بيتر آرنيت، «خائن» للامة الاميركية

بغداد
قصف معمل حليب الاطفال منح آرنيت رتبة «خائن»

بالتأكيد أن الصحفي الأميركي هو الوحيد الذي يستطيع أن يؤكد مدى ديمقراطية وحرية الإعلام الأميركي. هذا الإعلام الذي يبث يوميا تقارير تطالب الآخرين باعلام حر انطلاقا من كون حرية التفكير وحرية الحصول على اعلام صادق من بين حقوق الانسان.
بيتر آرنيت، الصحفي الاميركي الذي جعلت منه تسع عشرة حربا قام بتغطيتها نجما، بينها حربان شرستان هما فيتنام والخليج الثانية، يملك اكثر من غيره ادلة قاطعة على الاعلام الاميركي الحر! اذ اكد في بداية اللقاء ان البيت الابيض كان وما يزال مسيطرا على الاعلام ويلعب دورا رئيسا في التضليل الاعلامي من خلال اخبار ومعلومات يقوم بتلفيقها وبثها خدمة للمصالح الاميركية.
يقول آرنيت:
كنت في افغانستان، ولم يسمح لنا المسؤولون الاميركان ان نعلم بالعمليات الكبيرة. وان سمحوا لنا، مثلا، ان نرافق العمليات الصغيرة التي لم تتجاوز ان تقوم طائرتين عمودية بقصف محدود. اما العمليات العسكرية والتي ادت الى مقتل المدنيين ومقتل المتحالفين مع الاميركان فقد تم انكارها وبث معلومات مضللة حتى وان كانت الادلة واضحة فهم انكروا المسؤولية واخروا التحقيقات. في هذه الحرب كان البيت الابيض المصدر الرئيس للمعلومات، والذي يحاول دائما منع وصول الاخبار من مصادر موثوقة لعلمه بانه واثناء الحروب الكبيرة تكون الادلة واضحة للقصف غير الموجه والدمار والموت. واذكر انه في حرب الخليج مارست الادارة الاميركية ضغوطا كبيرة على الاعلام وخاصة الاعلاميين الاجانب الذين في العراق لارغامهم على المغادرة بأوامر مباشرة من بوش الاب، بل انه، شخصيا، اتصل بتيد ترنر (مؤسس ومالك CNN) لارغامي على المغادرة لكنني بقيت. ولان الادارة الاميركية كانت تتعامل مع كل الاخبار العراقية على انها دعاية، كان عليّ ان اشرح في تقاريري كل ما افعله في بغداد في تلك الحرب حتى لا يقال بأني عميل لصدام حسين.
قلت له: لكنهم قالوا ذلك؟
اجاب: بل قالوا الاكثر. لقد اتهموني باني "خائن للامة" بسبب تغطيتي لقصف معمل حليب الاطفال الذي اكدت بانه معمل حليب وليس معمل للاسلحة الجرثومية وتذكرون باني صنعت قدحا من الحليب من المسحوق الذي احضرته من المعمل، واكدت باني لست خائنا ولكن هذا المعمل لا ينتج سلاحا كيمياويا او جرثوميا. وتخيلوا بعد اثنتي عشرة سنة صدر كتابان عن بوش الاب وتلك الحرب تمت فيهما الاشارة الى خيانتي! اعتقد انه كان من الافضل للادارة الاميركية ان تعترف انها اخطأت في قصف معمل حليب الاطفال وملجأ العامرية، كما فعلت بريطانيا بعد قصفها المفجع لسوق الفلوجة . لكنها اعترفت باستهداف الملجأ لانه مركز اتصالات! لم تكن تلك الحرب كما قال بوش الاب بانها عمليات جراحية على اهداف عسكرية فقط.
وتحدث آرنيت عن حرب فيتنام التي وصفها بانها كانت حربا استعمارية وانه عمل ضدها لدرجة انه تزوج من فيتنامية وقال "ابنائي نصف فيتناميين. لقد ضحى الفيتناميون ودفعوا ثمن استقلالهم ودولتهم وكرامتهم." واكد ان الاعلام ادى دورا كبيرا نحو وضع نهاية للحرب من خلال اعلام الشعب الاميركي عن مقتل الاف الشباب من ابنائه!
سألته: اذن اين هذا الاعلام من الحصار على العراق والذي تسبب بوفاة اكثر من مليون ونصف المليون طفلا عدا الوفيات الاخرى؟ لماذا فشلتم في خلق رأي عام يضغط نحو انهاء الحصار؟
يقول آرنيت: ان اخبار الرياضة هي الاهم عند الاميركان. مثلا، ان عدد مشتركي الـCNN لا يزيد عن 500 الف مشترك بينما عدد نفوس اميركا 260 مليون لا يعرفون ماذا يجري في العراق. ورفع الحصار بحاجة الى قرار من الادارة الاميركية وليس ضغط رأي عام!
ولدى سؤاله عن توقعاته بضرب العراق مرة اخرى كما تهدد الادارة الاميركية اجاب: لا اتمنى ان يصبح عدد الحروب التي قمت بتغطيتها عشرين حربا. لا احد يريد حربا جديدة. وعراق اليوم يتمتع بدعم عربي ودولي كبيرين. وان حدثت هذه الحرب فانها ستكون فظيعة وستكون الاهداف غير اهداف 1991!
وعن الرئيس العراقي صدام حسين يقول آرنيت: سُئلت كثيرا عن الرئيس صدام حسين واجيبهم بان الرئيس صدام الذي اعرفه هو منْ استقبلني بذراعين مفتوحتين وأُرسل لي الصور خلال نصف نهار رغم القصف. انه لطيف وديبلوماسي.
والمعروف ان بيتر آرنيت كان سببا مهما في تحول CNN من قناة اعتيادية الى اهم قناة اخبارية بعد تغطيته لحرب الخليج الثانية، وبسبب خبر بثه عن استخدام القوات الاميركية لسلاح جرثومي ضد القوات الاميركية نفسها في حرب لاوس مدعما بالوثائق. وعندما اعترض البنتاغون، ما كان من CNN الا اتهام آرنيت بالكذب وفصله. وهو يعمل الان في شبكة اون لاين. وسبق له ان نشر كتابا "من فيتنام الى بغداد" فيه الكثير من الفظائع العسكرية والاعلامية التي ارتكبها البيت الابيض في حربيه ضد فيتنام والعراق.