صناعة العقال تتوارث ابا عن جد‏

دمشق - من طلال الكايد‏
جزء من الشخصية

يعتبر العقال العربي مع الغترة كما تسمى في الخليج أو ‏ ‏الحطاطة والكوفية الغطاء التقليدي للرأس عند العربي.
وبعد التطور الذي حصل في ‏ ‏العقود الاخيرة بلباس المواطن العربي حيث لم يعد الكثير من الناس يلبسون الغترة ‏ ‏والعقال فخف الطلب على الشراء وانعكس ذلك على عدد العاملين في صناعة العقال في ‏ ‏سوريا.
وعلى الرغم من ذلك فهناك البعض من سكان الريف والبادية يقبلون على شراء العقال ‏ ‏من خلال محلات متخصصة ببيعه منتشرة في الاسواق الاثرية القديمة في دمشق مثل سوق ‏ ‏الحميدية ومدحت باشا وبعض الاسواق الشعبية في المدن السورية.
ويلاحظ الزائر لدمشق اقبال بعض السياح الاجانب على شراء الكوفية والعقال ‏ ‏ويضعونها على رؤوسهم ويتجولون بها في شوارع العاصمة والاماكن الاثرية التي ‏ ‏سيزرونها في سوريا وخاصة مدينة تدمر مملكة الملكة العربية "زنوبيا" وياخذون الصور ‏ ‏التذكارية الفوتوغرافية حيث يعتبرونها فلوكلورا وتراثا شعبيا.
ولصناعة العقال طريقة متميزة حيث ما زالت تتم بشكل يدوي ومن خلال صناع مهرة ‏ ‏تعلموا هذه الحرفة بعد تدريب متواصل في ورش بسيطة كانت تنتشر بكثرة في الاحياء ‏ ‏والاسواق القديمة بدمشق.
ولكن في الوقت الحالي انحصر وجود هذه الورش في سوق مدحت باشا وتقلصت كذلك ‏ ‏محلات بيعها واصبحت تباع في سوق الحميدية وسوق المهن اليدوية مع صناعات فلوكلورية ‏ ‏اخرى.
وفي حوار مع وجيه قشلان احد اقدم مصنعي العقال العربي في سوريا تحدث عن صناعة ‏ ‏العقال بالطريقة اليدوية فقال "اعمل في صناعة العقال منذ 75 سنة وقد تعلمتها من ‏ ‏والدي حيث توارثنا هذه المهنة ابا عن جد. وتبدأ طريقة صناعته بان نقوم في البداية بتحضير الوجه الخارجي للعقال حيث يتم ‏ ‏لف الخيوط ما بين خطافين متباعدين لمسافة معينة وبحيث تكون هذه الخيوط متعادلة من ‏ ‏حيث الثخانة والشد وقد يصل طول الخيط الى عشرات الامتار فيصبح منظرها فريدا ‏ ‏ومثيرة للانتباه. ومن ثم نقوم ببرمها بواسطة المغزل وبعدها تلف على الوتر ثم نقوم بتحضير الحشوة ‏ ‏الداخلية للعقال وهنا نستعمل آلة بسيطة تسمى «المسداية» وهي عبارة عن قطعة خشبية ‏ ‏سميكة فيها ثقوب متوزعة ما بين اليمين واليسار للف القطن الاسود فوقه وتبرم حتى ‏ ‏تصل إلى مستوى معين وبعد ان نهيئ الوجه الخارجي للعقال نقوم بتسحيب الوجه دون حله ‏ ‏وهذه عملية تحتاج لمهارة جيدة."
وأضاف "بعد عملية اللف يتم الوصل بين طرفي العقال بقطعة من القطن الاسود ‏ ‏بعدها تبدأ عملية الحبك والتكعيب ووضع الشرشوبة وفي النهاية نقوم بعملية ترتيب ‏ ‏وتجميل العقال عبر حرق الوبر الخارجي وازالة الخيوط الزائدة وتنظيفه من أي مخلفات.‏"
وحول المواد الاولية التي تدخل في صناعة العقال قال قشلان "المواد بشكل اساسي ‏ ‏هي الحرير الطبيعي والصوف وشعر الماعز ونايلون من نوع خاص يتم استيراده خصيصا".
وبالنسبة لالوان واشكال العقال فان اللون المتداول للعقال هو الاسود.‏
وبالنسبة لشكل العقال وتطوره في الفترات الماضية قال "انه تطور شكله منذ القدم ‏ ‏وحتى الان حيث كان يصنع سابقا على شكل الخوذة الواقية كدائرة سميكة الاطراف يتدلى ‏ ‏منها عدد كبير من الشراشب أو يصنع على حلقتين مزدوجتين تنتهيا بشراشب طويلة أو من ‏ ‏حلقة واحدة سميكة وتعترض حلقاته فواصل تزينية مبسطة وكل ذلك لتثبيت الغترة.‏"

ابا عن جد
وتابع "ان الآلة دخلت من جديد في صناعة العقال ولكن ليس في كل مراحل التصنيع اذ ‏ ‏مازالت هناك مراحل لا يمكن التعامل معها الا يدويا.‏"
وعن سؤاله حول اهمية الشراشب الموجودة في العقال وفائدتها اجاب "لهذه الشراشب ‏ ‏فوائد كثيرة فهي عادة يربطها الرجل بجسمه عندما تتدلى على رقبته وبالتالي يضمن ‏ ‏عدم سقوط العقال عن رأسه لانه من العادات والاعراف المتداولة انه اذا سقط العقال ‏ ‏عن رأس الرجل فهذا اهانة له ويصبح محط تهكم الجالسين معه.‏"
وعن الزبائن الذين يشترون العقال واسعاره قال "يتفاوت سعر العقال حسب طريقة ‏ ‏صنعه والمواد الداخلة فيه فاذا كان من الحرير الطبيعي والمصنع قام بشغله بطريقة ‏ ‏دقيقة فسعره يكون مرتفعا .‏ اما اذا كان من الحرير الصناعي ويسمى العقال الشعبي فهذا سعره منخفض ونقوم ‏ ‏عادة بتصدير الانواع الفاخرة إلى بعض الدول العربية وخاصة دول الخليج".
وللعقال ‏ ‏تسميات في بعض المناطق السورية مثل اسم البريم والاسم هنا جاء من فعل برم حيث ‏ ‏العقال مبروم وعقال كونه يعتبر رباطا للرأس ومن اشهر انواع العقال هو المرعز ‏ ‏المصنع من شعر الماعز ومن انواعه السنارة الذي يصنع بواسطة آلة تسمى السنارة ‏ ‏وهناك الفيصلي نسبة إلى الملك فيصل.
وحول ما يلاحظه اثناء شراء العقال من عنده قال "الكويتي يلبس ‏ ‏العقال الواسع والقطري يطلبه باربع جدايل (شراشيب) والاردني بجديلة واحدة.‏"
وللعقال اهمية كبيرة في الاعراف والتقاليد والعادات المتوارثة وخاصة لدى سكان ‏ ‏البادية من القبائل حيث يعتبر العقال عندهم محل فخر ورجولة وشهامة ومن بعض ‏ ‏العادات التي كانت تتبع سابقا انه في حال اعتدت قبيلة على اخرى يقوم ابناء ‏ ‏القبيلة المعتدى عليها بخلع عقالاتهم حتى يردوا المعتدي ويقسموا بان لا يعيدوها ‏ ‏الا اذا استردوا حقوقهم وكرامتهم.‏
كما يدخل ايضا في عادات الثار فاذا قتل شخص على يد شخص اخر فان اهل المقتول ‏ ‏وخاصة اخوته الشباب وابناء عمه ووالده يميلون عقالاتهم من على رؤوسهم في اشارة ‏ ‏إلى ان لهم ثأر عند عائلة القتيل ولا يعيدونها مستقيمة حتى ياخذون ثأرهم.
ومن التقاليد الشائعة بين الناس والمتداولة بشكل يومي ان يقول شخص لاخر "نكست ‏ ‏عقالنا" وذلك اذا قام شخص بعمل مشين وغير مؤدب فيعتبر انه اساء لكل افراد عائلته ‏ ‏أو قبيلته.‏
ومن عادات العقال عند القبائل والعشائر البدوية اذا جرت مصالحة عشائرية بين ‏ ‏عشيرتين في حادث قتل يقوم اقرب الناس إلى القاتل بخلع عقالاتهم عن رؤوسهم ووضعها ‏ ‏في رقابهم على بعد عشرات الامتار من المكان المخصص للمصالحة وعادة ما يكون بيت ‏ ‏شعر ويتقدمون إلى ذوي القتيل الجالسون وعندما تتم المصالحة اما بدفع الدية أو ‏ ‏التنازل عن حقهم يقوم اهل القتيل بارجاع عقالات اهل القاتل من اعناقهم الى ‏ ‏رؤوسهم.(كونا)