دعوات الإصلاح في السلطة الفلسطينية

بقلم: محمود سوداح

تناقلت وكالات الانباء خبر ما تعرض له "الوزير" في السلطة الفلسطينية حسن عصفور، من هجوم بالضرب أدى الى نقله الى المستشفى للعلاج، وقد بادر الرئيس الفلسطيني فور سماعه الخبر الى زيارة عصفور للاطمئنان على صحته، في حين توعد الكثيرون من رجالات السلطة بمحاسبة القائمين بالفعل وتعقب المسؤولين عن الحادث باعتباره سابقة خطيرة لا يجوز السكوت عنها!
ما من شك، ان الخبر، و ان تم التعامل معه اعلاميا و كانه حدث طارئ وعادي الا ان حدود التداول الشعبي "للخبر" يؤكد على الاهمية الاستثنائية لفعل يلقى الاستحسان والتثمين لدى قاعدة واسعة وعريضة من جماهير الشعب الفلسطيني التي طالما نادت وانتظرت دون جدوى ان تتخذ القيادة الفلسطينية قرارات تضع حدا لاستشراء حالات الفساد السياسي والامني والمالي الذي طبع مجمل الشخصيات الرسمية الفلسطينية المشكلة للسلطة، لدرجة بات التساؤل مشروعا في الشارع لماذا تصر السلطة على أن تضم في صفوفها فقط الفاسدين والمفسدين؟
لا شك ان الشارع الفلسطيني يعيش هذه الايام حالة من الاحتقان الذي يكاد يكون "جنونيا" مبعثه الادراك الشعبي العام ان السلطة الفلسطينية لم تكن الا الخدعة البائسة التي صادرت كل الأشياء الجميلة والنبيلة وراء الأحتماء بمهزلة "هوية المناضل" التي ارادت منها القيادة ان تكون بمثابة "صكوك الغفران" التي أجازت لوقت طويل اغتيال المحرمات وشرعية الانفلات من العقوبة والإبتعاد عن المحاسبة، لقد قرأ اللاهثون وراء مطامعهم الشخصية الواقع جيدا، وهم الذين اجادوا على الدوام، اقتناص الفرص فاعتقدوا ان بامكانهم المحافظة على مواقعهم داخل الخارطة القادمة للإصلاحات، فبادروا الى التباري والتسابق في الدعوة الى الاصلاح في حين كانوا قبل ايام يكيلون الادانات لكل من يشير همسا او تلميحا الى استشراء الفساد وعموم السرقة وشيوع الرشوة في مؤسسات السلطة، ان المتتبع لما يجري الان بين ازلام السلطة من حروب خفية يتأكد كم كانت هزيلة ومشبوهة تلك العلاقات الرابطة بين رجالات السلطة، فسهولة انفراط العقد كانت الدليل الواضح على جناية التوافق على الانخراط الجماعي في الفعل البائس الذي تكشف عند اول صدمة او اهتزاز. الفساد في الخيارات والنهج نكاد نجزم اليوم ان رجالات السلطة ورغم مرارة التجارب، والنتائج الكارثية المترتبة على توليهم زمام القيادة فانهم لا زالوا ينظرون الى الجماهير الفلسطينية نظرة قاصرة ودونية تقوم على افتراض دوام الاستغباء بكل معانيه، ان تبني رجالات السلطة لشعار الاصلاح ليس إلا نوعا من التذاكي ومحاولة الالتفاف على رغبة الناس افتراضا من هؤلاء القادة بامتصاص وتفريغ حالة الاحتقان الشعبي ضد رموز السلطة وممارساتهم، بل ان البعض كثيرا ما يلجأ عن عمد ودراية الى الخلط الخاطئ في استخدامات المفاهيم فيماثل بين مفهومي "الاصلاح" و"التغير" رغم البون الشاسع بينهما بل تتجلى مظاهر الخداع بصورة اوضح وادق حين يتم التركيز على مواضع الخلل في ممارسة هذا الوزير او ذاك المسؤول او اداء هذه المؤسسة او تلك في حين ان المسالة هي اعمق من ذلك بكثير و ابعد مدى، فالقبول السريع بالاقرار الطوعي على اقتصار الحاجة الى مجرد اصلاح لاداء الاشخاص او المؤسسات يعني بداهة الاقرار المجاني بقبول اصل وجوهر الاشياء أي قبول وجود السلطة اصلا وخياراتها، وان الاحتياج لا يتعدى فقط مجرد اصلاح لبعض الثغرات والنقائص هنا أو هناك، بينما تؤكد النتائج الكارثية المسجلة حتى الآن ان الخروج من المأزق يحتاج، حقيقة، الى تغيير جذري وانقلابي يمس كل السياسات والخيارات التي تبنتها القيادات الرسمية الفلسطينية سابقا.
تأسيسا على ما سبق، يطرح الكثيرون الآن ان على القيادة الرسمية الفلسطينية ان تجيب على تساؤل مشروع طالما لم تحسم القيادة الفلسطينية الإجابة عليه، وهو هل الوضع الفلسطيني الان في مرحلة ثورة أم دولة؟ ونحن نقول ربما يكون التساؤل هنا مشروعا ولكن الادعاء ان القيادة الفلسطينية لم تحسم الإجابة عليه هو نوع من المصادرة المجانية للعقل او لنقل احتكام متسرع الى منطق تغطية الشمس بالغربال، فالقيادة الفلسطينية قد غلبت منذ فترة طويلة خيار الدولة على حساب خيار الثورة، والتغليب هنا كما تشهد محطات المسار الفلسطيني لم يتم ابدا بطريقة سلمية او هادئة، بل غالبا ما تم بطريقة قسرية اتخذت من اشاعة الدم والاقتتال الداخلي واغتيال رفاق الدرب وسائل للتخلص من النتوءات وتقليم "النباتات المتوحشة" وهما باستكمال امتلاك مؤهلات السير في طريق الدولة ـ المصيدة.
لقد كان لهذا "الإنحياز" البائس نحو تغليب خيار"الدولة" على خيار "الثورة" ان يستند مرحليا إلى وهم الاعتقاد بافتراض احتمالات المزاوجة بين الخيارين كمحطة انتقالية للتسويق والمناورة وخداع الناس، فتولد عن ذلك – كمرحلة اولية عقب اعلان الدولة الفلسطينية في مؤتمر الجزائر ـ واقعا و نتاجا هجينا بين بندقية صدئة وتائهة فيما اسمته القيادة الفلسطينية "القواعد الخلفية" او "مؤخرة القوات؟!" المتواجدة على أرض اليمن و السودان وليبيا والجزائر …وبين اعلان وهمي لدولة افتراضية على الورق، ثم ما لبثت المعادلة ان تتكرس بصورة اخطر عقب اتفاقيات اوسلو وتطبيقاتها، فكانت بين بندقية يراد لها ان تكون "لحدية" وبين الوهم بدولة يراد لها ان تكون ضرورة تفاوضية صهيونية – امريكية، وليس كضرورة وطنية تستجيب لطموحات الشعب وهويته. النموذج الافغاني واستهدافات الاصلاح لقد كان لوقائع الإجتياح الصهيوني الاخير للضفة الغربية أن يفضح عقم خيارات القيادة الرسمية الفلسطينية، التي لازالت تصر على التمسك بخياراتها رغم أنها قد وصلت بالوضع الفلسطيني إلى حدود "المقصلة" لا بل إلى حدود "المقبرة"، وعلى ذلك فإن ما تطرحه القيادة الرسمية الفلسطينية من عناوين محتملة للإصلاح ليست إلا مناورة لتجميل وتزيين الوجه البشع للسلطة الذي تحاول من خلاله خداع الجماهير من جهة، ومن جهة اخرى ايصال رسالة للعدو الصهيوني والإدارة الأمريكية أنها على استعداد إضافي قادم وبدرجة اعلى من السابق للتكيف والتأقلم مع دفتر شروط الملائمة المطلوب، لكن إلى الحد الذي يحفظ للقيادة الفلسطينية ماء الوجه…
إن النقطة المفصل فيما نقرأه بين سطور دعوات الإصلاح الراهنة لا تكمن في الإستهدافات المقروءة ببساطة، أو غير المستعصية على أحد ممن حفظوا أبجديات العمل السياسي، بل فيما تحمله دعوات الإصلاح من استهدافات عميقة تمس جوهر بناء ووظيفة السلطة الفلسطينية والتي لازالت حتى اليوم كما نعتقد موضع "مكاسرة" خفية بين العديد من الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية، فالرئيس الفلسطيني الذي ارتضى وبكل وضوح الرضوخ لشرط استكمال وتلبية كل الاستحقاقات المطلوبة منه أمريكيا وصهيونيا إنما يؤكد اختزالا على أنه على استعداد أيضا للقبول بدور "قرضاي" فلسطين إذ أنه في الحقيقة لا يزال يرفض حتى الآن القبول بدور أنطوان لحد وهو الدور الذي تريده له الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، لقد كان لجدلية هذا التباين في المواقف تجاه الدور الوظيفي أن يتطلب مزيدا من حطب الإحتراق تحت مراجل الإعداد والإنضاج الإضافي للطبخة القادمة، فكان استمرار الإجتياحات الصهيونية لمدن وبلدات الضفة وكانت اللقاءات والزيارات، وكان في المقدمة، ودون أي شك بالنوايا الخبيثة، تكاثر الحديث، ومن أطراف عديدة عن ضرورات الإصلاح في هرم السلطة الفلسطينية، وهو الشعار "المصيدة" الذي تستهدف الولايات المتحدة والعدو الصهيوني من خلال تكرار التركيز عليه استخدامه كورقة تساومية مع الرئيس الفلسطيني، فالإصلاحات المطلوبة، كما عبر عنها كثيرون من رموز الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني ترتكز في جوهرها على تقليص صلاحيات الرئيس الفلسطيني إلى رئيس فخري لا يملك سلطة القرار، أو بالمعنى السياسي الفصيح أن يتحول الرئيس الفلسطيني إلى "عرفات شاه" يتماثل في وظيفته والملك الأفغاني "ظاهر شاه" الذي استجلبته الولايات المتحدة من أرشيف الزمان باعتباره محور إجماع أفغاني … وعلى ذلك فالولايات المتحدة والعدو الصهيوني وهم يرفضون دور قرضاي لعرفات رغم امتلاكه لمواصفات تأهله لذلك إنما يستخدمون شعار الإصلاح وسيلة لمزيد من الإبتزاز، فالمطلوب من الرئيس الفلسطيني الآن هو المفاضلة بين دور"لحدي" أو دور "فخري" يتحول بموجبه الرئيس الفلسطيني إلى "ملك أفغاني"… عفوا "ملك فلسطيني".
من جهة اخرى فان ما يتبدى من اهتمام وتركيز امريكي صهيوني على ضرورة اصلاح الاجهزة الامنية وتوحيدها إلى درجة ارسال رئيس المخابرات المركزية الاميركية للمنطقة للاشراف على عملية الاصلاح انما تؤشر بالمقابل على الدرجة العالية من الاستثنائية والحساسية في مخطط الأهداف المرجوة، فإذا كان اصلاح وتوحيد الاجهزة الامنية يمثل في بعده الاستراتيجي ضرورة لضمان "تحديد" و"تقنين" المسؤوليات كآلية لضمان ولاء وتبعية الاجهزة الامنية الفلسطينية لمثيلاتها الصهيونية، فانه، أي الاصلاح، يستهدف الآن في بعده المرحلي ضرورة تكتيكية تستهدف تجريد عرفات من اية قوة عسكرية اتاحها له تعدد الاجهزة الامنية من خلال عملية الاستقواء التقليدي بجهاز ضد الآخر، ان طرح اصلاح الاجهزة الامنية بالصورة التي تعلن عنها الادارة الامريكية والعدو الصهيوني سيكون دون شك عاملا حاسما في بلورة وصياغة ملامح وتطورات المرحلة القادمة، والبداية ستكون "بإجبار" ذوي الولاءات المزدوجة من مسؤولي الأجهزة الأمنية على حسم تلك الإزدواجية لصالح أي من الطرفين، هذا في الوقت الذي يرى فيه الكثيرون أن الرئيس الفلسطيني ليس الطرف الأٌقوى الذي ستحسم باتجاهه تلك المعادلة
الواضح اذن ان السلطة الفلسطينية امام مأزق خطير وعميق بلغت فيه العفونة درجة لم تعد تصلح معها كل دعوات الاصلاح والترقيع فقد تكشفت الحقائق وانتهت صلاحية دوام الاستغباء من حاكم لازال يصر رغم اكتشافه هشاشة بناءاته و عقم خياراته، ورغم هول الصدمة فإنه لازال يصر على رفض التنازل عن "العهدة" وقد أخذها غيلة، بل ولازال يصر على تمديد ولاية حكمه بديماغوجية شعارات " شعب الجبارين "… " وأهل الرباط "… ورفع شارة النصر. محمود سوداح soudahdz@hotmail.com