قصة بطارية هاتف الرئيس عرفات؟

بقلم: أسامة أبو ارشيد

يعود رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، السيد ياسر عرفات ليثبت أن حصاره وسجنه كان أفضل لمصلحة القضية ولسلامة شعبه من الإفراج عنه وإطلاق حرية حركته.
لقد سبق وكتبت في نفس هذه الزاوية أن مشكلة القضية الفلسطينية أنه تمّ تحجيمها في شخص هذا الرجل وابتسارها فيه. فعندما كان محاصرا في غرفة مكتبه في المقاطعة العملاقة التي دمرتها قوات الاحتلال، كان حديث كل العالم وخطابه، وخصوصا العربي منه، أنه لابد من الحفاظ على سلامة عرفات. وعندما كانت الفضائيات العربية والقنوات الأمريكية والأوروبية تقدم لنا المتحدثين باسم السلطة الفلسطينية، كانوا يسهبون في الحديث عن كل صغيرة وكبيرة في مكتب السيد عرفات، وآخر المستجدات عنده، بحيث شعر الجميع منا في كل أنحاء العالم بأننا نعيش مع "أبي عمار"، نفرح لفرحه عندما يحصل على بعض الكرم الصهيوني ويفتحوا له صنبور المياه، ونكاد نموت غما وكمدا عندما تفرغ بطارية هاتفه!
لا تنسوا أن كل ذلك التوصيف الدقيق والمفصل والممل في مكتب عرفات من أفواه مسئولي السلطة الفلسطينية الأشاوس، كان يأتي في الوقت الذي تنوح فيه مئات بل آلاف الثكالى على أطفالهن وأبنائهن وإخوانهن وأخواتهن وأقاربهن في مخيم جنين ونابلس القديمة، وفي كل مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن لا قادة السلطة، ولا حتى رئيسها، كان عندهم وقت، مهما قل، للحديث عن مأساة شعب، وجريمة العصر الصهيونية، ولا نقول النازية الجديدة، فثمة حالة من التماهي بين الصهيونية والنازية.. بل وقد نجحت الصهيونية بكل جدارة في أن تفوق النازية، فإذا كانت تلك الأخيرة فعلت جرائمها من وراء العالم، وفي غيبة الإعلام والصور والمؤسسات الدولية، فإن الصهيونية فعلت جرائمها ضاربة بعرض الحائط ما يسمى الرأي العام الدولي، وداست على كرامة أنظمة عربية لم تجد أكثر من التوسل والعويل لإسرائيل لإيقاف مذابحها، لا خوفا وحزنا على الشعب المنكوب، ولكن خوفا على كراسي بدا أنها قد تواجه طوفانا ينظف عفونتها.
إذن، المهم سلامة شخص السيد الرئيس، الذي جعل شارون من شخصه ملهاة ونكتة. فتارة يصر على أنه شهيد، لا غير، وتارة أخرى نراه يتحدث عن انقطاع بطارية هاتفه.. أي العرفاتين نصدق؟..أنا شخصيا أصدق الذي أقام الدنيا ولم يقعدها لتزويده ببطارية هاتف جديدة، أو إعادة الكهرباء لبعض الوقت لشحن الأولى.. وذلك كي يشنف آذاننا بآخر أخبار هاتفه وحصاره في قلعته التي بناها سجنا لأبناء شعبه، فكافأه ربه بأن كانت سجنا له أياما عله يتعلم الدرس.. ولكنه كعادته يأبى.. فالمهم سلامته.. ويبقى حاله مع ربه.."وإن عدتم عدنا".
أعرف أن محبي الرجل والضحايا الجدد لشعبيته المقيتة بعد احتجازه، و"صموده الأسطوري" في مكتبه في رام الله لن يعجبهم هذا الكلام. ولكني واحد من ملايين الشعب الفلسطيني الذين لم يعجبهم أيضا أن يكون ثمن إطلاق سراح سيادته اعتقال غيره من أبناء شعبي، وكيف؟ تحت حراسة أمريكية بريطانية!
أيضا أنا واحد من الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين لم يعجبهم أن يكون ثمن تراجع المجرم شارون عن مخططه لإبعاد عرفات وطرده خارج فلسطين المحتلة، هو إبعاد ثلاثة عشر مقاوما إلى أوروبا أو كندا، وستة وعشرين إلى غزة.. وقد يظن البعض أن هذا الإبعاد بمثابة سياحة لهؤلاء المقاومين.. لا يا محبي الرجل! الثلاثة عشر سينقلون إما إلى سجن أوروبي أو كندي، أو سيكونون تحت حراسة ورقابة دائمة، وقد تصفيهم إسرائيل أيضا، لا بعد إبعادهم وحسب، بل وداخل الكنيسة نفسها التي ما يزالون محاصرين فيها لحظة كتابة هذا السطور، خصوصا وأن السيد رئيس السلطة سلم الدولة العبرية، قائمة بأسمائهم كلهم، وأخرج الباقين، وبقوا هم وحدهم، ولا زالت إسرائيل تمنع دخول الموفد الأوربي عندهم لحمايتهم من أي عملية غدر إسرائيلية. أما المبعدون إلى غزة فقد تعهد السيد الرئيس، رئيس الشعب كل الشعب الفلسطيني، بوضعهم وراء زنازين المعتقلات هناك، فداء لبطارية هاتفه، وماء دشه!.
أوسلو هي خطيئة عرفات، لا خطيئة الشعب الفلسطيني، وعرفات-لا الشعب الفلسطيني- هو من ارتضى أن تلعب سلطته وأجهزتها الأمنية دور لحد في قطاع غزة والضفة الغربية، وعرفات هو من اصطنع من حوله بطانة من الفاسدين والمرتزقة، ولم يكن ذلك خيار شعب.. عرفات هو من جاء بجبريل الرجوب "عراب" تصفية المقاومين وتسليمهم إلى الاحتلال، وهو من جاء أيضا بمحمد دحلان الذي تريده إسرائيل الآن قائدا مكان عرفات، بعد أن حرقوا أوراق الرجوب. ورغم أن عرفات هو من صنع هؤلاء وقربهم إليه، هاهم اليوم يتآمرون عليه وعلى قيادته، كما قضوا كل فترة حكمهم في سلطته الفاسدة في التآمر على شعبهم وقضيته.
إذا كان لابد لأحد أن يبعد فليكن السيد الرئيس. فنحن نضمن للسيد عرفات أن يفرش له السجاد الأحمر في كل مطارات العواصم التي ستقبل استقباله. ويستطيع أن يجد له اجمل قصر على إحدى التلال المطلة على البحر. بكلمة أخرى عرفات أقدر على تحمل الإبعاد من أبناء شعبه، كما انه من المضمون أن لا يستقبلوا بالسجاد الأحمر، وإنما بملابس زرقاء كئيبة هي عدة السجن خارج تراب أرضهم المقدس، ولا يستبعد أن توفر لهم دولة الإجرام الصهيوني الملابس الحمراء التي تدل على أن عملية إعدام غادرة قريبا ما ستأخذ مكانها على أيدي موسادها.
كلنا يذكر كيف باع عرفات وبجرة قلم حق العودة في مقال نشره في صحيفة نيويورك تايمز، وذلك بعد أن بدأ شارون والإدارة الأمريكية يفكران بصوت مسموع أن عرفات لا يصلح لصنع السلام وتقديم تنازلات مؤلمة، فما كان من الرجل إلا أن تنازل عن ما لا يملك، وهو حق عودة اللاجئين.. وقبلها كان اعتقل أمين عام الجبهة الشعبية السيد أحمد سعدات.. المهم بقاء شخصه. وهاهو اليوم يبعد أبناء شعبه، ليبقى سعادته "رئيس دولة فلسطين" التي لا يوجد منها فعلا إلا لقب سيادته!.
أقولها بكل صراحة، مصلحة القضية الفلسطينية اليوم هو غياب "صنم عرفات"، الإسلام جاء ليحررنا من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فكيف بحكم الإسلام إن كان البعض من أبناء جلدتنا اليوم يعبد "صنما" يضر ولا ينفع؟ هل يزيد دور عرفات اليوم عن قمع أبناء شعبه، وحث الماء والتراب في فمه حتى يسكت صرخات الألم المنبعثة من صدور ثكالى فلسطين وأطفالها؟ هل يزيد دور عرفات بعد الإفراج عنه عن دور قوات لحد العميلة في جنوب لبنان؟ هل يزيد دور عرفات عن تقزيم قضية شعب واختزالها في سلامة رئيسه، في حين ينتشر الخراب والدمار والقتل والحزن القاتل في أرضه وبين أبناء شعبه؟
عرفات والفاسدون من حوله الذين حولهم عقداء ووزراء هم سبب معاناة هذا الشعب، وهم سبب ألمه. في فترة الهدوء والسلم طاردوا شرفائه، وصفوا رجاله، وسرقوا ماله. وفي زمن الدمار الأخير الذي نشرته آلة الإرهاب الصهيونية، قزموا مطالبه، وابعدوا شرفائه، وطاردوا مرة أخرى رجاله. ولكنهم هذه المرة أضافوا جديدا. لقد قطعوا ألسنة شعبهم وكمموا فمه، وأوغروا السكاكين في صدره ليخرسوا أنين الألم المنبعث من شدة الألم وكرب المصيبة.
إذا كان لابد من إبعاد أحد، فليكن من أوصل الشعب الفلسطيني إلى هذا الحال، وإذا كان لابد من استقالة أحد فلابد من استقالة سذج أوسلو الذين وعدونا بالدولة فلم نر إلى الخراب. إذا كان لابد من سجن أحد، فلابد من سجن سياط الجلد الفلسطينية التي تستخدمها دولة الاحتلال لتكوي بها جلود وأجساد الشعب الفلسطيني. لماذا لا يحترم عرفات وسلطته أنفسهم ويستقيلوا، ويعلنوا فشلهم، لعلنا نحن أبناء الشعب الفلسطيني نغفر لهم. وأنا على يقين أن أغلب الشعب الفلسطيني سيعض على جراحه وسيخرس آلامه بالقوة، إذا ما كان الثمن استقالة عرفات، وغياب الفاسدين من حوله، ونحن أبناء الشعب سنسمح بأن يأخذوا معهم كل المال الذي سرقوه منا، سواء أكان عينيا أم سائلا، بحيث يتحول من مال حرام إلى مال حلال..المهم أخرجوا..وارحلوا..ودعوا الشعب يقرر مصيره ويختار الرجال الشرفاء ليقودوه.
ليتك يا عرفات سقطت شهيدا كما كنت تقول وتتعهد، ليتك غبت ونحن نحمل لك فضيلة الصمود في الحصار، ولكنك تأبى إلا أن تغادرنا بأسوأ الذكريات، أبيت إلا أن تركن إلى ذمة شارون، وإن غدا لناظره لقريب، ولكن أظن أن غيرك سيتعلم ما معنى ذمة شارون..أتمنى أن أكون مخطأ.
وإلى ذلك الحين سنبقى نهتف عاشت فلسطين، وعاش شعب فلسطين.. ولن نهتف عاش عرفات وسلطة عرفات. فقد سئمنا التقزيم والاختزال والخداع. أسامة أبو ارشيد-رئيس تحرير صحيفة الزيتونة، واشنطن alzaitonah@aol.com