زمان الوصل، بين نجم وحيد والشاطئ الآخر

بقلم : أحمد فضل شبلول

في روايته السابقة "نجم وحيد في الأفق" المنشورة عام 2001 يذهب بطل رواية محمد جبريل وراء نجمه، ويختفي من حي بحري بالإسكندرية، بعد أن أعدَّ قاربه، وجهَّز نفسه روحيا وبدنيا للرحلة، ربما يُشفى من أمراضه النفسية والروحية والعضوية، وتنتهي الرواية بأن يصبح العالم الأرضي ـ حي بحري على وجه التحديد ـ بالنسبة للبطل مجرد ملامح باهتة تذوي من الذاكرة حتى تغيب تماما.
وتبدأ رواية محمد جبريل الجديدة "زمان الوصل" بالتالي: "ميناء الإسكندرية يبتلعه الأفق. الحزن والقلق والخوف والترقب، ومشاعر أخرى ألزمته الصمت، فاكتفى بالتطلع إلى الخط الرمادي، حتى غاب تماما". إنه يتجه إلى دنيا غير الدنيا التي ألفها وكرهها. لقد توالت الأيام، فالأشهر، على آخر رؤيته للإسكندرية في وقفته على الباخرة. نقاط ضوء، صغرت، وذوت، ثم تلاشت.
وكأن الروايتين متصلتان على نحو ما، فالنجم الوحيد يسلمنا لزمان الوصل، حيث يعود هاشم بطل زمان الوصل مرة أخرى إلى بلدته الإسكندرية، بعد غربة ثمانية عشر عاما. (الناس الذين خلفتهم منذ ثمانية عشر عاما، في رحلتي الأولى، ومنذ عشرة أعوام، قبل أن تنقطع زياراتي المتباعدة، لم يعودوا هم). فهل شُفي بطل "نجم وحيد في الأفق" وعاد ليطل علينا من خلال "زمان الوصل"، ويحكي لنا ما لاقاه وعاناه في غربته، في أول عشرة أيام يعود فيها إلى حيه الأثير، حي بحري بالإسكندرية؟
وفي روايته الأسبق "الشاطئ الآخر" المنشورة عام 1996 يستأجر الطالب المثقف حاتم رضوان غرفة في شقة عائلة يونانية بالإسكندرية، ويعيش معها، ويقع في حب "ياسمين" ابنة هذه العائلة، ولكن تهجر تلك العائلة مصر عائدة إلى اليونان، مع هجرة الأجانب من البلاد، وخاصة بعد الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956. وفي روايته الجديدة "زمان الوصل" يسافر هاشم ـ الشاب المثقف ـ إلى ميناء بيريه باليونان، والذي يحيا على البحر، مثل حي بحري، ويعمل في دكان العجوز اليوناني ميخاليدس ويتزوج من ابنته كريستينا.
ولعل ما يشي بقوة الرابطة ـ التي نراها ـ بين الروايتين "الشاطئ الآخر"، و"زمان الوصل"، أن العجوز اليوناني ـ في زمان الوصل ـ ولد بحي العطارين في الإسكندرية، في أيام سعد باشا، وترك البلاد في أيام عبد الناصر، بإرادته، حيث نراه يقول لهاشم: (عدت بإرادتي .. كانت الظروف قد تغيرت). وأن الشقة التي استأجر بطل الشاطئ الآخر، حاتم رضوان، حجرة فيها، كانت هي الأخرى في حي العطارين، ولعلنا نذهب إلى أن الفتاة اليونانية التي أحبها حاتم في "الشاطئ الآخر"، وهاجرت مع الأسرة، هي الفتاة اليونانية كريستينا ابنة العجوز ميخاليدس، التي تزوجها هاشم في "زمان الوصل". ولعل اختيار عبارة "زمان الوصل" عنوانا للرواية، يشي بعودة زمان الحب بينه وبين فتاة "الشاطئ الآخر"، ليلتقيا مرة ثانية، ويتزوجا في "زمان الوصل".
إن محمد جبريل، من خلال قراءتنا للروايات الثلاثة: الشاطئ الآخر، نجم وحيد في الأفق، زمان الوصل، يقدم لنا ثلاثية روائية، متتابعة، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي للثلاثية كما نجده على سبيل المثال عند نجيب محفوظ في الثلاثية المشهورة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) حيث التراتب المنطقي للأحداث، والزمان أيضا، فيما يعرف باسم رواية الأجيال، أو الرواية النهرية، أو الكتابة الخطية للأحداث، التي تسير في خط تصاعدي، من المنبع إلى المصب. وحيث أيضا تختلف ثلاثية جبريل التي أشرنا إليها عن مفهومه للروايات المتتابعة التي تشكل نهرا واحدا متدفقا، كالنهر الذي قدمه لنا في رباعية بحري (أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، علي تمراز).
هنا في الثلاثية الجديدة نرى تراتبا نفسيا، في المقام الأول، فالبطل العاشق للفتاة اليونانية المصرية المهاجرة، في "الشاطئ الآخر"، يتعرض لأزمات نفسية وروحية، يظن البعض أنها عضوية، فينصحه أحد المشايخ بالسفر للبحث عن نجمه، فيغادر الإسكندرية، في "نجم وحيد في الأفق"، ويتجه ـ من حيث لا يدري ـ إلى اليونان، ويعثر على فتاته "كريستينا" فيتزوجها في "زمان الوصل".
ولكن هل تنتهي الثلاثية عند هذا الحد؟ إن إنتاج محمد جبريل مثل النهر الدافق الذي لا تنتهي ماؤه، أو مثل البحر الذي لا تنفد أمواجه. فهو عندما يعثر على كريستينا ويتزوجها، نظن أن أزمة البطل قد انتهت، ولكن هيهات، إن أزمته النفسية تطل من جديد، فالحنين يعاوده إلى مصر، وإلى حي بحري على وجه التحديد، فيفكر في العودة النهائية، ولكن العقدة الجديدة في الثلاثية، أن كريستينا، ترفض العيش مع زوجها في الإسكندرية، ويدور الحوار التالي:
ـ لا بد أن أعود إلى الإسكندرية ..
ـ لا بأس .. سأنتظرك حتى تعود ..
ـ قد لا أعود!
في بساطة حاسمة، أذهلته:
ـ وأنا لن أغادر بيريه ..
ويعود هاشم بمفرده، لتبدأ وقائع الأيام العشرة التي كتبت فيها "زمان الوصل" حيث يعطينا عنوان الرواية مدلولا جديدا للوصل الذي نفترض هذه المرة، أنه التواصل مع الجذور، والحنين إلى الإسكندرية، (يا زمان الوصل بالإسكندرية) مسقط رأسه، ومرتع صباه. ويعطي المؤلف عنوانا لكل فصل على حدة، بعدد الأيام العشرة، فالفصل الأول هو اليوم الأول، والفصل الثاني هو اليوم الثاني، وهكذا، إلى أن نصل إلى الفصل العاشر والأخير، وهو اليوم العاشر، وعلى الرغم من أن التقسيم تقسيم زمني كما نرى، إلا أنه من ناحية أخرى يشي بدلالات نفسية، حيث يكون اليوم مزيجا من أحداث واقعية ونفسية لليوم نفسه، وعودة (فلاش باك) حيث يستحضر هاشم طرفا من ذكرياته ومواقفه قبل أن يغادر الإسكندرية، سواء مع والده رمضان السعدني، أو مع أخوته أو أصدقائه، أو الفتاة لطيفة التي كانت تسكن في الشقة المقابلة قبل أن تنتقل عائلته إلى شقة أخرى تطل على مقام سيدي منصور، ويستحضر أيضا طرفا من ذكرياته والمواقف التي تعرض لها بعد مغادرته للبلدة، سواء في الباخرة التي سافر عليها، أو في ميناء بيريه، وعلاقته بالعجوز اليوناني وكريستينا.
ومن تقنيات الكتابة والنشر التي أحسن محمد جبريل استخدامها في هذه الرواية، كتابة أجزاء الفلاش باك، بخط مائل إلى اليمين قليلا، تمييزا لها عن الأجزاء التي تدور في اللحظة الآنية، في زمن الرواية. وهي تقنية لم نشاهدها في رواياته السابقة، وهي في رأيي مهمة، لأنها تساعد القارئ على الفصل بين زمنيّ الرواية، فلا يحدث هذا الخلط الذي قد يقع فيه القارئ أحيانا، فلا يدري في أي زمان روائي هو، ولعل خبرة الكاتب في استخدام جهاز الكمبيوتر وإمكاناته، ساعدته على استخدام هذه التقنية بنجاح، قبل طباعة الرواية.
وربما نقرأ ـ قريبا ـ جزءا رابعا لهذا الثلاثية، بعد عودة هاشم واستقراره في الإسكندرية، لنتعرف إلى أين ستقوده خطاه مرة ثانية، وهل سيستطيع أن يبتعد عن كريستينا، ويعيش بمفرده، أم أن كريستينا ستأتي إليه، وتعيش في الإسكندرية، مثلما عاش أبوها الخواجة ميخاليدس من قبل في حي العطارين.
إنها مرة أخرى العلاقة مع الآخر الغربي، أو المتوسطي، ترى كيف سيرصدها محمد جبريل ويؤرخ لها فنيا، في أعماله القادمة؟ أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية