فضاء الجرح، قراءات في أدب الانتفاضة

كتب: أحمد فضل شبلول

عن دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، صدر مؤخرا كتاب جديد بعنوان "فضاء الجرح ـ قراءات في أدب الانتفاضة" للكاتب المصري إبراهيم سعفان. وهذا الكتاب يجئ في وقته تماما، حيث يدرس المؤلف عددا من الأعمال الأدبية في الشعر والقصة القصيرة التي عالجت موضوع الحرب والمقاومة والانتفاضة لدى عدد غير قليل من مبدعينا العرب. الشعر في الانتفاضة يرى المؤلف ـ وهو محق في ذلك ـ أن الشعر مازال أكثر الفنون استجابة فورية للأحداث، وأكثر تأثيرا في المتلقي، ومازال السجل الهام الذي يسجل الأحداث ويحفظها لنا في ذاكرته كمرجعية للدراسة والبحث، ولولا هذا لضاع مثلا تاريخ الأدب الجاهلي. ولعل الإبداع الشعري الغزير الذي واكب الانتفاضة لدليل على تجاوب الشعر الكبير في جميع البلاد العربية. ومن هذا المنطلق يبدأ المؤلف في تحليل بعض القصائد العربية مثل قصيدة "لا تشجبوا .. بل عانقوا أطفال الحجارة" للشيخ أبو زيد إبراهيم، حيث يستدعي الشاعر الرموز الإسلامية المناضلة لنقتدي بها في التضحية والفداء، ويختم الشاعر قصيدته بأن فلسطين باقية منارة للخلود بتضحيات من مشارق الأرض ومغاربها لتحرير المسجد الأقصى من العدو اليهودي.
أما د. وليد قصاب فيصور في قصيدته "شهداء الفجر الجديد" حزن الأمهات، ولكن ليس الحزن اليائس، بل حزن المتحديات والمستعدات لتقديم المزيد من أبنائهن شهداء فداء لفلسطين. أما الشاعرة فدوى طوقان فترى أطفال الحجارة يحملون قلوبهم على أكفهم حجارة يرجمون بها العدو اليهودي ويرسمون طريق المستقبل للنصر. ويرى الشاعر سلطان خليفة الحبتور أن الانتفاضة نسفت المفاهيم الثابتة المعروفة عن العرب والتي روج لها العدو اليهودي والاستعمار الغربي، بأن العرب ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، ولا قبل لهم بالحرب. والشاعر ظاعن شاهين يحث أطفال الانتفاضة على التحليق في فضاء الجرح، فيبين في قصيدته "هل تدخل القصيدة نارها" أن الكلمة الشعرية المعبرة عن صوت الشعراء تنير الطريق أمام المناضلين. وتأتي قصيدة الشاعر محمد الطوبي "إلى أطفال الانتفاضة" لوحة فنية مبشرة بالنصر وقطف أقمار الجرح، وتتوهج القصيدة بتمرد الجرح الفلسطيني وإعلان الثورة لتحرير الأرض. وفي قصيدة "بداية كل حريق شرارة" للشاعر نور الدين صمود، يرمز الشاعر لأطفال الحجارة بالطير الأبابيل، وأن أكبر الحرائق تحدث من أصغر الشرر. أما الشاعر محمد مهران السيد، فيصور في قصيدته "لا عليك" ثورة أطفال الحجارة في لوحة شعرية ملأى بالصور الفنية التي تحمل الحب والخوف على هذا السائر وحده في الصحراء دون هاد يرشده. ويحرض الشاعر محمد راجح الأبرش في قصيدته "جيل الشهداء" أطفال الحجارة على الاستمرار في المقاومة، بينما يبين الشاعر عبد الله الشحام في قصيدته "ما قاله الشهداء قبل الرحيل" رؤية كل شهيد لمستقبل الوطن الفلسطيني، وإنهم سعداء باستشهادهم. ونرى الشاعر عدنان ضميري في قصيدته "العصفور يبحث عن مكان السارية" يصور مشهد استشهاد الطفل مأمون عندما كان يرفع العلم على عمود الكهرباء. أما الشاعر الزهراوي نوفل فيرى في قصيدته "الانتفاضة" أطفال الحجارة عصافير تطير إلى المسجد الأقصى. ويبشر الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة في قصيدته "وحدنا والمغول" بالزمان الآتي حيث ستكون الأرض لنا، والهواء لنا، وننعم بأرضنا الجميلة بعد طرد العدو اليهودي المغتصب.
يقول أبو سنة على سبيل المثال: وحدنا والمغول
نتقاسم هذا الزمان الضئيل
الزمان الذي سوف يبقى لنا
وحدنا
كي يجئ الزمان البديل
كي يجئ الزمان الجميل
سوف نبقى
نتكسَّر فوق المسافات
نتبع آلامنا
ونجمِّع أشلاءنا
ونفتِّح ورداتنا في النسيم العليل
سوف نبقى هنا
وحدنا
ويمر المغول.
بعد هذه الإشارات السريعة لعدد كبير من قصائد الشعراء العرب، يتوقف إبراهيم سعفان ليحلل الجوانب الفنية في هذه القصائد، فيتحدث عن رمز الطفل ورمز الأرض، وعن استيحاء القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي. كما يتحدث عن خصائص اللغة التي استخدمها هؤلاء الشعراء، حيث جاءت هذه اللغة شاعرية، سلسلة، تنبض بالحيوية، كما لجأ الشعراء إلى استخدام الاشتقاق اللغوي لإثراء اللغة، وللتعبير عن الحالة النفسية، ودرجة الانفعال مثل وزن فاعل: السافكون، القاتلون، الغائبون، الغاصبون، وفعيل: سجيل، فعَّال: غلاب، وكرَّار، وما إلى ذلك. القصة القصيرة في الحرب والانتفاضة في الجزء الثاني من هذا الكتاب تحدث إبراهيم سعفان عن القصة في الحرب والانتفاضة، واختار نماذج قصصية مثل قصة "سادس أيام الخلق" لأحمد الشيخ التي كتبها بعد انتصار أكتوبر 1973. وقصة "الأميرة ذات الهمة" لفتحي سلامة، وقصة "الحارس" لمحمود البدوي. كما بين المؤلف أثر الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت سنوات طويلة، في القصة القصيرة العراقية. كما درس أثر حرب الخليج الثانية، وما أحدثته من شرخ نفسي في الإنسان العربي وزرع الخوف والحذر بين البلاد العربية، على القصة القصيرة في الخليج. ثم يتوقف المؤلف عند الجوانب الفنية في هذه القصص. ثم ينتقل إلى الجزء الخاص بالقصة في الانتفاضة، منهيا حديثه بالجوانب الفنية، من حيث الشكل واللغة والشخصيات، واستخدام الضمائر. هذا الإبداع الشعري والقصصي إن هذا الإبداع الشعري والقصصي الذي كُتب ـ ولا يزال يُكتب ـ في الانتفاضة، وعنها، يُعلن للعالم أن قضية الشعب الفلسطيني ستظل حية، حتى يتحرر الوطن الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني الغاشم.
وأعتقد أننا في أشد الحاجة إلى كتب عدة تتناول بالدراسة والتحليل والنقد ما ينتجه أدباؤنا ومبدعونا من كتابات كرست نفسها للمقاومة ضد المحتل، ليحس هؤلاء الأدباء والمبدعون أن أعمالهم تَلقى صدىً جيدا على مستوى الدرس الأدبي والنقدي. وبذا تكتمل الدائرة الإبداعية، وتتواصل الحلقات الأدبية والنقدية في محيط الفعل أو الوعي الثقافي. ويعد كتاب "فضاء الجرح ـ قراءات في أدب الانتفاضة" لإبراهيم سعفان، حلقة من هذه الحلقات التي نأمل أن يتسع نطاقها في المستقبل القريب. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية