الناقد الأدبي الإلكتروني يقول كلمته النهائية

بقلم : أحمد فضل شبلول
الحكم الفصل.. الرقمي

منذ أن كتب نجيب محفوظ رائعته الروائية "أولاد حارتنا" في نهاية الخمسينيات، وحتى الآن، والجدل حولها لا ينتهي، وما من مناسبة يأتي فيها ذكر هذه الرواية إلا وتنقسم الآراء حولها، ما بين مؤيدٍ لوجهة النظر الفنية أو الرمزية التي استقاها الكاتب من وحي الديانات المختلفة للتعبير عن ولادة البشرية وبداية الصراع بين الخير والشر وتطوره في جميع العصور والأزمان، وبين معارضٍ لها على اعتبار أن بها تطاولا على الذات الإلهية وتهكما على الأنبياء والرسل. وقد قام علماء الأزهر الشريف بالقاهرة بإصدار فتواهم حول الرواية بعد أن نُشرت مسلسلةً في جريدة الأهرام عام 1959 وتم رفع أمرها إلى رئيس الجمهورية وقتها، الرئيس جمال عبد الناصر، الذي منع نشرها في كتاب داخل مصر، لكنه من ناحية أخرى لم يمانع في شأن طباعتها خارج حدود مصر، وعلى الفور قامت دار الآداب ببيروت بطباعة الرواية التي اعتقد البعض أنها وراء فوز الكاتب الكبير بجائزة نوبل للآداب عام 1988 مع أن تركيز لجنة الجائزة كان على ما أنجزه الرجل من تطوير اللغة في الفن الروائي، وأشارت إلى الثلاثية وثرثرة فوق النيل (كما جاء في حيثيات الفوز). وبعد إعلان فوز نجيب محفوظ بالجائزة العالمية نشطت الأقلام مُجدَّدًا للكتابة عن هذه الرواية، فأصدر الشيخ عبد الحميد كشك كتابا عنوانه "كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا" أعقبها نشر كتاب اليوم الذي يصدر عن مؤسسة أخبار اليوم بالقاهرة كتابا عنوانه "حكاية أولاد حارتنا" وبه ثلاث مقالات طوال لكل من الشيخ الدكتور عبد الجليل شلبي، والدكتور سمير سرحان، ومحمود أمين العالم. ثم أصدر عبد الله بن محمد بن ناصر المهنا كتابا عنوانه "دراسة المضمون الروائي في أولاد حارتنا" وصمت بعض النقاد نهائيا عن الحديث عن تلك الرواية.
ترى لو عرضنا الأمر على ناقد محايد لا يعرف من هو نجيب محفوظ، ولا يعرف ملابسات الرواية ولا قرار منع طباعتها في مصر، ولا شيء عن الضجة التي أثارتها وانقسام الناس حولها ما بين مؤيد ومعارض .. ترى ماذا يقول هذا الناقد؟
وهل بالفعل نستطيع أن نجد ناقدا يحمل القيمة النقدية المطلقة للعمل الأدبي أو الفني الذي يمارس نقده؟
للإجابة عن مثل هذا السؤال يجب أن نتأمل العالم من حولنا، ونرى تطوره التكنولوجي والتقني الذي يقفز بأسرع من لمحات البصر، فبعد التطور العظيم الذي حققته أجهزة الكمبيوتر الشخصية، وبعد النجاح الهائل الذي حققه المبرمجون ـ ولا يزالوا ـ من الممكن لي أن أطلب من أحد الأصدقاء المبرمجين تصميم برنامج يطلق عليه اسم الناقد الإلكتروني، يكون من أهم وظائفه تحليل اللغة التي يستخدمها الأديب في عمله، وتحليل الحوار سواء كان باللغة الفصحى أو العامية، وتحليل الشخصيات الواردة في هذا العمل، بل ومقارنتها بشخصيات متشابهة في أعمال أخرى وتحليل الأحداث تحليلا فنيا أو بنيويا وتحليل الصراع الإنساني داخل العمل، وما إلى ذلك. وعندها نستطيع أن نرى أنواع التناص الأدبي أو مقدار التأثير والتأثر (ولا نقول السرقة) بين عمل إبداعي وآخر، وفي أكثر من لغة.
ولاشك أن مثل هذا البرنامج سيسهم إسهاما فعالا في الكشف عن قيمة العمل الإبداعي، فبعد أن أعرض عليه رواية "أولاد حارتنا" على سبيل المثال، فإنني بالتأكيد سأتلقى رسائل أدبية نقدية منه، تضع تلك الرواية في مكانها الصحيح على خريطة الرواية العربية والعالمية، دون أدنى تحيز أو انفعال.
وبما أنه لدينا أكثر من نوع من أنواع الكتابة الأدبية أو أكثر من جنس أدبي (شعر، قصة قصيرة، مسرحية، رواية، مقال أدبي، مقال نقدي ..الخ) فإنه من الممكن لأصدقائنا المبرمجين أن يقوموا بتصميم برنامج خاص لكل نوع أدبي، ذلك أن المواصفات المطلوبة لبرنامج نقد الشعر ستختلف بالتأكيد عن المواصفات المطلوبة لبرنامج نقد الرواية، فالشعر يحتوي على موسيقى وأوزان وتفعيلات وبحور شعرية بسيطة ومركبة، ولغته الفنية تعتمد على الإيحاء والتكثيف والرمز، بطريقة أكثر إثارة من القصة القصيرة على سبيل المثال، ومن هنا فإن تصميم البرنامج الخاص بالشعر، على سبيل المثال أيضا، يجب أن يختلف عن برنامج الرواية أو القصة .. وهكذا.
غير أنه في جميع الأحوال يجب أن يكون هناك تراكم معرفي وخبرة تذوقية، وإذا كانت شبكة الإنترنت العالمية تستطيع تحقيق التراكم المعرفي، فكيف لها أن تحقق الخبرة التذوقية؟ (سؤال أوجهه للزملاء المبرمجين).
***
أيضا يفيد برنامج الناقد الإلكتروني المقترح في اكتشاف السرقات الأدبية، وفي الكشف عن علاقة النص الأدبي بغيره من الأعمال الأخرى التي سبقته، أو المعاصرة له، فإذا كان سيناريو فيلم "النوم في العسل" للسيناريست وحيد حامد ـ على سبيل المثال ـ مأخوذا من رواية "وقائع حارة الزعفراني" لجمال الغيطاني، وإذا كانت قصيدة نزار قباني "مع جريدة" مأخوذة من قصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير، فإن برنامج الناقد الإلكتروني من الممكن بسهولة بعد عرض سيناريو الفيلم ورواية الغيطاني عليه، وبعد عرض النص العربي لقصيدة نزار والنص الفرنسي لقصيدة بريفير أن يقول كلمته بطريقة محايدة تماما، وبدون أدنى مجاملة أو هوى أو مصلحة شخصية، وقد يكتشف البرنامج أن الغيطاني أخذ فكرة روايته من نص آخر، سواء كان عربيا أو أجنبيا، وقد يكتشف أيضا أن بريفير أخذ فكرة قصيدته من شاعر آخر معاصر له سواء كان فرنسيا أو من جنسية أخرى، وهكذا يقول الناقد الإلكتروني كلمته النهائية التي لا تقبل الطعن أو التزوير.
إن هذا البرنامج من الممكن أن يفيد عملية البحث العلمي، ويفيد الحركة النقدية في العالم كله إفادة عظيمة، لذا فإنني أطالب أصدقاءنا المبرمجين أن ينشطوا في هذا الاتجاه الذي سيكون له أبلغ الأثر في إيقاف علمية السطو الأدبي على جهود الآخرين، وبخاصة في مجال الرسائل العلمية من ماجستير ودكتوراه حيث لوحظ في العقود الأخيرة ارتفاع نسبة سرقة الرسائل العلمية والأبحاث الأدبية.
أيضا من الممكن لبرنامج الناقد الإلكتروني أن يحدد مستوى العمل الإبداعي المرسل للناقد (البشري) عبر البريد الإلكتروني، فبالتأكيد هناك حد أدنى لجودة العمل الأدبي أو الفني، وبالتأكيد هناك حدود فاصلة بين كل جنس أدبي وآخر. ومهما بلغت درجة تأثر الآداب والفنون ببعضها البعض، أو تداخلها مع بعضها البعض، فيما يسمى بـ "عبر النوعية"، فلابد من ضوابط معينة. هنا من الممكن للبرنامج بعد تغذيته ببعض القواعد النقدية، وبعض المعلومات أن يقرر استقبال عمل ما لأنه يستوفي هذه الشروط، أو يقرر عدم استقباله لأنه دون الحد الأدنى، وبالتالي فإن هذا البرنامج يساعد الناقد في الاختيار، وفي وضع حد أدنى لجودة العمل الذي سيتعامل معه عبر البريد الإلكتروني، إما بقراءته على شاشة جهازه أو بطباعته على الورق.
وفي تصوري فإن برنامج الناقد الإلكتروني لن يفحص المؤلفات أو النصوص الأدبية أو النقدية فحصا تافها أو هزيلا أو ركيكا، وليس في مقدوره أن يفعل ذلك، فهو لا يعتمد على المزاج الإنساني أو مزاج الناقد الشخصي، ولا على الأهواء التي تثيرها المشاحنات الفكرية.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك هو: هل سينتهي النقد الإلكتروني إلى نوع من الاستبدادية الإلكترونية ـ إن صح التعبير ـ وبالتالي فقدان حرية الناقد (البشري) الذي سيعتمد اعتمادا أساسيا على مخرجات هذا البرنامج ونتائجه في استكمال الرحلة النقدية؟ وهل سينتهي هذا النقد إلى نوع من الصلابة المعرفية التي تتيحها الشبكات العالمية؟ حيث إن المعلومة المقدمة ستظل كما هي دون محاولة تمحيصها واكتشافات دلالات معرفية أخرى حولها؟ أو كما هو في علم الحساب 1+1= 2 دون محاولة ابتكار آفاق معرفية جديدة والاكتفاء بما تقدمه الشبكات من معلومات؟
لا أعتقد حدوث ذلك لأن الإنسان الذي اخترع الأجهزة الإلكترونية، وتوصل إلى الشبكات العالمية لن يقف طموحه وإبداعه عند حدود، فهو دائم التجدد، دائم الإبداع، لا يركن إلى نمط واحد، بل إن الديمقراطية المعرفية التي تتيحها شبكة المعلومات ستجعله يبحث دائما عن الجديد. ونأمل أن يكون الجديد دائما في صالح الإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية