السلطة الفلسطينية: اصلاح منهجي، ام مجرد مناقلات؟

بقلم: الدكتور أيوب عثمان

إن تثبيت المبادئ والمرتكزات والأسس، في مرحلة البناء والتكوين، أمر واجب وضروري حتى لا يقوم البناء على اعوجاج.
ونحن إذا كنا اليوم في مرحلة التكوين وإعادة البناء من جديد - ونحن حتماً كذلك - بعد أن دمر الاحتلال كل ما أنجزناه، فلنحسن، إذَنْ، إعادة البناء والتكوين، انطلاقاً من المبادئ والمرتكزات والأسس التي قد نجمع عليها جميعنا أو غالبيتنا . لقد بات من الإيجابية والواجب والتفوق على الجراح والذات أن نتعظ من الماضي، قريبه وبعيده، فنتفق على أننا لو كنا تداركنا أخطاءنا، فطوقناها في مهدها، لما تراكم أمامنا إرث كبير ثقيل بات يحتاج من جهدنا أضعافاً مضاعفة، لرَتْق جراحاتٍ غارت في جسدنا، ووقْف نزيفٍ ما يزال يتهدد بقاءنا وكياننا.
لقد بتنا اليوم في حاجة - أكثر من أي وقت مضى - إلى منهج جديد يترجم على أرضنا الفلسطينية وثيقة استقلالنا الوطني الفلسطيني، وإلى سلطانٍ قويًّ منطقي عادل مقتدر كفيّ، لا تحكمه لحظة من شطط، ولا تبعده عن الحق همسة مضلة من حربائي فاسد، أو رجاء من منافق أفاك، ولا تحرفه عن المصلحة الوطنية العليا لحظة من ذات، أو لحظة من فرح طارئ، أو نشوة ظفر آنية عارضة .
إننا نثق جيداً أن المآل المرير الذي بتنا جميعنا، اليوم - من قاعدتنا إلى القمة فينا - أسرى حبائله، قد بات يستحث كل مخلص غيور منا ليلقى حصاةً أو حجراً أو صخرةً في مائنا الفلسطيني الساكن فوق كميات هائلة من المتفجرات التي ينبغي لنا، اليوم، أن نحاول فهم أسباب وجودها، دون أن نسمح لها أن تنفجر في وجوهنا، فتقتل البعض منا، وتشوه البعض الآخر، فيما يستثمر انفجارها فينا أعوان أعدائنا ضدنا وضد أهدافنا الوطنية العليا، لاسيما وإن شعورنا اليوم بالسيادة على أرض وطننا ومقدراتنا وأهدافنا وقراراتنا، قد بات منحسراً إلى حد كبير جعلنا نحسٌ أو نرى أن وطننا قد صار كله لعدونا مستباحاً !
إذَنْ، هل نؤسس اليوم لمرحلة جديدة ذات منهج ونهج جديدين وفاعلين؟ هل نؤسس لمرحلة جديدة يجيد الحاكم فيها اختيار معاونيه ووزرائه ومستشاريه من فرسان الوطن الذي يرى شعبنا فيهم القدوة الحسنة له في الشرف والخبرة والكفاءة والنضال المنزه عن الأثرة وحب الذات؟ هل نؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الإنسان الفلسطيني مركزاً للوجود الفلسطيني ومستقبله؟ هل نؤسس لمرحلة جديدة تحاسب المرحلة السابقة بعقلانية وهدوء ومنطق وقانون لنقلع إلى المرحلة التي كنا ومازلنا في تحفز وتوق إلى الإقلاع صوبها؟ هل نؤسس لمرحلة جديدة تؤمن أن في النقد والمساءلة والمحاسبة تصحيحاً للمعوج، وامتثالا ً للصواب، وعصمة من الزلل؟ هل نؤسس لمرحلة جديدة تنكر على الحاكم أو المسؤول أن يضيق بالنقد والمساءلة؟ وهل نؤسس لمرحلة جديدة يتقدم الحاكم فيها ومعاونوه ووزراؤه ومستشاروه للمواطنين بجزيل الشكر والثناء أنهم يضعون المصلحة الوطنية العليا فوق الحاكم ومعاونيه ووزرائه ومستشاريه ،ذلك أنهم بما يوجهون من نقد ونصح إنما يسهمون في إصلاح الخلل في تصورات الحاكمين والمسؤولين ورؤاهم، فيقَوَّمون المعوج فيهم، قبل أن تنكسر قواهم وتتهشم عظامهم، فينكسر الوطن حين لا يفلح فيه جبر فيضيع منا ونضيع منه؟
لنكن من اللحظة، إذَنْ ،أصحاب إرادة قوية تتجه نحو التغيير الحقيقي والإيجابي بثقة يُلفِّعها التفاؤل والاستبشار والأمل، معتقدين بضرورة المراجعة النقدية الشاملة، فنصلح المعوج ونجتث الخبث والفساد والتفرد والذات، واضعين في الاعتبار أن القدوة الحسنة في كل أمر، دوما،ً هي الأساس الضروري الذي لن يكون في مُكْنتنا إنجاز أي تغيير أو إحداث أي انطلاق نحو مدينة المستقبل بدونه.
وحيث إن العلاقة بين أفراد شعبنا الواحد هي في الأصل علاقة جذريةً التحاميةً أصيلة، فإنه ينبغي لنا ألا ننسى أن هذه العلاقة قد تتحول - في سياق تطورها - مع حركة الزمن إلى واحد من مسارين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، وذلك ارتباطاً بالقدر الذي تتوفر فيه مجموعة من العناصر والسمات والكوادر التي تمثل نهجاً ومنهجاً لسلطة قيادية معينة تحافظ على نفسها ودورها واستراتيجيتها بنفس القدر الذي تحافظ فيه على سلامة الأداء العام لتحقيق المصلحة العليا للوطن.
إن من الطبيعي جداً أن يعمل كل الغيارى والمخلصين على أن تبقى العلاقة الحسنة بين شعبنا وقيادته إيجابية، دوماً، مهما كانت العواصف والأنواء، مع ضرورة العمل المتصل والمخلص على تطويرها وتمتينها. غير أنه من غير الطبيعي - أَلبتة - أن تصاب هذه العلاقة (الحسنة أصلاً) ولو بشيء من التوتر بين جزء من الشعب وقيادته، مهما كانت الأسباب المؤدية لذلك، فالجميع ينبغي له أن يتساءل عما يمكن عمله حال تحول هذا الشيء من التوتر إلى صراع محتدم ذي اتجاهات وتوجهات وآليات عمل تفرضها أفعال وردودها؟! لذا، فإن على الجميع أن يعمل جاهداً على تضييق الهوة بين وجهتي النظر المتباعدتين أو المتناقضتين، وهو أمر لا يتأتى إلا بوضع الأيادي على الوجع الذي أدى إلى اتساع هذه الهوة بين الشعب وقيادته أو بين القيادة والمعارضة، ومن ثم العمل على معالجة الخلاف، بالحوار الهادئ الهادف المسؤول والمبني على احترام الرأي والرأي الذي يخالفه، للحؤول دون اتساع الهوة واستشراء التوتر، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بالحكمة وسعة الدربة اللتين تقضيان بإسناد مهمة الحد من الخلاف -تمهيداً للمعالجة الجذرية- إلى غيارى أكفياء أقوياء شرفاء ممن يضعون المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.
فعلى الرغم من أن في إسرائيل معارضة قوية وكبيرة ومتشددة ضد السلام، إلا أن الضوابط القانونية وأصول العمل السياسي هي أقوى من الطرفين المتصارعين، مما يحول دون التصادم بين المعسكرين. فالضوابط القانونية وضوابط العمل السياسي هي التي تنظم الأمور بما يحقق سلامة الأداء وضبطه بمسؤولية عالية لا تمكن أياً من تجاوزها دون مساءلة أو محاسبة.
فكما أن الضوابط القانونية وركائز العمل السياسي في إسرائيل هي صاحبة اليد العليا في القول الفصل ،وهي التي تحول دون صدام بين السلطة والمعارضة، على الرغم من قوة الأخيرة وشدتها وتشددها، فإن الضوابط القانونية وأسس العمل السياسي المنظم هي التي يجب أن تضع بين القيادة الفلسطينية ومن يعارضها حدوداً يقف كلٌ عندها، فلا يتجاوزها، باعتبارها خطوطاً حمراء يوقع القانون على كل من ينتهكها فيتجاوزها عقوبات انتهاكها وتجاوزها.
فالمشهد الفلسطيني، على مدى ثماني سنوات منذ عودة القيادة الفلسطينية إلى أرض الوطن، وحتى يومنا هذا، يشهد تطوراً ملحوظاً في العلاقة السلبية بين السلطة والمعارضة بشكل خاص وبين الشعب وقيادته بشكل عام. وحيث إننا على يقين بأن أي تعزيز لمثل هذه العلاقة السلبية هو خسارة لن تكون إلا على حساب الشعب ومصالحه وحقوقه، فإن السلطة تظل مطالبة دوماً بضرورة الاستمرار في العمل على احتواء كل أشكال التوتر والسلبيات وإحالتها إلى انفراج وإيجابيات. فالسلطة التي هي - ولا غيرها - صاحبة القرار، ينبغي لها أن تفسح الميدان رحباً - بموجب القانون - لممارسة كل الأنشطة السياسية والوطنية من خلال الإيمان بالحق في حرية الفكر والرأي والتعبير والنشر والإعلام، دون الوصول إلى المواجهة والتصادم. أما المعارضة - سواء كانت هذه المعارضة معارِضةً لاتفاقيات السلام الموقعة أو للسلطة ذاتها -فينبغي لها أن تقول ما أرادت، وأن تعترض، وأن تطالب بالتصحيح - بموجب القانون - واضعة في الاعتبار دوماً الوضع السياسي المحلي والعربي والإقليمي والدولي. فمن يذهبون منا إلى أن قوى المعارضة الفلسطينية، لا سيما الإسلامية، هي قوى إرهابية وليست وطنية، إنما هم مُجْرِمون ومُجَرَّمون بقدر ما يحاولونه من حرف الأمور عن مواضعها ومنطلقاتها وأهدافها، ذلك أن كثيراً مما يقال في هذا السياق إنما يندرج تحت عنوان "كلمة حق يراد بها باطل"، فالوطن ليس ملكاً لأي أحد دون الآخر، بل هو ملك للجميع شارك الجميع في بنائه ويشاركون.
إن ادعاء أي منا بان الحرية في انتهاج ما يراه مناسباً من أساليب لتحقيق كسب سياسي، دون ربط ذلك بالسياق الوطني الشامل ،هو ادعاء بعيد عن العقل والمنطق والوطنية ،بقدر قربه من الأثرة وحب الذات والظهور، فلا السلطة حرة حريةً مطلقةً فيما تصنع دون الرجوع إلى الشعب، ولا المعارضة هي الأخرى حرة فيما تفعل إلا إذا كانت هذه المعارضة هي غالبية الشعب الذي ينبغي لقيادته أن تحترم إرادته فتستجيب لها ولا تتجاوزها، وإلا فإن الصدام يصبح أمراً حتمياً، وهو ما ينبغي للجميع أن يحرص على عدم حدوثه.
إن حسن سلوك السلطة وأجهزتها مع المواطنين هو أهم عوامل استقرارها، وأهم عوامل رضا المواطنين عنها، سواء كان بعضهم مؤيداً أو معارضا لها. إن الأداء السيئ لأي سلطة، أوتعسفها، أو استخدامها في غير مكانها من شأنه أن يدفع - بالتراكم - إلى خلق معارضة تتسع (أو تضيق) قاعدتها بحجم ما يلحق الوطن والمواطن من ضرر.
فالمعارضة ليست دائماً الأحزاب أو الاتجاهات المعارضة فقط، بل هي أيضاً أفراد وإن كانوا غير معارضين للسلطة، فربما يكونون غير منتمين لهذا الفريق أو ذاك، لكنهم أصحاب رأي مستقل، غير أنهم يقومون - تدريجياً وبالتراكم - من خلال متابعتهم ومراقبتهم بتكوين رأي سلبي في أداء ما للسلطة، مما يعني أن رأيهم السلبي هذا، ما كان ليكون كذلك، لو كان الأداء سليماً. فإذا ضاق صدر السلطة ذرعاً، بهذا الرأي السلبي في أدائها، فإن صاحب هذا الرأي السلبي الذي لم يتسع له صدر السلطة ربما ينتقل - بالتدريج وأيضاً من خلال تحفزه ومتابعته للمشهد - من معارضة فرد ما، لأداءٍ ما في السلطة، إلى معارض حازم لنهجها كله، ثم ربما ينتقل بفعل تراكم الأداء السلبي إلى معارضة جهوية. ومن هنا، فإنه ينبغي لكل غيور على الوطن ومصالحه العليا ومستقبله أن يعمل دوماً على اجتناب السقوط في خطأ التقدير والتخمين والتوقع.
إن من الخطأ - على سبيل المثال - أن تضع السلطة، وقت الأزمات، تقديراً لحجم اتجاه معارض على مستوى ما هو بادٍ لها في العيان، ذلك أنه قد ينضم - فجأة وبفعل التراكم- إلى هذا التقدير الظاهري كلُّ من ألحق به الأداء السيئ للسلطة ضرراً مباشراً، أو غير مباشر، أو مقصوداً، أو غير مقصود، سواء كان ذلك على المستوى الحياتي اليومي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الأدبي المتمثل في كرامته الشخصية كإنسان، أو في حرمة بيته أو ممتلكاته، فنفاجأ في يوم عصيب أن هناك جمهوراً ضخماً من المواطنين يقفون في صف المعارضة ضد السلطة.
إننا اليوم وفي هذه اللحظات العصيبة، نحتاج - أكثر من أي وقتٍ مضى - إلى وقفة موضوعية مع الذات، واضعين في الاعتبار أنه كلما تمكنا من تقييد الأنشطة السلبية التي تمس بالمواطنين، كلما تمكنا من توسيع القاعدة الشعبية. فالتقاء من يعارضون السلطة، من المواطنين ذوي الانتماءات الحزبية، مع المواطنين المستقلين ذوي المواقف والآراء المعارضة لأداء ما في السلطة، تشكل خطراً مستقبلياً ينبغي للسلطة أن تضعه في اعتبارها الوطني، وبإيجابية عالية. إن مثل هذا الخطر - إن لم تتنبَّه السلطة له بشكل إيجابي لا عدائي - قد يظل ساكناً، ودون حراك، إلى أن يجد لانفجاره ظروفاً ملائمة تفرزها تغيرات سياسية محلية أو خارجية، أو حالة غموض أو ركود أو تيه سياسي أو ما يمكن أن يُرى بأنه تهاون أمني ربما كان نتاجاً لتفريط سياسي.
والآن، وبعد أن رأينا ململة رسمية ضئيلة في اتجاه التغيير للإقلاع - حسب ما يتردد - نحو مرحلة جديدة تاق لها الشعب كله منذ سنوات، بعد أن ضاق ذرعاً بكل ما مضى إلى الحد الذي بات غير قادر على الاحتمال والانتظار، فإننا نتطلع إلى أن تتطور هذه الململة الضئيلة للمستوى الرسمي إلى الحد الذي يستجيب لتطلعات الشعب في تغيير جذري وحقيقي في المنهج والأداء، تغيير حقيقي أدواته كفايات وخبراتٌ وصلاحيات، وليس شكلياً أو عشوائياً أدواته فقط شخصيات وولاءات وجاهات وعائلات وعنتريات بلا كفايات ولا تاريخ ولا خبرات. وعليه، فإن التغيير الجوهري الحقيقي المنشود الذي يعبر عن حالتنا ووجعنا وحاجتنا،عن دائنا ودوائنا، لن يتأتى إلاَّ إذا تحقق آلاتي:
1- التسليم رسمياً وعملياً بأن المجلس التشريعي في الكيان الفلسطيني هو المؤسسة الأهم والتي لا يمكن تجاوزها، والتي ينبغي لرئيس السلطة التنفيذية ألا يتجاوزها أو يعطل قراراتها، وأن يحترم التشريعات والقوانين التي تنظم العلاقة بين عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية.
2- التزام رئيس السلطة التنفيذية التزاماً كاملاً بوثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني، وفي حدود الصلاحيات المحددة له من المشرع إلى أن يصبح العمل بموجب الدستور الفلسطيني ممكناً، مع العمل على سرعة إنجازه.
3- بعد المصادقة على قانون استقلال القضاء، ينبغي العمل بسرعة رشيدة على تفعيل مجلس القضاء الأعلى لتحقيق إصلاح الجهاز القضائي.
4- الشروع في اتخاذ الإجراءات الصارمة التي تكفل عدم الخلط في الصلاحيات على قاعدة الفصل بين السلطات.
5- عدم جواز حضور السلطة التشريعية أو من يمثلها، أو المؤسسة العسكرية أو من يمثلها، أو اللجنة التنفيذية أو من يمثلها، اجتماعات مجلس الوزراء الدورية.
6- عدم جواز الجمع بين عضوية اللجنة التنفيذية وأي منصب آخر، وذلك إعمالاً للمادة (15) من نظام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تنص على أن أعضاء اللجنة التنفيذية هم متفرغون.
7- وإن كنا لا نرى ضرورة للجمع بين المنصب الوزاري والمنصب النيابي في المجلس التشريعي، تأسيساً على قاعدة الفصل بين السلطات، فإننا نعتقد - في سياق حالتنا الفلسطينية ورغبتنا الحقيقية للتغيير الجوهري - بمدى أهمية تقليص عدد النواب الذين هم الوزراء إلى ما لا يزيد عن النصف في حكومة جديدة لا يزيد قوامها على خمسة عشر وزيراً، لا سيما وإن مجموع أعضاء المجلس التشريعي هم ثمانية وثمانون، وذلك حتى لا يختل التوازن لصالح السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية وهو ما أكد على خطورة حدوثه مونتسكيو في كتابه "روح القوانين"، ونشير هنا إلى كثير من جلسات المجلس التشريعي التي لم يتجاوز عدد الحضور فيها بعد افتتاحها على ربع مجموع النواب في أحسن الأحوال.
8- العمل بقوة وفاعلية عقلانية - على المستوى المحلي والعربي والإقليمي والدولي -على تجاوز كل المعيقات التي تحول دون إجراء الانتخابات، مع ضرورة الشروع الفوري بدارسة هذا الأمر ووضع جداوله وبرامجه وآليات إنجازه.
9- الشروع الفوري باتخاذ الإجراءات الجذرية التصحيحية ليس استجابةً لإملاءات إسرائيلية أمريكية أو مقترحات خارجية، وإنما انطلاقاً من الحاجة الفلسطينية.
10- حجب الثقة عن الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة جديدة تستجيب لمتطلبات المرحلة الجديدة، وذلك بإجراء التغيير الجوهري في المنهج والنهج والهيكلية والبنية والشخصيات والوظائف على مستوى المسميات والمواصفات، مع محاكمة كل ما ساد السلطة ووزاراتها وأجهزتها من أخطاء أو جرائم في المرحلة السابقة.
11- أن يكون الوزراء من الفلسطينيين الشرفاء الأنقياء الأقوياء الأكفياء لا الدخلاء، وأن يكون الجهاز الأمني خادماً للمواطن وساهراً أميناً على مصلحة الوطن.
12- اعتماد مبدأ المبادرة في التحرك، فلا يظل تحركنا رهناً بتغيرات سياسية، أو رهناً بما يمارس علينا من ضغوط، أو بما يصلنا من مقترحات، أو يوجه إلينا من إملاءات.
13 -إقرار مبدأ: "من أين لك هذا؟"، انطلاقاً من الشفافية والمحاسبة والمساءلة، لبلورة سياسةِ ترشيد الإنفاق العام، وترشيد استيعاب الطاقة البشرية على نحو يحقق المصلحة العليا للوطن.
14- تقليص الوزارات وذلك بإلغاء بعضها ودمج الآخر مثل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية (وتشمل شؤون العاطلين عن العمل والأسرى والمحررين وأسر الشهداء)، ووزارة الصحة والبيئة، ووزارة الأشغال العامة والإسكان، ووزارة المواصلات والاتصالات، ووزارة التربية والتعليم والثقافة (على أن تقوم الهيئة العامة للاستعلامات مقام وزارة الإعلام)، ووزارة المالية والاقتصاد والتخطيط، ووزارة التجارة والصناعة والتموين، ووزارة الداخلية والشؤون المدنية والحكم المحلي...إلخ.
15- أن يعترف المقصرون من الوزراء - ومعظمهم كذلك - بفشلهم أمام أنفسهم، ذلك أن الوطن أغلى من أن يظل الفاشلون على كراسيهم الوثيرة متربعين، ونقول في هذا السياق أنه كان الأجدر بالوزراء الذين فشلوا أو أخطأوا أو قصروا أن يأخذوا من الرئيس مثلاً حين أعلن بصراحة وشجاعة عن تحمله مسؤولية الأخطاء، ليعلنوا هم أيضاً عن تحملهم مسؤولية الفشل والتقصير أو الخطأ. هذا، وإن علينا أن نتوقف عن الادعاء بأننا فشلنا لأسباب تتعلق بالاحتلال، وهذا جزء من المراجعة النقدية المطلوبة الآن.
16- إعادة الاعتبار للأهمية التي كان يحتلها البعد العربي الجماهيري في القضية الفلسطينية.
17- إجراء حوار وطني نقدي شامل يستوعب كل الجهات والتوجهات الفلسطينية المختلفة لتقويم أوضاع المرحلة السابقة والخروج بورقة عمل وطني تستجيب لمبدأ الشفافية والمحاسبة والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وإلزام الرئيس والمرؤوس بالاحتكام إلى القانون على حد سواء.
18- إحداث التغيير الجذري في القطاع الأمني الذي أساء في أدائه إلى سمعة أجهزته وقياداتها، وإلى الوطن وقيادته ومواطنيه.
19- مراجعة ما تم في المرحلة السابقة من تعيينات عشوائية في الوظائف الحكومية العليا، وإحداث التغيير الجوهري والجذري في منهجية إشغال الوظائف العليا من خلال وضع معايير جديدة تتحقق من خلالها العدالة، بعيداً عن المفاضلة لأسباب لا علاقة لها بالفنية أو التخصصية أو المهنية، وذلك على قاعدة وضع الرجل المناسب في المكان الذي يستحقه ويبدع فيه.
20- أن تكون التنمية نتاجاً لخطة تنموية شاملة تبتعد عن التحيز، وتراعي العدالة والمساواة والتوزيع الجغرافي السكاني والتوازن الجهوي.
21- أن يقوم المجلس التشريعي وهيئة الرقابة العامة بتشكيل لجان نزيهة لمراجعة وفحص الموازنات العامة لمؤسسات السلطة، مع التركيز على الأمنية والبلدية منها.
22- تحريم وتجريم استغلال الموظفين الرسميين لمواقعهم السياسية أو الإدارية أو القيادية في تحقيق مكاسب شخصية، مادية أو معنوية.
23- التأكيد على المنهجية الديمقراطية في أسلوب الحكم والإدارة والممارسة الشعبية، وإطلاق حرية الرأي والتعبير.
24- الاهتمام بأهمية وضرورة خلق التفاعل بين السلطة ومواطنيها، وذلك بتمكينهم من الحصول على المعلومات الدقيقة عبر مختلف وسائل الإعلام من صحافة ووسائل اتصال، وكذلك تمكينهم من التعبير عن آرائهم وأفكارهم وتطلعاتهم بكل حرية، وذلك للإسهام في تكوين رأي عام مستنير ومسؤول.
25- ترتيب العلاقة بين المعارضة والسلطة باعتبار ذلك خطوة لترتيب أوضاع البيت الفلسطيني الداخلي على قاعدة الهم الوطني المشترك، وإلغاء - بل محاربة - فكرة أن من يعارض السلطة السياسية إنما يعارض مصلحة الوطن، بالضرورة.
وبعد، فهل ننوي الآن إحداث تغيير جوهري وفعلي؟ فإذا كان ذلك كذلك بالفعل، فهل نرى الآن أن المعركة قد انتهت، لا سيما وإن الرئيس عرفات هو القائل دوماً إن من الخطأ أن يغير القائد فرسانه أثناء المعركة التي يؤمن الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه أنها (أي المعركة) ماتزال مستمرة، وستبقى كذلك ما بقي الاحتلال، فهل بدأ الرئيس عرفات يسلك الآن نهجاً جديداً هو الحديث عن التغيير مع النية المعقودة على عدم إحداثه؟
وآخر الكلام، فإذا كان هذا التغيير الذي يجري الحديث الآن عنه، وعلى مدار الساعة، تغييراً بقصد التغيير، ذراً للرماد في العيون، لتبريد المشاعر وتهدئة الخواطر وحرف التفكير عن مساره، فإننا نفضل أن تبقى الأمور على ما كانت عليه، ذلك أن إِبقاء الأمور على ما كانت عليه هو في الحقيقة مجلبةٌ لحسنةٍ واحدةٍ - على الأقل - وهي ما عبر عنهايهد باراك بقوله "إن المؤسسات والقوانين كالأحذية العتيقة التي كلما استعملناها أكثر شعرنا براحة أكبر"، وهو ما يميل إليه ياسر عرفات، أو يفضله , على ما يبدو ! الدكتور أيوب عثمان
رئيس "جمعية أساتذة الجامعات - فلسطين"
أستاذ الأدب الإنجليزي والنقد المساعد - جامعة الأزهر، غزة