روسيا تبحث مع الاتحاد الاوروبي مأزق كالينينجراد

كالينينجراد - من ماري سيبيرسكي
بوتين وجنرالاته في الميناء الذي كان مستودعا للسلاح النووي الروسي

ايليا سوهوفولسكي هو تلميذ ناضر الوجه من كالينينجراد عمره 15 عاما، لا تخطئ العين ملامحه الروسية لكنه بصره مصوب إلى إغراءات ومفاتن الغرب. ورغم ذلك فإنه عندما يتحدث عن المستقبل، فإن القلق يشع من عينيه السوداوين.
ففي متاهة الجغرافيا السياسية لمنطقة البلطيق في عصر ما بعد السوفييت، تتجه الاوضاع لان تصبح أكثر تعقيدا مع التوسع المزمع للاتحاد الاوروبي عام 2004 ليشمل بولندا وليتوانيا.
ويخشى ايليا وغيره من سكان كالينينجراد البالغ عددهم 984.000 نسمة من احتمال أن يتم بحلول عام 2004 تطويق هذه المدينة الروسية الواقعة بين بولندا وليتوانيا، بـ "حائط ورقي" نصف شفاف لا يمكن اختراقه يتمثل في متطلبات الحصول على تأشيرة دخول للاتحاد الاوروبي.
ومن شأن ذلك أن يغلق على الفور الطريق أمام تأثير التحديث والفرص التي يطرحها الغرب، وأن يعوق الروابط التقليدية التي تربط بين الاقليم والاتحاد الروسي البعيد عنه.
ويقول ايليا بلغة إنجليزية طلقة "الان هناك مشاكل كثيرة تتعلق بوضعنا، وإذا ما فرضت جميع الدول تأشيرات دخول فسيكون الامر فظيعا".
ويسلط فلاديمير يجوروف حاكم كالينينجراد الضوء على ورطة الاقليم المستقبلية المحتملة بشكل أكبر، حيث وصف احتمال أن يضطر سكان كالينينجراد لطلب تأشيرات الاتحاد الاوروبي للسفر إلى روسيا بأنه "كارثة" بمعنى الكلمة.
وبدلا من التأشيرات، اقترح يجوروف ومسئولون كبار من موسكو ما وصفوه "بطرق العبور" - أو حق المرور في ممرات عبور - وذلك في شكل طرق أو خطوط سكك حديدية عبر ليتوانيا أو ربما عبر الاراضي البولندية يتمكن من خلالها المواطنون الروس والسلع الروسية من السفر والانتقال بين كالينينجراد وروسيا، وهم داخل قطارات أو حافلات لا سلطة لرجال الجمارك عليها.
ورفض قادة كل من بولندا وليتوانيا، اللتين كانتا تدوران في فلك الاتحاد السوفييتي السابق، مرارا وبقوة فكرة الممرات بوصفها أمرا بغيضا. أما مسئولو الاتحاد الاوروبي فقد اعترضوا على هذا الطلب، مؤكدين أنه يتعارض تماما مع نظام تأشيرات الدخول المعمول به على نطاق واسع داخل الاتحاد.
وأخفقت محادثات خاصة أجريت بين روسيا والاتحاد الاوروبي في منتصف أيار/مايو في كالينينجراد في تسوية مشكلة العبور. وتم الاتفاق بناء على ذلك على ترك القضية لتكون محور المحادثات التي ستجري بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس مفوضية الاتحاد الاوروبي رومانو برودي في إطار قمة الاتحاد وروسيا التي تعقد في موسكو الاربعاء.
غير أن مسئولي الاتحاد الاوروبي العاكفين على وضع التفاصيل الدقيقة لقضية العبور - التي ينظر إليها باعتبارها "محك اختبار" للعلاقات بين روسيا والاتحاد - صرحوا بأنهم "يتشككون" في إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال محادثات موسكو.
ويقول هؤلاء المسئولون أنه برغم ذلك، فإن الاتحاد الاوروبي ملتزم بمنح كالينينجراد مساعدة مالية قدرها 40 مليون يورو حتى عام 2003 لدعم اقتصادها الضعيف وتحسين بنيتها التحتية الحدودية المهملة وإدارتها الراكدة.
وحتى عرض الاتحاد الاوروبي تحمل فاتورة إصدار جوازات سفر لجميع سكان كالينينجراد لم يؤد على الفور إلى إثناء المسئولين الروس في محادثات سويتلوجورسك عن مواصلة مطالبتهم بتوفير "طرق عبور".
وبالرغم من ذلك يؤكد مسئولو الاتحاد الاوروبي أن تهيئة مستقبل اقتصادي مزدهر لهذا الاقليم الروسي الفقير هو أمر في غاية الاهمية لمشروع توسيع نطاق الاتحاد بوجه عام.
وقال أحد المسئولين أثناء اجتماع سويتلوجورسك "لن يريحنا بالتأكيد أن يكون هناك ثقب أسود فقير ممزق في وسط الاتحاد الاوروبي".
وإذا ما نحينا الخلاف الدبلوماسي جانبا، فإن أكثر ما يقلق رجل الشارع في كالينينجراد هو ثمن التأشيرة والذي من الممكن أن يكبل حريتهم التي حصلوا عليها مؤخرا في السفر خارج هذا الجيب الذي كان يوما ما أهم قاعدة بحرية سوفيتية سرية.
وفي ظل معدلات بطالة تتراوح، وفقا للتقديرات الغربية، بين 40 إلى 50 بالمائة ومتوسط دخل شهري هزيل يتراوح بين 50 و60 دولارا، فإن تأشيرة الاتحاد الاوروبي التي تتراوح تكلفتها ما بين 50 إلى 60 يورو (46-55 دولارا) ستكون بمثابة ترف لا يقدر عليه إلا قلة من الاثرياء في الاقليم.
وفي الوقت الذي تتأهب فيه بولندا للانضمام للاتحاد الاوروبي عام 2004 تعتزم وارسو فرض شروط على سكان الاقليم للحصول على تأشيرة دخول اعتبارا من تموز/يوليو عام 2003.
غير أنه نظرا لان القادة ورجال الاعمال البولنديين حريصون على الاستفادة من الازدهار الاخير في العلاقات البولندية الروسية، فقد كانت الرسالة التي بعثت بها وارسو هي "أقصى درجات المرونة" في عبور الحدود بما في ذلك إصدار تأشيرات صالحة لعدة مرات بسعر معقول، وإن كان مازال غاليا، وهو 14 دولارا.
ويؤكد ياروسلاف تشوبينسكي قنصل بولندا في كالينينجراد أن خطط التأشيرة لن تتداخل بأي صورة من الصور مع حرية الانتقال للمسافرين الشرعيين بين بولندا وكالينينجراد.
ولكنه اعترف بأن التأشيرات تهدف إلى المساعدة في إيقاف "النمل" البولندي والروسي - صغار مهربي الخمور والتبغ والبنزين والكهرمان - والذين يشكلون وفقا لمصادر بولندية مختلفة نسبة ما بين 50 و90 بالمائة من عابري الحدود الذين يبلغ عددهم سنويا حوالي 4.5 مليون شخص.
ويشير تشوبينسكي إلى أن الضربة القاضية للنمل ستأتي على الارجح خلال الفترة ما بين عام 2008 وعام 2011 عندما تتبنى بولندا رسميا، كما هو متوقع، جميع بنود اتفاقية شينجن الحدودية للاتحاد الاوروبي، ومن بينها البند الخاص بتكلفة التأشيرة والتي تتراوح بين 50 و60 يورو.
ورغم الانقسامات العميقة بشأن مسألة العبور، إلا أن هناك قاسما مشتركا يحرك جميع الاطراف المعنيين بمستقبل كالينينجراد باتجاه تجاوز الازمة، وهو احتمال نمو التجارة مع الغرب نموا كبيرا.
وفي إطار حرصهم على تغيير صورة كالينينجراد إبان الحرب الباردة كموقع تسليح سوفييتي، يؤكد نواب مجلس الدوما الاقليمي الذي يتمتع باستقلال شبه ذاتي أن الجيب المتداعي أصبح الان "خاليا من الاسلحة النووية" ويتحدثون بحماس يشوبه الحزن عن مستقبل هذا الجيب باعتباره "هونج كونج البلطيق" - أي بوابة مفتوحة إلى سوق الاتحاد الروسي الكبيرة.
ومن أجل ذلك، وافقت حكومة موسكو على تحرير التجارة وعلى إقامة مناطق اقتصادية خاصة في كالينينجراد سعيا وراء اجتذاب المستثمرين الاجانب.
وحتى ألكسندر كوزنيتسوف عمدة كالينينجراد يتحدث بحماس أيضا عن خطط فدرالية لتحويل الجيب المنعزل إلى ميناء مدني قادر على استقبال ناقلات البترول العملاقة ليكون بذلك البوابة إلى الشرق الاقصى الروسي الغني بالنفط.
وقال كوزنيتسوف أنه من المقرر أن يبدأ خط عبارات يربط بين سان بطرسبرج وبلطيجسك وهامبورج في العمل اعتبارا من كانون الاول/ديسمبر القادم.
وإضافة إلى ذلك، أثار كوزنيتسوف احتمال تطهير الميناء حتى يمكن اجتذاب "السياحة البيئية" للمنطقة التي اشتهرت بأنها مستودع الاسلحة المهملة من العهد السوفييتي.
ورغم أن كالينينجراد لم تستقبل حتى الان سوى أقل القليل من الاستثمارات الاجنبية المباشرة وما يصفه الاتحاد الاوروبي "بنقص الاستثمار المزمن" من جانب روسيا، فقد بادرت الشركات في بولندا وليتوانيا -نظرا لقربهما جدا من الاقليم - بإقامة علاقات تجارية مع هذا الجيب الذي ينظر إليه باعتباره "بوابة خلفية قريبة" إلى الاراضي الروسية.
ولكن في إطار سعيهم للفوز بصفقات تجارية في معرض كالينينجراد السنوي العاشر مؤخرا والذي وصف بأنه الاكبر في تاريخ هذا الجيب، أكد رجال الاعمال من بولندا وليتوانيا وكالينينجراد على النقطة الجوهرية في نظرهم، ألا وهي ضرورة ألا تؤدي قوانين ولوائح الاتحاد الاوروبي الموسع إلى ترك أعمالهم في "جزيرة معزولة" عن العالم الخارجي.