مؤتمر السلام الدولي، السلام لصالح من؟

بقلم: محمد إسماعيل

طرحت منذ عدة أسابيع فكرة عقد مؤتمر دولي يضم مصر،الأردن،إسرائيل وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية،الدعوة جاءت على لسان وزير الخارجية الأمريكية كولن باول ، وبدعم من رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون.
وفكرة انعـقاد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط ، هي فكرة قديمة تعود لفترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي سابقا و الولايات المتحدة الأمريكية ، ورغم أن فكرة المؤتمر طُرحت عدة مرات ،إلا أنه لم يُعقد رغم المحاولات العديدة لذلك.
و لم يتم عقد مؤتمر دولي ، إلا في عام 1991 بعد أن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها ، وانهار الاتحاد السوفييتي ،وبدأ العد لعهد أمريكي - إسرائيلي. و خرج المؤتمر بالمقولة الشهيرة" الأرض مقابل السلام" و عُقد بعد ذلك عدة معاهدات بين إسرائيل و عدد من الدول العربية البعيدة عن منطقة الصراع مثل " موريتانيا، المغرب، تونس ، قطر" إضافة إلى الأردن التي وقعت اتفاقية وادي عربة. أما المسارات الأخرى فتعطلت باستمرار، وبقيت حبيسة المد و الجزر ،إضافة إلى مسألة الهرم الذي يحكم إسرائيل. مسألة الديمقراطية تقول إسرائيل للوفود العربية التي تلتقي بها في الغرف المغلقة أثناء المفاوضات ،أنه يجب عليها العودة لمجتمعها في حال كان هناك ضرورة لاتخاذ قرارات مؤلمة حسب تعبيرهم، و تتهم إسرائيل الدول العربية بأنها لا تتمتع بديمقراطية ،وأن رئيس الدولة أو الجمهورية يستطيع أن يتخذ القرار في أي وقت ،فهو كل شيء.لكن إسرائيل تطرح دائما فكرة العودة إلى شعبها من أجل إحراج الدول العربية، والهروب من مواقف تجبرها على اتخاذ قرار من أجل أن يحل السلام في الشرق الأوسط. السلام لمن؟ فكرة طرح السلام ، يتبعها السلام لصالح من ؟ هل هو لصالح العرب ،أم لصالح الإسرائيليين؟ الطرح بهذه الطريقة يؤدي إلى ضرورة الإجابة عن أسئلة جانبية مثل، هل يرغب الشعب العربي بالسلام؟ وهل هو معني بذلك ؟ وهل هناك وعي لدى الجماهير العربية بضرورة السلام؟ و هل استطاعت الأنظمة و الطبقة المثقفة العربية إقناع الشعب العربي بالسلام أو بالحرب؟ كلها أسئلة تكاد إجاباتها تكون واضحة ، ولكن من المنطقي الإجابة عليها،وسنحاول ذلك: هل يرغب الشعب العربي بالسلام؟ الشعب العربي يرغب بالسلام ،لأنه لا يريد حرب مع أي طرف ،ولكن الشعب العربي لا يعرف القضية التي يحارب من أجلها أو يموت من أجلها.
أذكر أنني التقيت منذ حوالي ست سنوات مع أحد مواطني الشرق الأوسط .. سألني .. لماذا نحارب إسرائيل ؟ سؤاله يعبر بطريقة واضحة أنه لا يهمه سوى العيش بهدوء و سلام ، ولم يستطع نظامه رغم أنه من دول المواجهة أن يقنعه بالحرب أو بالسلام. حتى الطبقة المثقفة بقيت عاجزة و حبيسة شعارات و ثقافة حوار الصالونات.
هذه القصة تعبر بشكل مطلق عن ابتعاد الشعوب عن حكوماتها ،والشرخ الكبير بين رغبات المواطن ورغبات الحكومات. إذا هناك عجز كامل في توضيح الفكرة. هل المواطن العربي معني بذلك؟ الواقع أن المواطن العربي ما يهمه هو أن يعيش بطريقة جيدة ،لكنه يسمع عن الإعداد الحربي ،والتعبئة العامة، ويعيش هو جوعا تحت اسم التعبئة العامة ، بينما يرى سلطته تعيش رفاهية كبيرة على حساب التعبئة واحتمالات الحرب. ليصل في النهاية إلى إهمال ورفض كل ما تطرحه السلطة،و يتعامل بلا مبالاة كبيرة تجاه القضايا الوطنية ، وليصل لقناعة بأنه غير معني لا بسلام أو بحرب.. ولكن طبيعة الأنظمة تفرض عليه الحرب ، أو السلام هل هناك وعي لدى الجماهير العربية بالسلام؟ ما تعلمه الشعوب العربية جيدا، أن العرب خسروا حروبهم جميعها ضد إسرائيل، وكان نتيجة هذه الحروب تشريد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في أقطار العالم قاطبة ،وأصبح ذلك الفلسطيني ، عبئا على الدول العربية ، والمواطن في نفس الوقت ، فتولدت كراهية كبيرة غير معلنة ،وأصبح الفلسطيني هو عنوان لكي يُمسح فيه السكين ،ويُتهم دائما بأنه عالة على الجميع ، وبسببه يعاني هذا الوطن أو ذاك ،وأصبح ما يهم المواطن العربي هو التخلص من الفلسطيني ، وليس السلام بمعناه العام.
هل استطاعت الأنظمة و الطبقة المثقفة العربية إقناع الشعب العربي بالسلام أو بالحرب؟
الأنظمة فرضت نظاما شموليا .. قمعيا تحت مسميات المصلحة القومية ،وعلى إثر ذلك كان المواطن العربي هو الوحيد الذي يدفع الثمن ، والطبقة المثقفة تولدت منها طبقة طفيلية تعيش على فتات الموائد، ولكنها تكتب لصالح هذا الطرف أو ذاك .. أما الأصوات الوطنية الفاعلة فهي موجودة في السجن أو في المنفى.. النتيجة أن الأنظمة ومثقفيها لم تستطع تعبئة شعوبها تجاه الحرب ،أو تجاه السلام.
إذا السؤال الكبير السلام لصالح من ؟
في الحقيقة أن السلام لن يكون إلا لصالح الشعوب العربية ،وسيكون سلبيا على الأنظمة و إسرائيل .. و يعود سبب ذلك إلى أن إسرائيل هي عبارة عن مجتمع أتى من كل بقاع الدنيا،واليهود لا يجمعهم سوى الدين و اللغة ،وهناك التمييز بين السفارديم "يهود الشرق" و الأشكناز "يهود الغرب" إضافة إلى الخلل الذي خلقته الطبقة الدينية و مسألة المستوطنين ، إذا .. إسرائيل في حال تم السلام ، ستنفجر جميع الخلافات بين كافة شرائح المجتمع ، ولن يجد الساسة الإسرائيليين من خطاب يمررونه لمجتمعهم ،فالسلام لن يكون أبدا لصالح إسرائيل ، و حكام هذه الأخيرة يعلمون ، انهم على استعداد لقيام السلام مع كافة الدول العربية إلا الفلسطينيين،لأنهم بحاجة إلى عدو و لو كان وهم.
أما الأنظمة العربية في حال أقامت السلام مع إسرائيل فهي مطالبة بترسيخ الديمقراطية، و رفع المستوى المعيشي لمواطنيها،وتأمين كافة المتطلبات من عمل و سكن وصحة .. و سيكون هناك محاسبة لكل شيء، فلم يعد هناك مشجب العدو الخارجي ،و الذي يتم على أساسه ضرب الداخل. إذا.. الأنظمة متضررة من عملية السلام ، فهي ستكون تحت الرقابة و لا تستطيع نهب ثروات الوطن، ولن يكون هناك رئيس إلى الأبد ،إلى آخر الشعارات المرفوعة.
المواطن العربي هو المستفيد الوحيد من السلام، فلذلك يجب تغييبه ، و الاستمرار في سيمفونية الحرب و لعبة السلام.
الخلاصة تأتينا على الشكل التالي .. واشنطن تريد سلاما مع العرب ،مع التأكيد على حماية إسرائيل ، وهذه الأخيرة تعلم جيدا أن هذا الحل مؤقتا، فأمريكا لا يمكن أن تبقى دولة عظمى إلى الأبد.
ولذلك يجب خلق معطيات جديدة للسلام ، يتم فرضه على الفلسطينيين ، يكون الضامن الحقيقي لمستقبل إسرائيل، مع استمرار اندلاع الحرب مع الفلسطينيين في أية لحظة.
ولذلك النقطة القادمة الآن هي جر سوريا و لبنان إلى السلام، ومن ثم ترك الفلسطينيين للفتات، وعزلهم نهائيا عن المجتمع العربي، وما الطروحات التي تطرحها إسرائيل و أمريكا على ضرورة قيام السلطة بتغييرات جذرية إلا لذر الرماد في العيون.
فلذلك ليس أمام الفلسطينيين سوى المقاومة، وليس أمام الشعب العربي سوى العمل من أجل ترسيخ السلام، فهذا الأخير يجب أن يكون المطلب لتعيش الأمة العربية برخاء، وتحاكم أنظمتها من جديد، وفي هذه الحالة سيكون المستقبل له نكهة أخرى ، دعونا نعمل من أجل أن نعيش برخاء أي من أجل السلام،وبالمقابل يكون لدينا الوعي بدعم الفلسطينيين لمقاومة الاحتلال حتى تحرير فلسطين.
محمد إسماعيل: الجزائر