اغتيال نجل الأمين العام للجبهة الشعبية ـ القيادة العامة بين ضريبة الانتماء.. و كمائن الاعداء

بقلم: محمود سوداح

ثم يسقط شهيد آخر، قائد آخر، يؤبنه والده الأمين العام للجبهة الشعبية ـ القيادة العامة – أحمد جبريل بالأصالة عن نفسه، وبالنيابة عن رفاق دربه بتوثيق العهد أن لا خيار إلا استمرار المقاومة، وأن الشهادة حلم منشود على طريق النصر!
جهاد أحمد جبريل، سقط غدرا في بيروت، وكما أعلن والده الأمين العام للجبهة الشعبية ـ القيادة العامة- فقد تحقق حلم الشهيد الذي أسر به لوالده، اثناء اداءه لمراسم الحج، العام الماضي، بأن يشرفه الله بنيل الشهادة، فكان له ذلك.
لقد مثلت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة- منذ انطلاقتها مدرسة نضالية، تميزت فيها عن الآخر، بميزة الثبات على المبدأ. فالصراع مع العدو يحتاج إلى رؤوس خرسانية، لا تقبل مجانية تقديم القرابين على مذابح افتراضية من وهم الإعتقاد باحتمالات حل التناقضات الرئيسية بغير "الحسم " المطلق للأشياء، إن القبول بمنطق اختلال موازين القوى كان ولا يزال في عرف القيادة العامة، هو تغييب ومصادرة للثورة، وتبرير للاستكانة والخنوع وقبول بالوصاية. لقد أثبتت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، منذ بدايات انطلاقتها إيمانها بأهمية وحدة الصف الوطني الفلسطيني، فكان توحيد "الإداة" هدفا استولى على مجمل آليات التفكير لدى القيادة العامة التي مرت في تجارب عديدة تنشد تأكيد هذا الخيار، فكانت مباحثات الوحدة مع حركة فتح، ثم تجربة الوحدة مع شباب الثأر، وابطال العودة، التي انتجت ائتلافا اخذ فيما بعد اسم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".
ان فشل تطوير هذا الائتلاف، باتجاه صيغة وحدوية اكثر انسجاما، دفع بالجبهة الشعبية – القيادة العامة، وفي ظل رؤيتها لحجم التباينات والامتدادات على الساحة الفلسطينية المقاتلة، والتي كانت تسير الى استحالة الوصول الى وحدة الاداة الفلسطينية، قد دفع بالقيادة العامة الى تبني خيار تطوير عمل منظمة التحرير الفلسطينية كصيغة توافقية يمكن ان ترفع بدرجات التنسيق الفصائلي الى صفوف اعلى، وبتركيز اشد على وحدة الهدف، له الاولوية على وحدة الاداة.
ان حجم العبثية الذي سيطر على اوضاع منظمة التحرير الفلسطينية، وحدود الانغماس الرسمي الفلسطيني في مشاكل جانبية قد دفع بالقيادة العامة، الى شبه حالة من الطلاق بين القيادة العامة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهو طلاق سياسي كان قبل ان يكون طلاقا تنظيميا، باعتباره ترجمة للمسافة الشاسعة التي كانت تفصل بين خيارات القيادة العامة، وبين الخيارات التي كرستها قيادة م.ت.ف، كسياسة رسمية للمنظمة، التي باتت منذ ذلك الحين لا تقبل إلا الفصائل المروضة والمدجنة بالامتيازات الممنوحة من قبل الرئيس الفلسطيني.
في الجانب الآخر، فقد كان للتباينات السياسية في الصف الوطني الفلسطيني أن تنعكس بوضوح على فرز جديد للمواقع أدى إلى بروز إصطفافات فلسطينية متمايزة شكلت تموقعا واضحا بين موقفين متناقضين تجاه ما ساد الساحة الفلسطينية آنذاك من جدل واسع حول وهم او واقعية منطق التسوية مع العدو الصهيوني. وقد كان للجبهة الشعبية ــ القيادة العامة أن تشكل قطبا بارزا ومحوريا في الإصطفاف المناهض لسياسات ياسر عرفات التي أصبحت القطب التقليدي الراعي للتصالح والإعتراف.
لقد كان لتلك الإصطفافات أن تظهر بصورة أكثر وضوحا وجذرية أثر حرب أكتوبر عام 1973، حين طرحت بعض الفصائل ما اسموه آنذاك "البرنامج المرحلي الفلسطيني" وقد كان للجبهة الشعبية ـ القيادة العامة آنذاك موقفا واضحا اتجاه ما اعتبرته تخاذلا وقصورا في الرؤى السياسية القائمة على وهم الافتراض بقبول العدو الصهيوني للتسوية، ومنذ ذلك الحين بدأ الافصاح التدريجي عما يمكن أن نطلق عليه البوادر الخجولة الاولى في الإعلان الرسمي الفلسطيني الصريح بقبول فكرة ومنطق التعايش مع العدو الصهيوني والتنازل عن الحق في أرض فلسطين التاريخية.. وعلى ذلك فقد تشكلت منذ ذلك الحين جبهة فلسطينية واسعة أطلق عليها "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الإستسلامية" ولقد كانت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة قطبا مركزيا في ذلك التشكيل السياسي ـ العسكري الذي وللأسف لم يدم طويلا بفعل تذبذب بعض فصائله التي ثبت فيما بعد أنها كانت حالات اختراق سياسي في ذلك التشكيل.. وللمسألة في الراهن دلالة!
لقد انشغل الفلسطينيون آنذاك بحال واسع من الجدل حول مشروعية التفكير ومن ثم القبول بفكرة البرنامج المرحلي الداعي للتعايش والاعتراف بدولة للعدو في أرض فلسطين، وتجدر الإشارة هنا أن ذاك الجدل غالبا ما أخذ شكل الصراع المسلح والاقتتال الدموي الذي طالما سنلحظ تكرار محطاته في كل انعطافة تطرح فيها القيادة الرسمية افتراض التعايش مع العدو، وللمسألة هنا أيضا في الراهن دلالة!
ثم ينشغل الفلسطينيون مرة أخرى في حرب مجنونة على الساحة اللبنانية، وتخوض الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة دورا بارزا في الدفاع عن البندقية الفلسطينية التي وجدت نفسها في حال من الغرق الاضطراري في بحر دوامة العنف الذي امتد لسنوات على الساحة اللبنانية.. وتنتقد الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة ذلك الانشغال الفلسطيني بغير المعركة الاساسية.. وذلك التمركز الفلسطيني داخل المدن وهجرة الخنادق إلى الفنادق.. وكل سنوات الحرب ـ بمقدماتها ونتائجها ـ فقد انكفأ الفلسطينيون نحو "دوامة الانشغال بالحرب" فمرر "الأعدقاء" اتفاقيات كامب ديفيد على الجبهة المصرية بكل هدوء وسلام.
ثم يأتي الإجتياح الصهيوني عام 1982، ويصل شارون إلى بيروت فيحاصرها، ثم يفرض الاعداء من خلال فيليب حبيب، شروط مغادرة الفلسطينيين لبيروت، فترفض الجبهة الشعبية – القيادة العامة – (في الاجتماع الاخير للقيادة الفلسطينية) التوزع العسكري الفلسطيني باتجاه الشتات .. وتصر"على التمركز" في الجوار ايمانا بالاهمية الاستراتيجية لجغرافيا الجوار، لكن القيادة الرسمية تصر على تفتيت القوة الفلسطينية وتوزيعها الى المنافي ، في اليمن .. وليبيا .. والعراق .. والجزائر.. وللمسألة في الراهن دلالة!
ثم تأتي المحطة الثانية في حروب الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني على الساحة اللبنانية، وتكون"حرب طرابلس" عام 1983 بكل ما حملته من جنون .. ورعب.. ودم.. لتكون كما حذرت الجبهة الشعبية – القيادة العامة- آنذاك عدة مرات، المقدمة الضرورية لتبرير عودة عرفات الى القاهرة.. لتتوالى فيما بعد عودة العرب جميعا الى مصر، مصر المكبلة باتفاقيات وقيود التصالح الثنائي مع العدو.
لقد افترضت الضرورة ومن ثم منهجية الاجابة على التساؤل، لماذا الجبهة الشعبية – القيادة العامة – اعادة استنطاق بعض محطات الاحداث والمواقف في سجلات الجبهة الشعبية – القيادة العامة – وذلك للتأكيد ان الاختيار لم يكن عبثيا .. بل ان عملية الاغتيال لم تكن تختار الشهيد جهاد جبريل، الا لأنه يحمل في ذاته .. وفي انتماءه .. دلالة.. واية دلالة..
ـ لقد استهدف القائمون على فعل الاغتيال، محاولة توجيه ضربة للخيار الذي يمثله الشهيد، باعتبار ان المرحلة القادمة تستوجب اجهاض واسعاف كل الحلقات المحتملة لرفض الصياغات القادمة، و نكاد نجزم هنا ان اطرافا عديدة، قد بدأت و بشكل توافقي، مضاعفة جهود وترتيبات التنسيق فيما بينها بهدف تحقيق الهدف اعلاه، ان ما اعلنه احمد جبريل – الامين العام للجبهة الشعبية – القيادة العامة، من معلومات تؤكد حسب مصادره مشاركة الاجهزة الامنية الاردنية في عملية الاغتيال، انما تؤكد المهددات الفعلية لدور الاردن في المرحلة القادمة تلك المهددات التي تمثلت في اعلان الاردن حالة الاستنفار القصوى لقواته على الحدود مع فلسطين المحتلة لمنع أي تسلل فلسطيني مسلح تقول عمان ان الجبهة الشعبية – القيادة العامة – ممثلة بالشهيد جهاد جبريل تقف وراء محاولات التسلل تلك.
لقد اقدم الاردن منذ فترة على تقديم قرارات استخباراتية الى الكيان الصهيوني والولايات المتحدة شكوا فيها من ان جماعات فلسطينية معارضة للتسوية وتتخذ من دمشق مقرا لها قد بدأت بالاعداد لما اسماه الاردن العودة "الصاخبة" للفصائل باتجاه الاردن، مستفيدة في ذلك من حالة النهوض الشعبي في الاردن والداعم للانتفاضة في فلسطين.. لقد كان لتلك "الادعاءات" الرسمية الاردنية ان تنسجم و تتوافق مع تقارير لاجهزة امنية صهيونية تدعي ان "جهاد جبريل" هو المسؤول المباشر عن عمليات التنسيق مع حزب الله سواء ما خص العمليات العسكرية التي يقوم بها حزب الله في جنوب لبنان او ما خص عمليات "تهريب" السلاح الى الانتفاضة في فلسطين.
ان اتجاهات تلك التقارير الاستخباراتية كان لابد لها ان تلتقي مع الرغبة الامريكية في ضرب او تطويع كل طرف لا يتوافق مع صياغاتها القادمة للمنطقة. وعلى ذلك فانه يصبح من السهل قبول الاقرار بان عملية الاغتيال التي مست الشهيد جهاد جبريل انما تمت بتوافق اطراف عديدة وقد نجحت الان بعد ثلاث محاولات فاشلة في السابق كما اعلن الامين العام للجبهة الشعبية – القيادة العامة.
توازيا مع ذلك، فان اختيار جهاد جبريل كهدف للاغتيال في بيروت انما يحمل في طياته ايضا، احتمالات وافتراضات اخرى لا بد ان تكون قد شكلت للقائمين على عملية الاغتيال اهدافا لا تقل اهمية عن هدف التخلص من جهاد جبريل كقائد عسكري شاب شكل استمرار لمدرسة، وخيار "متعب" و"مقلق" للكثيرين: فاغتيال "جهاد" القائد العسكري و نجل الامين العام هو نوع من "التحرش" القائم على افتراض عدم صعوبة الاحتكام الى "المنطق الثأري" في الرد على "الاستفزاز" و بالتالي الدخول التدريجي في دوامة من الفعل ورد الفعل الذي سيؤدي الى حالة من الانشغال وهدر الوقت كآلية لشد انتباه وتفتيت جهد الكثير من الاطراف عما يصاغ للمنطقة و القضية الفلسطينية من "كمائن" على شكل ترتيبات واتفاقيات قد لا يكون من السهل تمريرها في أجواء، هادئة وعادية، و ذلك تشابها مع ما حدث عندما تم تفجير الاوضاع على الساحة اللبنانية كوسيلة الهاء واشغال عما تم آنذاك من اتفاقيات على الجبهة المصرية.. هذا دون ان ننسى استذكار ان شرارة الانشغال كانت قد بدأت انذاك بتحرش مماثل مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة – (هل هي الصدفة المجردة؟!) و ذلك حين تم التعرض واطلاق الرصاص في عين الرمانة على حافلة للقيادة العامة كانت تنقل مدنيين فلسطينيين اثناء عودتهم من المشاركة في احتفال بمناسبة الذكرى السنوية لانطلاق الجبهة الشعبية – القيادة العامة.
اذن الخشية تزداد من تكرار ذات السيناريو وعملية اغتيال جهاد جبريل ليست منفصلة عن سياق عمليات تسخين مماثلة كاغتيال إيلي حبيقة والعيراني و من يدري ماذا بعد؟ أما بيان تبني عملية الاغتيال و الموقع باسم "القوميين اللبنانيين" فليس الا دلالة استخباراتية تستهدف "التعويم" وحرف اتجاهات التحقيق الى المتاهة.
هي إذن ضريبة الاختيار، هي نقطة البدء في وعي الاتجاه، هي أصل الانطلاق في رحلة الإدراك، هي مرافقات فعل الثورة .. ولا غرابة او استثناء في استشهاد "جهاد" فوالده قد ماثله مع بقية شهداء فلسطين في أم العقارب وكريات شمونه، في جنين، وناتانيا والعفولة، هو واحد من مجموع قدموا الدم ولازالوا على الطريق.. طريق تحرير الأرض والانسان. محمود سوداح، صحفي فلسطيني يقيم في الجزائر soudahdz@hotmail.com