مصر ضحية لوهم دورها الاقليمي

بقلم: محمود سوداح

يقوم الرئيس المصري حسني مبارك بزيارة إلى الولايات المتحدة تدوم عدة أيام، يرافقه خلالها وفد كبير عال المستوى، وسوف تتخلل الزيارة الكثير من اللقاءات وجلسات العمل، التي ستمس العديد من المسائل والملفات الساخنة بدءا بالعلاقات الثنائية، مرورا بالموقف من العراق، وانتهاء بالوضع المتفجر في الأراضي الفلسطينية وتداعياته، وما رافق ذلك من مبادرات ودعوات شكلت في حين نصائح واستشارات اصلاح، وفي حين اخر اوامر واشتراطات.

مصر: الدور والموقع
ثمة شهادات كثيرة يحتفظ بها سجل التاريخ الاقليمي، بل والانساني، لما قدمته مصر من اسهامات كثيرة وفي محطات متعددة تؤكد اهمية الدور المصري في رسم اتجاهات الاحداث ونهاياتها، و الدور المصري عموما هو نتائج تزاوج "الموقع" بخصائصه، و"الزعامة" بمواصفاتها، وتتحدد قيمة الدور ايجابا، أو سلبا انطلاقا من قدرة القائد او الزعيم على توظيف الامكانيات المتاحة بشمولية عناصرها في خدمة وتحقيق الاهداف المرجوة، ولن نبحث هنا طويلا في تاريخ مصر عن شواهد، وهي كثيرة، لتؤكد هذا الاستقراء، لكن سنكتفي لضرورة سياق الموضوع بالاشارة إلى شاهدين.
مصر في مرحلة عبد الناصر
احتلت مصر في المرحلة الناصرية مكانا فرضت الزعامة فيه لمصر دورا استنهاضيا رياديا، شكل في حينه رافعة نضالية و تحررية لكثير من الشعوب و الثورات في العالم اجمع. فقد اجادت الزعامة المصرية انذاك فهم اللحظة التاريخية، وامتلكت بوعي القدرة على مزاوجة الذاتي والموضوعي في عملية اختيار نوعي لم تترك فيه لقوانين السوق والمساومة ان تتحكم في آليات صنع القرار او اتجاهاته، بل ان القيادة لم تتخذ يوما من اختلال موازين القوى ذريعة للتضليل و شيوع اليأس، او تقديم التنازلات، فهزيمة حزيران عام 1967، لم تكسر عند الزعامة المصرية شوكة التحدي، فجاء مؤتمر الخرطوم الذي أعقب الهزيمة، وبلاءاته الثلاث المشهورة (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض) تأكيدا لقدرة الزعامة على مغالبة الهزيمة وتحويلها إلى عامل استنهاض وتحريض، لقد آمن عبد الناصر بعروبة فلسطين كما آمن بخطر الكيان الصهيوني على الامن القومي المصري والعربي عموما، فلم يقبل يوما بالفصل أو "فك الاشتباك" بين الوطني والقومي . لقد كانت الرؤية أمام عبد الناصر واضحة، فلم يراهن يوما على الولايات المتحدة بان تكون حكما حياديا في الصراع، بل ولم يراهن على حل من خارج الامة، ولم يتخذ أيضا من الصدمات مبررا للتنازل أو المساومة.
مصر في مرحلة السادات
لقد كان لمرحلة السادات أن تشكل انكسارا في الدور الذي مثلته مصر بحيث شكل الموقف آنذاك، بشمولية معطياته "ردة" واضحة عن كل خيارات المرحلة الناصرية، ولم يكن لهذا التغيير ان يتم بصورة فجائية بل جاء بصورة تدريجية وتراكمية اقتضت اعادة بناء لمختلف البنى والتشكيلات المؤسسة النظام، فقد القى السادات - الزعيم بظلال معتقداته وافكاره على كل بنى النظام ليصوغ بذلك مرحلة جديدة مثلت آنذاك طلاقا فكريا وسياسيا واقتصاديا عن كل ما سبق. مرحلة السادات تميزت بسيادة القطط السمان وشيوع الشيشة وتغييب الرغيف، لقد كان لهذا التغيير، في مواصفات الزعامة، أن يغير بدوره طبيعة الدور والوظيفة للنظام المصري، فانتصار اكتوبر قد قزمه الزعيم إلى اتفاقات تنازل امام العدو وفك اشتباك مع قضايا الامة. لقد كانت رؤية السادات واهمة منذ البداية، فقد آمن ان اوراق الحل بيد الولايات المتحدة، فاصبح اسير توجهاتها واملاءاتها. لقد كان السادات صيدا سهلا في فخ التخطيط الاستراتيجي الأمريكي الذي اوقعه في وهم الاعتقاد "بالدور الاقليمي" القوي لمصر، فانفصل عن الامة وقضاياها وانشغالاتها، ليجد نفسه على طاولة التفاوض مخدوعا وحيدا وضعيفا امام العدو الصهيوني واميركا، حينها لم يجد بدا من تقديم التنازل تلو التنازل لتكون النتيجة النهائية وهما باستعادة سيناء، وواقعا بضياع مصر كلها.

مصر ورهان العلاقات مع الولايات المتحدة والعدو الصهيوني
تاتي زيارة الرئيس المصري اليوم في ظل تعقيدات كثيرة تسود المنطقة، فالعلاقات الأمريكية المصرية مثقلة بكثير من الملفات المفتوحة والمؤجلة، خاصة تلك التي تزيد من احراج القيادة المصرية امام شعبها الذي لا زال يرفض بالمطلق تقبل كل ادعاءات النزاهة والحياد في الموقف الأمريكي تجاه القضايا العربية، فالشارع المصري لم يقتنع اطلاقا حتى الآن بالرواية الرسمية الأمريكية المعلنة مؤخرا عن حادث اسقاط الطائرة المصرية على الشواطئ الأمريكية، بل ويطرح الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مبررات ومشروعية التدخلات المباشرة للولايات المتحدة في القضايا الداخلية المصرية كقضية سعد الدين ابراهيم واقباط مصر والسفير المصري لدى الكيان الصهيوني، واخيرا وليس اخرا، قضية الفوط التي توزعها جهة امريكية مجانا على بنات المدارس في مصر، والتي تشك الكثير من الجهات الشعبية والرسمية المصرية بأنها تحمل شبهة التخطيط العدائي المدروس الهادف الى تعقيم بنات مصر!
قد يكون من ضرورات تسهيل الإجابة على التساؤل عن حقيقة واهداف الزيارة الراهنة للرئيس المصري الى الولايات المتحدة، استحضار مقاطع من مقابلة كان قد أجراها الرئيس المصري أثناء زيارته الأخيرة السابقة لاميركا مع شبكة "سي.ان.ان". أشار مبارك إلى أن شارون قال له بخصوص مبادرة ولي العهد السعودي "أنه (أي شارون) يود أن نجلس بشكل ثنائي فقلت لـه ليس لدي مشكلة معك، ولا توجد مشكلة بين مصر واسرائيل، لكن المشكلة الأساسية هي المشكلة الفلسطينية".
وردا على سؤال إذا ما كان الرئيس المصري يثق بأن بامكان شارون وعرفات اتخاذ قرارات صعبة من شأنها اعادة تحريك عملية السلام مرة أخرى قال الرئيس المصري "إنه من الصعب قول ذلك، من جانب عرفات يمكن أن ندفعه و لكن لا أعرف ما إذا كان مستر شارون سيستجيب لذلك أم لا".
يبدو واضحا من خلال إجابات الرئيس المصري، انه يقر رسميا وبوضوح بخروج مصر من دائرة الصراع مع العدو الصهيوني، فهو دون أي لبس، يعلن أنه قد ابلغ شارون انه لا توجد أي مشكلة بين مصر واسرائيل، والرئيس هنا يتناسى أن العدو الصهيوني، وان سكتت نيران أسلحته الساخنة على مصر، فان حربه على الشعب العربي فيها لم تتوقف لحظة واحدة، فكل التقارير الواردة من مصر تؤكد حجم التآمر الصهيوني، فمن تهريب المخدرات والعملات المزورة إلى ارسال العاهرات اللواتي يحملن الايدز، و اثارة النعرات الطائفية مع الاقباط، وارسال العملاء و الجواسيس، وتصدير بذور المزروعات الفاسدة إلى مصر والكثير من بنود قوائم التخريب والتدمير، لكن الرئيس المصري يعلن ان لا مشكلة بين مصر والعدو الصهيوني!؟
أما بخصوص اجابته على سؤال حول امكانية تحريك عملية السلام فيقول حرفيا "من الصعب قول ذلك فمن جانب عرفات يمكن أن ندفعه".
الإجابة واضحة تماما، و تحمل دلالتها في ذاتها، فالدور المصري يتلخص في "دفع عرفات نحو اتخاذ قرارات صعبة"، والرئيس هنا يلخص دور مصر في الضغط على عرفات، و لكن بأي وجهة تكون اتجاهات الضغط؟ ولخدمة من؟ وللاشارة هنا فان كثيرا من الاخطاء الاستراتيجية التي رافقت عمليات التفاوض بين الوفد الفلسطيني والعدو الصهيوني، كان مردها إلى المرجعية المعتمدة، فلسطينيا، للتفاوض، والمتمثلة أساسا في المستشار السياسي للرئيس المصري أسامة الباز الذي غالبا ما مارس أسلوب الضغط والتهديد مع الطرف الفلسطيني استجابة للرغبة والتوجهات الأمريكية، بل ان الكثير من المراقبين، اليوم، يرون ان اعتماد الحكومة المصرية مؤخرا اللواء عمر سليمان، مدير جهاز المخابرات المصرية، كقناة اتصال رئيسية، مع الطرف الفلسطيني، انما تحمل اقرارا وموافقة مصرية واضحة على ما يطرحه العدو الصهيوني من ان مضامين العلاقة التفاوضية بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني يجب ان تبقى محكومة، فقط، بالأفق الأمني الذي يجب ان تسترشد به كل العلاقات والصياغات، بل وحتى الاصلاحات.

مصر والزيارة الراهنة
يتسائل المراقبون اليوم، وبحذر شديد، حول ماهية واهداف زيارة الرئيس المصري الراهنة الى الولايات المتحدة في وقت يتميز بازدحام واسع لمعطيات غالبا ما تتميز قراءاتها بضبابية قاتمة تجعل من الاتفاق على مدلولاتها واتجاهاتها معطى يزيد في التعقيد والارباك، فالرئيس المصري يقوم بالزيارة وسط انشغال وحركة دؤوبة واسعة ومكثفة تجعل من الحركة ذاتها فعلا يدفع للتساؤل هل ان الزيارة حدث استثنائي ام مجرد حدث عادي وهل مرافقات الزيارة بترابطها في السياق هي اهم وابلغ من الزيارة ذاتها؟
ربما يكون منطقيا القول ان لا اهمية استثنائية للزيارة كحدث يأتي فقط بعد زيارة مشابهة تمت قبل ثلاثة اشهر، ولكن هذا لا يعني ايضا قبول القول بسهولة ان الزيارة مجرد نوع من زيارات العلاقات العامة التي لا تحمل اهدافا، فالجانب المصري، ولا شك في ذلك، يحاول ابلاغ رسالة للادارة الامريكية، انه لا زال الرائد والشريك الاساسي في تسويق خيار التصالح والسلام، بل والضاغط ايضا على القيادة الفلسطينية نحو مزيد من التكيف والتأقلم مع الاشتراطات الامريكية والصهيونية، اذ ان الحكومة المصرية قد ابدت بعضا من التحفظ وكثيرا من الانزعاج عما لاحظته من تفضيل امريكي للطرف السعودي بخصوص الاحقية في كرسي الزعامة والريادة في العالم العربي والاسلامي في اية مفاوضات قادمة او محتملة مع العدو الصهيوني.
لقد كان لزيارة الرئيس المصري، وهي تدخل في اطار التسابق والمساومة على وهم الفوز باقرار امريكي بأهمية وثقل الدور المصري ان تترافق، أي الزيارة، مع حركة اتصالات ومشاورات وزيارات عديدة لمبعوثين الى القاهرة ومنها الى العواصم العربية الاخرى، دون ان ننسى الرحلات المكوكية للسيد عمر سليمان، مدير المخابرات العامة، وذلك لاظهار حجم الدور المصري الذي تتوهم القيادة المصرية بافتراض ثقله ومركزيته.
فما يدور الان في المنطقة من زيارات، ودعوات اصلاح، وأوامر توحيد لأجهزة، وترتيبات اعادة ثقة، واحاديث عن مؤتمر سلام، وزيارة الرئيس المصري ضمنا، وما غير ذلك مما سمعنا عنه وسنسمع، ما هو الا ترجمة لتكتيك امريكي صهيوني جديد لا يخرج عن اطار اللعبة الجديدة ـ القديمة والهادفة اصلا الى ابقاء المنطقة تحت حال من السكون المسيطر عليه، وذلك الى حين نفاذ مساحة مفترضة من الزمن، يتم خلالها خلق معطيات جديدة تصب حكما في اتجاه تغيير شروط اللعبة دون المساس بجوهرها، هذا دون ان نغفل عن ان العدو لا زال حتى الأن يتابع عمليات السور الواقي من حيث التوغل والاعتقال والتصفية.
اذن، فالزيارة ليست حدثا مركزيا او استثنائيا في الخارطة العامة لسياق الأحداث، بل هي حلقة عادية مرسوم لها وللجدل المرافق، ان تحرق بتراكمها مع متشابهاتها من دواعي الانشغال مساحة المرحلة او ربما المراحل القريبة القادمة من الانتظار والترقب في رحلة ملئ الفراغات الشاغرة في الصياغات القادمة.
استنادا، او ربما توضيحا لما سبق، فان كثيرا من الأطراف المحلية والأقليمية والدولية، باتت ترى ان واقعا قويا من الأنسداد المزمن بات يلقي بظلاله الكثيفة على راهن المنطقة، وان الرئيس الفلسطيني، يراه كثيرون، ولكل اسبابه المختلفة، عقبة امام حركة المرور في المنطقة، وعلى ذلك، فان توجها اضطراريا قد تم التوافق على مرتكزاته بين مجمل الأطراف، يقوم على قاعدة من الانتظار الاضطراري، ربما ليتدخل "القدر" في تغييب الرئيس الفلسطيني عن المسرح السياسي، باعتبار ان التخلص "الارادي" او "المخطط له" من الرئيس،(بمعنى الاقصاء السياسي او الجسدي)، سيزيد من تعقيدات المرحلة، وسيسد كل الأفاق امام الرئيس – الخليفة الذي ستلاحقه، علنا و بوضوح، لعنة التآمر والخيانة وهو ما ليس مبرمجا في مواصفات الخليفة القادم.
اختصارا نقول ان واقع الانتظار او ما يمكن ان نطلق عليه فلسفة "ملىء الفراغ"، قد استدعى، وهو يسير تحت ضرورة حرق المراحل،ان يستنفد الكثير من الحطب، الذي سيبقى شاغلا للناس ومثار جدل وترقب كالحديث عن الاصلاح والفساد وتعيين الوزراء وزيارات الرؤساء، وذلك الى حين ضياع مكة، ثم نقول ان زيارة الرئيس كانت ناجحة وأن دور مصر كان رياديا!
قد تكون المعطيات والقراءات أعلاه، نموذجا مكثفا لاستخدامات دور مصر الرسمية في خارطة الاحداث الراهنة، و يبدو أن القيادة المصرية لا يهمها من كل الزيارة الى الولايات المتحدة الا إعادة تأكيد مواقف النظام الرسمي من خلال رسائل محددة تؤكد للإدارة الأمريكية ذات حلقات الرهان وتستجدي عقد "العروة الوثقى" الذي اختطف مصر، منذ زمن، من محيطها الاصيل لتكون ملحقة في موكب وجهته تتناقض مع مقتضيات الانتماء والهوية، ليتكرس لمصر دور سلبي يلقي بتأثيراته على الامة، فبقدر ما تكون مصر بخير تكون الأمة بخير، وبقدر ما تكون مصر غير معافاة، تكون المأساة ... وتكون الفجيعة.
فيا مصر آه، و ألف آه، لكن عزائنا أن شعبك مازال بخير، ولازال هو "الحصانة". محمود سوداح - كاتب فلسطيني يقيم في الجزائر