كشف اسرار اشهر جواسيس روسيا

موسكو - من فياتشيسلاف لاشكول

في الصورة الفوتوغرافية المعروفة بشكل جيد والتي تؤرخ التوقيع على صك الاستسلام غير المشروط لالمانيا الهتلرية، يقف عقيد سوفييتي الى يمين الفيلدمارشال الالماني كيتل وهو ينظر اليه باهتمام اثناء توقيعه على هذه الوثيقة. انها احدى الصور الفوتوغرافية النادرة التي يظهر فيها الكسندر كوروتكوف، الذي اصبح بعد الحرب احد اكبر الجنرالات السوفيات السريين، وقائدا للجنة استخبارات العملاء السريين في أمن الدولة السوفييتية.
كتاب "المصعد في الاستخبارات" الذي صدر عن دار النشر الموسكوبية "اولما – بريس" يرفع الستار عن الحياة السرية للجاسوس الروسي، وتم عرضه منذ ايام في المكتب الاعلامي لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية. ومؤلفه هو الكاتب تيودور غلادكوف المعروف بقصصه المشوقة: "اختفى من مكان الاغتيال"، "ميدفيديف"، "عدو الفوهرر والرايخ".
فما هي اسرار "ملك العملاء السريين" التي اعلنتها الاستخبارات الخارجية الروسية؟ اولا، اعلنت عن نشاطاته السرية في فرنسا حيث كان منضويا في مجموعة "تعقب" مقر الاركان الفرنسي العام والاستخبارات العسكرية أي "المكتب الثاني". وكان الاتحاد السوفييتي حينها بالنسبة لهم احد الاعداء الاساسيين. واضحت مهمة العملاء السريين السوفيات الكشف عن العملاء الفرنسيين العاملين في الاتحاد السوفياتي.
غير ان الكسندر كوروتكوف ركز جهوده بشكل خاص على المانيا. ففي الارشيف يحتفظ بتقاريره التي تحتوي تحاليل عن التعاون الروسي الالماني بعد التوقيع في عام 1922 على معاهدة رابال. في هذه الفترة حرمت جمهورية ويمار من امكانية تحقيق القدرات الهندسية والعلمية التقنية الكبيرة التي تتمتع بها، وروسيا التي عانت من الحرب الاهلية كانت بحاجة ماسة الى المساعدات التقنية من اجل القضاء على التخلف الاقتصادي. وعلى هذا الاساس بوشر بتطبيق التجارة المتبادلة النفع: فوصلت المواد الخام الصناعية والزراعية الى المانيا، وبالمقابل معدات الانتاج الى روسيا.
ومن الجدير ذكره وصول ممثل الاركان الالمانية كورت فون هامرشتاين - ايكفارد في نهاية العشرينات الى موسكو في احد الزيارات التي قام بها الى فياتشيسلاف مينجينسكي، الذي بحث معه مسائل التعاون بين الاجهزة الامنية الخاصة في الدولتين.
الا انه وفي العام 1934 اعّد كوروتكوف تحليلا اشار فيه الى ان التعاون مع المانيا دخل بعيدا جدا، في حين ان روسيا ليست مهتمة كثيرا باعادة احياء الصناعة العسكرية. وان هذه المادة "طفت على السطح" وشكلت الاساس لاعادة النظر في العلاقات مع المانيا. وتدريجيا بدأت العلاقات تنحو للتغير مع ان الالمان قاموا بكل ما بوسعهم لتطويرها.
وحتى نشر هذا الكتاب كان القليل قد عرف عن مرحلة عمل كوروتكوف في افغانستان في بداية الاربعينات. فالسفارة الالمانية في كابول كانت في ذلك الوقت مركزا للاستخبارات النازية في التنسيق للاعمال التخريبية والتقويضية في افغانستان وفي الهند البريطانية وايران والجمهوريات الجنوبية السوفياتية وحتى في بعض المناطق الصينية. وشارك كوروتكوف بشكل مباشر في تحييد اخطار هذه الشبكة الاستخباراتية وفي "اعمال التجميد" للوصول الى رئيس مركز الاستخبارات الالماني في كابول راسموس الذي في الاستخبارات السوفياتية كان يلقب باسم "الماستر".
في كتاب تيودور غلادكوف يعرض ايضا وثائق فريدة من نوعها للجنة أمن الدولة السوفياتية حول مجموعة "الكورس الاحمر" اضافة الى عدد غير قليل من الوقائع عن حياة اجهزة الاستخبارات التي كانت حتى الوقت القريب سرية.
اما لماذا اطلق على الكتاب اسم "المصعد في الاستخبارات" ؟ فان عددا قليلا من الناس يعرف بان عمل الكسندر كوروتكوف في لوبيانكا (المقر الرئيسي للاستخبارات السوفياتية) بدأ في قسم تكبير الممتلكات بصفة تقني مصاعد. الا ان لم يستمر في العمل في اعمال التصليح وتجهيز معدات المصاعد لفترة طويلة، وبسرعة اضحى عضوا كاملا في هيئة الاستخبارات.
ومع اتقانه للغتين الالمانية والفرنسية عمل كوروتكوف بفعالية في النمسا، وسويسرا والمانيا وفرنسا. وقد كلفته قيادة الاستخبارات السوفياتية بمهمة احياء الصلات بـ"برايطن باخ" رئيس القسم الروسي للغستابو ومع مجموعة عملاء "الكورس الاحمر" وبعد ذلك عمل مع مصدر المعلومات القيم للاستخبارات الالمانية الغربية هاينس فيلف.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اوكل الى كوروتكوف مهمة رئاسة مركز الاستخبارات السوفياتي الدائم في المنطقة السوفياتية المحتلة من المانيا. وكانت درجة المعلومات التي زود بها مركز الشؤون الاوروبية عالية الى درجة ان وزير الخارجية حينها فياتشيسلاف مولوتوف ادخله دائما في عداد مساعديه عندما كان يسافر الى اجتماعات دولية حيث كان يتم تقرير العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه وفي اجواء "الحرب الباردة" كان العمل الاولي للاستخبارات السوفياتية جمع المعلومات عن نوايا الحلفاء السابقين في ائتلاف محاربة الهتلرية.
وبعد ذلك بمدة عين كوروتكوف رئيسا للاستخبارات السرية التي ترأسها لمدة 12 عاما تقريبا، وابرز من تتلمذ على يديه في ذلك الوقت كنون مولودي الملقب بـ"بين" وليام فيشر (ابيل) والزوجي موريس وليونتينافا كوهين (فالانتيور) وكان في اعمالهم فيها قدر كبير من المخاطرة التي خصص لها في كتاب "المصعد في الاستخبارات" صفحات مثيرة غير قليلة.