الساكن في الاخيضر يقطف نجمة من السماء

كربلاء (العراق)
حصن لطريق تجاري، ام قصر لعاشق اثر الابتعاد عن الجميع

في صحراء مترامية الأطراف، يكون كل شيء واضحا للعيان وقريب جدا، حتى النجوم. ويخيل لي وانا في الصحراء انني لو مددت يدي لقطفت نجمة. ومهما قيل عن تاريخ قصر الاخيضر، 48 كيلو مترا الى الجنوب الغربي من كربلاء، فانني مقتنعة بان الذي شيده كان عاشقا كبيرا واختار الحياة مع النجوم.
يبعد قصر الاخيضر او كما يسميه الاثاريون حصن الاخيضر عن بغداد 150 كيلو مترا. ويقع على طريق تجاري صحراوي كان يربط العراق بالعالم الخارجي. ويربط دول الشام بالبصرة وبالخليج. واليوم وعلى امتداد الطريق الى الاخيضر ما تزال اثار مبان وخانات قديمة شاخصة لكنها خالية من القوافل والضجيج.
الطريق هادئ جدا وقليل السيارات وقبل الوصول بمسافة يظهر الاخيضر، القصر كما احب ان اتخيله والحصن الدفاعي كما يؤكد الاثاريون، بناية كبيرة تشمخ وحيدة واقرب المدن منها هي عين تمر (شثاثة- اثاريا) وتبعد 20 كيلومترا عنها. وقرب بوابتها يقع مكتب الاستعلامات الذي يسكنه الحارس القادم من عين تمر والذي عشق المكان فلا يغادره الا مرة في الاسبوع. اسمه حسين ويعمل هنا منذ سنوات ويقول بانه كل يوم ينظر الى القصر بدهشة وكأنه يراه لاول مرة.
تاريخيا، وكما تشير الكتابة التعريفية بالمكان، لم تشر المراجع الى تاريخ بنائه او الشخص الذي بناه. لذا جاءت اراء الاثريين ودراساتهم متضاربة. فيذكر بعضهم انه بُني قبل الاسلام وآخرون اشاروا ان بانيه احد امراء كندة واسمه (الاكيدر). وجماعة اخرى نسبت بناءه الى احد ملوك الحيرة (والمعروف عن ملوك الحيرة انهم كانوا يحبون بناء القصور الفارهة ويحبون الصيد والصحراء افضل مكان للصيد).
وحتى الذين اكدوا انه بُني بعد الاسلام اختلفوا في فترات بنائه، منهم من ذكر انه بُني في العصر الاموي ومنهم من قال انه بُني في العصر العباسي معتقدين بأن بانيه هو عيسى بن موسى ابن اخ الخليفتين العباسيين ابي العباس والمنصور معتمدين على ادلة اثرية مقارنة بالابنية العربية والاسلامية المعروفة. اما الهيئة العامة للآثار والتراث فقد اكدت بعد التحري والتنقيب فيه فضلا عن دراسة العناصر الزخرفية والوحدات البنائية والآثار المكتشفة انه اسلامي يعود الى القرن الثاني للهجرة وبالتحديد النصف الثاني منه.
واعتقد ان تأكيد هيئة الاثار قريب جدا من الحقيقة. اذ ان الاخيضر قريب الشبه معماريا وزخرفيا من الشواخص العباسية في بغداد والمدن العراقية الاخرى وكأن الذي صممها جميعا هو المعمار نفسه.
اما تسمية القصر بالاخيضر فلم تحدد. ويبدو من الدراسات ان هذا الاسم لم يعرف قبل القرن الحادي عشر للهجرة. وقد ذكر احد الرحالة الاجانب في هذا التاريخ ان اهل المنطقة يسمونه (قصر الخفاجي) وهناك كتابة على احد الجدران بهذا الاسم، ويقال ان الاسم جاء من لون القصر الذي يميل في مظهره العام الى الاخضر وسط الخلفية التي يكونها منظر الصحراء والسماء.
وتصف الدراسات الاثارية تفاصيل القصر او الحصن بان قصر الاخيضر مستطيل الشكل طوله من الشمال الى الجنوب 176 مترا ومن الشرق الى الغرب 164 مترا, وارتفاع السور الداخلي 21 مترا بعرض 4 امتار، حيث مستوى ارضية المجاز العلوي ثم ينقسم الى جدارين خارجي وداخلي بفصل بينهما مجاز بعرض مترين بسقف نصف اسطواني. وانتهت اعمال صيانته وعاد كما كان. وتمت اعمال البناء على الاسس والجدران التي كانت شاخصة.
اجتاز البوابة العالية وانظر الى سقف المدخل الشاخص لحد الان والمبني من الطابوق وبنقوش وزخارف عباسية وعلى اليمين واليسار غرف حرس البوابة. اصعد سلما قريبا ( عدد السلالم اربعة في كل زاوية من الزوايا الداخلية وسلمان على جانبي كل مدخل رئيسي) واجتاز المجاز بين السورين والذي تفسره الكتابات بانه كان يصمم لتكييف الهواء واصل الى السطح وتواجهني غرفة صغيرة يقول حسين انها غرفة تربية الحمام الزاجل الذي كان يستخدم للمراسلة. ومرة اخرى اؤكد لي ان عاشقا بنى القصر واكتفى بعلاقته مع العالم خارج حلمه وعشقه بالمراسلة. ويسمعني حسين ويقول بان اتصالا آخر كان له مع الخارج عبر نفق يمتد من داخل القصر الى بعد كيلومترات حتى اقرب مدينة او قرية حينئذ. ( ربما يكون الاثاريون على حق والمكان حصن عسكري والنفق صمم للمساعدة اثناء الحروب او الحصار مثلا!)
من أعلى السطح تبدو الصحراء الممتدة رائعة بهدوئها وتوحدها ومن الممكن بسهولة مشاهدة الابراج المحيطة بالسور الخارجي وعددها ثمان واربعين برجا، اربعة منها في زواياه الاربع بقطر خمسة امتار واربعين برجا بقطر ثلاثة امتار ونصف المتر على اربعة اضلاع بواقع عشرة في كل ضلع واربعة ابراج منشطرة في كل مدخل رئيسي من مداخله الاربعة. وفي السور الخارجي مزاغل عمودية وافقية عددها مائتان وست وثلاثين مزغلا (ومرة اخرى نقطة لصالح الاثاريين لان وظيفة المزاغل هي رمي السهام والقذائف).
ويبدو ان البعض في بداية القرن العشرين او في نهاية القرن التاسع عشر استخدم القصر كموقع حرب اذ هناك اثار مدافع فضلا عن وجود اثار حرب اقدم من منجنيق ومئات القذائف الحديدية.
اترك السطح من الجهة الثانية وانزل في قصر الامير او القائد ربما، ويذهلني الحمام! ويشير حسين ان الحمام الذي اشاهده هو الصيفي لذلك اراه مكشوفا وكان خاصا بالامير فقط بينما كانت اسرته تستخدم حماما آخر. وهناك حمام شتوي كان يسخن بنار خارجية وداخل الحمام مكان مرتفع بعض الشيء كان يقوم مقام حمام البخار. والان لا ادري كيف اصف بقية القصر الذي مساحته ثلاثون الف متر مربع تقريبا. هناك مرافق داخلية مكونة من البهو الكبير والمسجد واقسام الحرس والمعية ومجموعة الدور وبيت الخدم، وجميعها ضمن بناية مستطيلة الشكل طولها مائة واثنا عشر مترا وعرضها ثمانون مترا ملاصقة للسور الخارجي من الجهة الشمالية. والبناية مدعمة بابراج عددها 26 برجا بقطر اكثر من متر ومساحة البهو الكبير مائة وتسع وثلاثون مترا مربعا. وقد اكدت الدراسات الاثارية العراقية ان المسجد والمحراب من اصل البناء وليس مضافا كما ذهب اليه بعض الباحثين، وهذا تأكيد على ان القصر (الحصن) من الابنية الاسلامية وشكل المحراب مقعر وهو الطراز الذي ادخل لاول مرة في العمارة الاسلامية بعد عام 91ه أي ان القصر بُني بعد القرن الاول الهجري، أي بعد دخول هذا الاسلوب المعماري الى العمارة الاسلامية.
وفضلا عن القصر الخاص بسكن الامير او القائد هناك اربعة مساكن. اثنتان في الجانب الشرقي واخريتان في الجانب الغربي وهي متشابهة تماما ومتناظرة من حيث الموقع.
اصل الى القسم المركزي المستطيل الشكل والمكون من الرحبة الكبرى والايوان الكبير وصالات الاستقبال. مساحة الرحبة تسعمائة متر مربع تقريبا فيه بئر كبير وتفتح عليه اربعة ابواب بواسطة الرواق. ومساحة الايوان الكبير حوالي سبعين مترا مربعا تحف به عدد من قاعات الاستقبال وتنفرد احدى القاعات بروعة التصميم وفخامته وزخارفه الآجرية والتي اعتبرها بعض من الباحثين بمنزلة قاعة العرش.
ويتركني حسين لمرافقة افواج سياحية اجنبية تتجول مبهورة وسائحة تسألني ان كان الطريق الذي يقع عليه الحصن شهد حروبا؟ أقول لها انه طريق تجاري والحصن ربما شيد لحماية هذا الطريق. واتجول وحيدة وتستوقفني احيانا كتابات تؤرخ يوم حب او لقاء كتبت بذوق وحروف صغيرة من غير اساءة لهذا الشاخص المتميز واعود الى اعتقادي بأنه حصن للحب. فقد بنى ذلك العباسي هذا الحصن بشكل مدينة صغيرة عاش فيه مع احبته وحرسه في طبيعة لا تجاريها في الجمال أي طبيعة اخرى. اذ ان الساكن فيه يصادق القمر ويقطف نجمة.