المرض والوقاية منه معبرا عن "الاسف لعدم وجود مشاركة فعالة من جميع ‏ ‏القطاعات الصحية والشعبية الوطنية المعنية والمؤسسات الدولية الصحية ذات الصلة".
وعلى هذا الصعيد يقول وزير الصحة الاردني الدكتور فالح الناصر ان الوزارة توفر ‏ ‏علاجا مجانيا للمصابين بالمرض الذين يزيد عددهم سنويا بنحو 40 الى 70 حالة ‏ ‏وبتكلفة تصل الى خمسة الاف دينار سنويا للمريض الواحد.
ويمضى قائلا ان الوزارة وضعت خطة للعلاج والوقاية من هذا المرض تضمن في حال ‏ ‏تنفيذها خفض عدد المواليد المصابين بالتلاسيميا بنسبة 90 في المئة بحلول عام 2006 ‏ ‏بواسطة اجراء الفحوصات المخبرية لجميع الافراد المقبلين على الزواج ورفع درجة ‏ ‏الوعي بين المواطنين لاسيما الشباب منهم باهمية الكشف الطبي وزيادة عدد مراكز ‏ ‏الفحص والزامية الحصول على وثيقة طبية قبل عقد القران.
وتشمل الخطة وفقا للوزير الناصر انشاء سجل وطني لمرض التلاسيميا واجراء ‏ ‏الدراسات والابحاث الخاصة به. ‏ ‏ وجهزت الوزارة 29 مركزا متخصصا لاجراء الفحص الطبي قبل الزواج بوصفه الطريقة ‏ ‏الوحيدة لمنع المرض بحسب قول الناصر.
هذا هو الموقف الرسمي لكن ماذا عن رأي هيئات اردنية اهلية من بينها الجمعية ‏ ‏الخيرية لاصدقاء مرضى الدم (التلاسيميا) وجمعية العفاف الخيرية والتي يبدو ان ‏ ‏معظمها يؤيد اقرار تشريع يجعل الفحص الطبي اجباريا غير ان تصوراتها قد تختلف بشان ‏ ‏كيفية وتوقيت التطبيق والالزام بعدم الزواج في حال تبين ان الطرفين المعنيين ‏ ‏يحملان سمة المرض انهما مصابان به.
وفي هذا الاطار يقول مفيد سرحان مدير جمعية العفاف التي دأبت على اقامة حفلات ‏ ‏زواج جماعية بصفة شبه سنوية ان "الجمعية هي اول من تناول موضوع الفحص قبل الزواج ‏ ‏ونحن ندعمه بصفة عامة".
بيد ان سرحان يشدد على ضرورة التوعية ‏ ‏قبل فرض التشريع "لانه من السهل سن القانون لكن من الصعب ان نضمن الالتزام الطوعي ‏ ‏به وهو ما نريده حيث انه اذا لم تكن لدى الشاب والفتاة قناعة ذاتية مبنية على وعي ‏ ‏كامل بالمسالة فسيتم التحايل على التشريع".
وتساءل المتطوع الاردني "هل الوقت مناسب الان لاصدار مثل هذا التشريع" مستدركا ‏ ‏بقوله "نحن مع الامر لكن على المدى البعيد فلا بد من التثبت اولا من نهوض كل ‏ ‏المؤسسات المعنية بدورها في التوعية لضمان الالتزام بالقانون عند اقراره".
واضاف ان "التدرج بتطبيق القانون عند اصداره هو امر في غاية الاهمية" كما يصفه ‏ ‏سرحان الذي يسترسل منبها الى "وجود تفاوت في وجهات النظر الشرعية بالنسبة لمنع ‏ ‏زواج حاملي سمة المرض او المصابين به".
وينهى كلامه قائلا "ربما قرر اثنان تجمعهما العاطفة الزواج من غير انجاب".
وليس اسلم من رد الكلمة لاهلها اذ يقول مفتي العاصمة عمان الشيخ سعيد ‏ ‏عبد الحفيظ حجاوي ان "اجراء فحص طبي قبل الزواج للحيلولة دون انتشار مرض ‏ ‏التلاسيميا جائز شرعا على سبيل التخيير دون الالزام وذلك من باب حماية الصحة وسد ‏ ‏الذريعة اذ الاخبار عن وقوع المرض من باب الظن ولا يرقى الى يقين كما ان الفحص ‏ ‏الطبي قبل الزواج ليس من مقومات عقد الزواج وميثاقه ولا يدخل في الشروط المتممة ‏ ‏للعقد اذ يقوم العقد اصلا على المودة والرغبة المتبادلة والتفاهم والمصاهرة ومبدأ ‏ ‏الرفق والتيسير". ‏
ويردف الشيخ حجاوي القول "ولا بد من التركيز والتأكيد انه حتى مع الفحص ‏ ‏الاختياري لابد من وضع الاجراءات والضوابط التي تكبح جماح العبث والشطط وعدم ‏ ‏الاكتراث مع الوصول الى الهدف بيسر وبعيدا عن التعقيد ووسائل الحصول على اعلى ‏ ‏النفقات وما يوصل الى الحقيقة والتشخيص الواقعي واعطاء التقرير الطبي بصدق وامانة ‏ ‏وموضوعية ومن جهة مختصة ومتخصصة وتحت طائلة المسؤولية لما يترتب على التقرير من ‏ ‏اثار معنوية ومادية فردية واجتماعية وبما ينعكس على سمعة مهنة الطب ودورها ‏ ‏ومكانتها".
ويختم حجاوي فتواه بقوله "ولا يكتفى لتنفيذ ذلك بالتعليمات المجردة وانما بحسن ‏ ‏الاداء وسلامة التطبيق والا فلا فدرء المفاسد اولى من جلب المنافع والموضوع امانة ‏ ‏خطيرة تمس وجدان الافراد وتقفز فوق حاضرهم لمستقبلهم" مستشهدا بقوله تعالى "انا ‏ ‏عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها ‏ ‏الانسان انه كان ظلوما جهولا". ‏
اما استاذ تفسير علوم القران في الجامعة الاردنية الدكتور احمد شكري فله ايضا ‏ رأي في القضية يعرضه باقتضاب بوصفه "الفحص الطبي قبل الزواج" بانه "امر ايجابي ‏ ‏وجيد وحسن".
ويضيف "من باب دفع الضرر المتوقع فان هذا الاجراء لا ينبغي ان يكون عليه حرص ‏ ‏فقط وانما هو مطلوب".
ويشرح ذيب عباس موقفه ‏ ‏من القضية المطروحة بابراز "تأييده للفحص الطبي ومنع زواج ‏ ‏مرضى التلاسيما او حاملي سمته" معززا رأيه بقوله ان "الانسان يهمه ان ينجب اطفالا ‏ ‏اصحاء فالطفل غير السليم يكون سببا لحياة زوجية غير سعيدة وغير مستقرة".
وطبقا لاعتقاد عباس الذي يبدو انه يستقيه من ثنايا تجربة طويلة عركتها الحياة ‏ ‏وهو في العقد السادس من العمر فان "التبعات المادية والنفسية لاصابة اي من ‏ ‏الابناء بالمرض وترقبنا لموته المحتوم طبيا في اي لحظة او عند عمر معين برغم ‏ ‏ايماننا بالقدر سيؤدي الى زوال مشاعر الحب ان كانت موجودة بين الزوجين او ضياعها ‏ ‏في زحمة المشاكل على الاقل".
وبدوره يوجز هاني احمد رأيه برفض المسالة برمتها ويعتبرها "اعتداء على ‏ ‏الحريات الشخصية".
ويعرب عن تصوره بان "الزواج من الامور الخاصة تماما ولا ينبغى لكائن من كان او ‏ ‏لاي سلطة او قانون ان يتدخل فيه وان طرفيه هما المسؤولان عن نتائجه ويتحملانها ‏ ‏كيفما جاءت طالما رضيا ببعضهما".
وبانتظار ما سيسفر عنه اعتمال مجمل المواقف الاردنية من اصدار تشريع يتعلق ‏ ‏بالتلاسيميا يبقى لزاما اكمال تعريف المرض الذي يبدأ بالظهور عند عمر ستة اشهر ‏ ‏وتتمثل اعراضه بصعوبة في الرضاعة واصفرار وشحوب وهبوط في قوة الدم وقيء واسهال ‏ ‏وتكرار في الالتهابات وتضخم في البطن.
وعقب تشخيص المرض تبدأ مسيرة العلاج بنقل الدم بانتظام للمريض للحفاظ على خضاب ‏ ‏الدم (الهيموجلوبين) بدرجات طبيعية لدى المرضى الذين لا يعاني بعضهم من تشوهات في ‏ ‏شكلهم الخارجي ويبقى منظرهم طبيعيا.
واخيرا فان حاملي جين التلاسيميا ليسوا مصابين بالمرض وانما هم يحملون السمة ‏ ‏الوراثية المسببة للمرض. (كونا)