فرص هائلة للسياحة الجيولوجية في الاردن

عمان - من بشار الحنيطي
مايراه السائح في جبال الاردن لن يراه في جبال الالب او الهملايا

السياحة بالمفهوم التقليدي هي ان تشاهد اثارا تجسد حضارة ما، او اسلوب فني وابداعي لفن العمارة والتصميم لامم سلفت، او ان يستهويك قضاء وقت جميل في احضان الطبيعة بجمالها. ولكن هناك ثمة مفاهيم سياحية تجسد اثارا وشواهد طبيعية عمرها من عمر الارض استغرقت من الزمان اعمقه فحاك على مدار اربعة مليارات عام لوحات طبيعية تظهر التاريخ الجيولوجي الذي لم يسجل بواسطة مؤرخين وسجل فقط في الصخر.
ومنح الله الاردن مواقع تعد بمثابة المتحف الطبيعي لتاريخ الارض لما تحويه من شواهد ساحرة وواضحة لمعظم معالم الحقب التاريخية لعمر الارض. وهي قادرة على ان تخرجك من حاجز الزمان والمكان لترجعك مئات الملايين من السنين من عمر كوكبنا.
واجمع الجيولوجيون والمختصون الذين على اهمية ترسيخ مفهوم السياحة الجيولوجية واعتبارها ثروة وطنية تتطلب ضرورة رعايتها والاهتمام بها.
ويقول رئيس قسم الجيولوجيا في كلية العلوم في الجامعة الاردنية الدكتور عمر الريماوي ان الاردن يعتبر من الناحية الجيولوجية متحفا جيولوجيا متكاملا فهو من الدول المحدودة في العالم الذي تتكشف فيه صخور جميع الحقب الجيولوجية المتعاقبة حيث تظهر على سطح الارض صخور عصر ما قبل الكامبري (حقبة ماقبل ظهور الحياة اي ما قبل اكثر من 600 مليون سنة) كصخور جبال العقبة وبعض اجزاء من وادي عربة، وصخور حقبة الحياة القديمة وهي من 600 مليون سنة الى 200 مليون سنة كصخور جنوب راس النقب ومنطقة رم والديسة والمدورة، وصخور الحياة المتوسطة وهي من 200 مليون سنة الى 60 مليون سنة، والتي تغطي معظم اجزاء شمال منطقة النقب ومعظم المناطق الشمالية والشرقية من الاردن اضافة الى صخور حقبة الحياة الحديثة 60 مليون سنة وحتى الوقت الحاضر والتي تتكشف في المناطق المنخفضة ومعظم مجاري الاودية.
واضاف ان اكتشاف صخور الحقب الجيولوجية المختلفة في الاردن ساعد وبشكل كبير على جذب الدارسين والجيولوجيين وذوي الاهتمام منذ زمن بعيد حيث بدأ المهتمون والجيولوجيون بدراسة هذه الصخور منذ منتصف القرن التاسع عشر. واشار الى ان الوقت الحالي يشهد اهتماما بالغا من قبل الدارسين لجيولوجيا البترول في التعرف على خصائص الصخور المتكشفة في جميع المناطق، حيث يقوم قسم الجيولوجيا في الجامعة الاردنية وبالتعاون مع نقابة الجيولوجيين بتسيير العديد من الرحلات العلمية للمختصين في جيولوجيا النفط من الشركات العالمية في بريطانيا واميركا واوروبا بشكل عام.
وقال ان الاردن يحظى بالعديد من المظاهر الطبيعية الناتجة عن عمليات الحت الطبيعي التي ادت الى تشكيل الاودية العميقة والتي تتجه في معظمها باتجاه الغرب نحو البحر الميت وتظهر خلالها اشكال الحت المختلفة
وشلالات المياه المتدفقة بشكل طبيعي اضافة الى الصدوع التي تسبب الايزاحات المتباينة في نوعية الصخور المتجاورة وتساهم مساهمة فاعلة في تدفق المياه من خلالها.
واضاف ان الذي يلفت الانتباه في هذه المياه المتدفقة انها متباينة في نوعيتها من حيث الخصائص الكيميائية والفيزيائية الامر الذي يجعل هذه المياه ذات خصائص علاجية قيمة. واشار الدكتور الريماوي الى ان المملكة تحتوي على العديد من المناطق التي تتدفق فيها مثل هذه المياه الحارة والمعدنية والتي يمكن استغلالها في مجال ترويج السياحة العلاجية ومن اهمها حمامات عفرا والبربيطة وحمام ويدعة وينابيع وادي ابن حماد الحارة والمعدنية اضافة الى المياه المعدنية والحارة التي تتدفق في مناطق وادي الموجب ووادي الهيدان والزارة على شاطئ البحر الميت وحمامات زرقاء ماعين وحمامات الشونة الشمالية والحمة الاردنية في منطقة المخيبة.
وقال ان وفرة هذه المياه المعدنية الحارة ذات الخصائص العلاجية والطبوغرافية والجيولوجية والمناخية المتباينة وتدفقها في اماكن عدة يمكنها من ان تكون مناطق جذب للسياحة الجيولوجية والعلاجية على حد سواء.
ومن قسم علوم الارض والبيئة في الجامعة الهاشمية قال الدكتور احمد ملاعبة ان الاردن يتمتع بموقع جيولوجي وجغرافي متميز ويظهر ذلك من خلال التنوع في المظاهر الجيولوجية والصخور والتي تمتد اعمارها الى حوالي المليار عام وحتى العصر الجيولوجي الراهن، حيث يحتوي الاردن على الكثير
من الظواهر الجيولوجية النادرة وبالتالي ليس غريبا ان يقال ان الاردن يمثل متحفا جيولوجيا مفتوحا، الامر الذي يستدعي المحافظة عليها وحمايتها من الدمار والاستنزاف.
واضاف ان التميز الفريد للنظام البيئي غير الحيوي وخصوصا الغلاف الصخري من المعادن والصخور والتربة في الاردن يتطلب انشاء محميات طبيعية لحمايتها على غرار المحميات التي بدأت تتزايد في العديد من دول العالم وخاصة في الدول الاوروبية التي انشأت مع بداية التسعينيات من القرن الماضي العديد من المحميات والمتنزهات الجيولوجية اضافة الى المنظمات والجمعيات الحكومية والشعبية التي تهدف الى حماية الظواهر الجيولوجية. وقال ان العديد من المواقع الجيولوجية النادرة في الاردن تعاني من العديد من المشاكل البيئية مثل استخدام بعضها كمكبات نفايات سائلة وصلبة او لطرح الردم ومخلفات البناء واحيانا تستخدم خامتها لاغراض رصف الطرقات وركام البناء بالرغم من توفر بدائل اخرى مما يؤدي الى زوالها او تشويه
منظرها العام او فقدانها اهميتها وبالتالي ليس غريبا ان تزال وخلال ساعات او ايام بعض الشواهد الجيولوجية التي تشكلت خلال ملايين السنين من خلال عمليات الانشاءات والتعدين المختلفة الامر الذي يحتم ضرورة اعتماد هذه المواقع الجيولوجية كمحميات طبيعية للمحافظة عليها من اجل توفير مواقع سياحية طبيعية يمكن وضعها على خريطة الاردن السياحية اضافة الى فائدتها العلمية كمحطات لزيارة الباحثين والعلماء.
وقال ان المملكة تحتوي على العديد من الظواهر والمواقع الجيولوجية المتميزة المقترح وضعها كمحميات طبيعة ومن اهمها ظاهرة بركان الذروة في جنوب شرق الازرق حيث يمثل هذا البركان ظاهرة طبيعية فريدة في العالم بحيث انها لم تسجل لغاية الان في العالم العربي. كما ان هناك ظاهرة بركان الرماح الذي يقع بالقرب من قرية دير الكهف بالقرب من الحدود الاردنية السورية والذي يتميز بتراكيب وتتابعات نادرة والوان جذابة. وظاهرة عينات الستار والتي تظهر في بعض البراكين الواقعة في منطقة الحرة وخصوصا بركان الارتين الذي يقع بجانب قرية البشرية وبركان اشقف وعيرة على بعد 20 كم الى الشرق من الصفاوي حيث يوجد فيه قطع من صخور الستار القادمة من باطن الارض من اعماق تزيد عن 100 كم جلبتها الماغما معها اثناء صعودها الى سطح الارض ويصل طول العينة في محورها الاكبر اكثر من 30 سم الى حوالي متر وهي صفة نادرة لم تسجل في البراكين العالمية الاخرى.
واضاف ان من اهم الظواهر والمواقع الجيولوجية المتميزة التي يقترح وضعها كمحميات طبيعية في المملكة ظاهرة الانفاق البركانية والتي هي عبارة عن انفاق طبيعية تحت ارضية ناتجة عن الانسيابات البازلتية حيث يتوفر في المملكة اكبر الانفاق على مستوى المنطقة ككل والتي يمتد بعضها الى مئات الامتار من اهمها نفق البشرية وظاهرة الصخور الرملية في وادي رم (وادي القمر) الواقع في جنوب المملكة والذي يتميز بمظهر طبيعي رائع وساحر ناتج عن الالوان الزاهية للصخور الرملية والتشكيلات الجيولوجية الناتجة عن تاثير العوامل الطبيعية عبر اكثر من خمسمائة مليون سنة.
ودعا الدكتور ملاعبة الى تشكيل لجنة وطنية من المختصين لتحديد الاماكن الجيولوجية ذات الاهمية العلمية العليا لحمايتها وانشاء متنزهات طبيعية حول هذه الظواهر الجيولوجية ومتاحف بيئية وطبيعية وجيولوجية بجانب هذه المواقع الجيولوجية بحيث تحتوي على عينات شاملة منها تظهر الاشكال والرسومات التي تفسر طريقة نشوء هذه الظواهر اضافة الى اهمية وضع هذه المواقع الجيولوجية الهامة على خارطة الاردن السياحية حتى تصبح مراكز سياحية قادرة على جذب السياح من جميع انحاء العالم.
ومن سلطة المصادر الطبيعية قالت الدكتورة سها الياسين ان السياحة الجيولوجية عامل اساسي في جذب العلماء الجيولوجيين والباحثين المختصين من خلال اعداد رحلات سياحية جيولوجية مختصة للباحثين الى العديد من المناطق الجيولوجية كمنطقة ضانا ووادي فينان لما تحتويه هذه المناطق على مقاطع وتراكيب جيولوجية نادرة وثروات طبيعية مثل النحاس والمنغنيز الذي تم استخدامه في القرن الرابع قبل الميلاد والتي تشهد عليها اثار الانفاق المعدنة وافران الحرق التي تمثل بدورها جذبا سياحيا اخر الى هذه المناطق.
واضافت ان تبني فكرة تعزيز السياحة الجيولوجية في المملكة امر ضروري يتطلب تكاتف جميع الجهود الوطنية من اجل استغلاله والاستفادة منه على الوجه الامثل من خلال انشاء نقاط سياحية للعديد من المقاطع الجيولوجية النادرة في العالم والتي توجد بكثرة في مختلف المناطق، فالاردن يمثل متحفا جيولوجيا متكاملا لانه يحتوي على العامود الجيولوجي كاملا وعلى تراكيب نادرة ومهمة للباحثين العالميين كصدع البحر الميت. واشارت الى ان صدع البحر الميت التحولي الذي نشأ قبل 20 مليون سنة يعتبر من اهم الانظمة التكتونية في المنطقة لانه يفصل بين الصفيحة العربية في الشرق وصفيحة فلسطين سيناء في الغرب وهو جزء من الانهدام الافريقي السوري الذي يمتد من شرقي افريقيا مرورا بالبحر الاحمر وينتهي في جنوب تركيا.
وبينت ان البحر الميت الذي نشأ في صورته الحالية قبل 11 الف سنة بعد جفاف بحيرة دامية العذبة بسبب الفترة الجليدية الصغرى التي اثرت على المنطقة قبل 12 الف سنة يعد مركزا لاستقطاب العديد من العلماء المختصين في التراكيب الجيولوجية ورسوبيات البحيرات ومتخصصي علم المناخ وعلماء العصر الجيولوجي الرباعي وعلماء الاثار لانه يمثل احد اهم الكنوز الجيولوجية في العالم.
ودعت الدكتورة الياسين الى اعداد لوحات توضيحية توضع في المناطق السياحية التي تحتوي على مقاطع جيولوجية بحيث توفر هذه اللوحات للسائح او الزائر معلومات حول جيولوجية المنطقة تغني معرفته وتعطي معنى لما يراه من مقاطع وتراكيب جيولوجية اضافة الى توفير ادلاء جيولوجيين مختصين لمرافقة السياح والزائرين في جولاتهم السياحية للتعريف بتاريخ المناطق جيولوجيا ضمن مفهوم السياحة الجيولوجية.
وقال مدير احدى الشركات السياحية المختصة بالسياحة الجيولوجية المهندس نبيه ريال يعتبر الاردن منطقة فريدة من نوعها من الناحية الجيولوجية مبينا ان فكرة استثمار هذه الميزة الجيولوجية للاردن سياحيا بدأت منذ عام 1996 حيث قامت مجموعة من الجيولوجيين وبالتعاون مع الشركة بتنظيم زيارات ميدانية مكثفة لتحديد اهم المواقع الجيولوجية السياحية على الخرائط وربطها سياحيا بالمواقع الاثرية والترفيهية لاعداد برامج سياحية لتسويقها عالميا
وتم تحضير الدراسات العلمية والمنشورات والخرائط اللازمة لذلك والحصول على التراخيص اللازمة من وزارة السياحة لترويج هذه البرامج للمختصين والهواة وطلاب الجامعات من مختلف بقاع الارض.
واشار الى ان هذه البرامج الجيولوجية تم ربطها ببرامج زيارات المحميات الطبيعية مثل ضانا والازرق ووادي رم وتم ادخال الطبيعة الاثرية عليها لاغنائها بحيث احتوت هذه البرامج على زيارات تقليدية لجرش والبتراء وعمان وغيرها من المعالم الاثرية. وبين ان من اهم المناطق التي شملتها الدراسات الجيولوجية وتم اعتمادها كمواقع سياحية جيولوجية اودية الوالة والموجب وعربة وزارة والبحر الميت واودية زرقاء ماعين والصفاوي وابن حماد وفنان وخضيرة وخربة التنور ووادي الحسا العلوي ووادي عفرا وام الرصاص ووادي الهيدان وغيرها.
وقال ان الهدف من التركيز على مثل هذه السياحة المميزة بالاضافة الى فائدتها العلمية ومتعتها هو جذب السائح للحضور اكثر من مرة الى الاردن حيث ان زيارة السائح للاردن عبر البرامج التقليدية لا تشجعه للحضور مرة اخرى لذلك تم البحث عن التنويع في البرامج من خلال تسويق البرامج الجيولوجية والطبيعية والمغامراتية.
واضاف ان اول رحلة ومجموعة حضرت للاردن من خلال برنامج خاص بالسياحة الجيولوجية كانت رحلة لطلاب الجيولوجيا في جامعة لندن حيث تفرغ احد الطلبة بعد الرحلة لدراسة الظواهر الجيولوجية المتميزة في الاردن وقضى في الاردن ما يزيد عن سنة حيث قام بتاليف كتاب خاص عن السياحة الجيولوجية في الاردن يروج حاليا في جميع المكتبات والجامعات في العالم. ومن ضمن ما كتبه هذا الطالب والذي يدعى ايتالي حبيب في كتابه ان الزائر لاودية الاردن وتاريخه الجيولوجي من خلال البحر الميت وحتى وادي عربة مرورا باودية الهيدان والموجب يجد ان هذه الاماكن قل ان يضاهيها اي متعة في الدنيا او اي فائدة علمية لاي موقع كان فما نشاهده ونلمسه هناك يزيد عما يمكن مشاهدته في جبال الهملايا او الالب او حتى جبال المغرب الساحرة.