السعودية تواجه تحديات اقتصادية كبيرة

لندن
عودة رؤوس الاموال السعودية تخلق فرصا واسعة للنمو

لم يسلم الاقتصاد السعودي، أكبر الاقتصاديات الخليجية، من التأثيرات السلبية الناتجة عن الأحداث الدولية التي شهدها العالم خلال العام الماضي بما فيها ركود الاقتصاد العالمي، وذلك لاعتماده بصورة رئيسة على النفط الذي يشكل 90 في المائة من صادرات البلاد ونحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
غير إن تأثيرات الأحداث العسكرية والسياسية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال العام الماضي 2001 على الاقتصاد السعودي لم تكن كبيرة بسبب النتائج الإيجابية التي سجلها الاقتصاد السعودي خلال عام 2000. وفيما يلي نحاول القاء الضوء على التحديات التي يواجهها الاقتصاد السعودي في الوقت الراهن. تراجع الناتج المحلي الإجمالي تؤكد المصادر الرسمية أن الناتج المحلي الإجمالي سجل تراجعاً واضحاً خلال عام 2001 مقارنة بالعام 2000 فقد بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الفعلي 3 في المائة فقط وبقيمة تبلغ 668 مليار ريال سعودي (178.1) مليار دولار مقارنة مع نحو 4.5 في المائة عام 2000 ونحو 0.4 في المائة عام 1999، و1.5 في المائة عام 1998.
ومن المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الاسمي خلال العام الجاري 2002 بنسبة 6.3 في المائة ليصل 626 مليار ريال (166.9 مليار دولار).
واستناداً إلى التقرير الذي أصدره البنك السعودي البريطاني، فإن إجمالي الناتج المحلي عام 2000 بلغ نحو 618 مليار ريال (164.8 مليار دولار)، مقابل 522 مليار ريال (139 مليار دولار عام 1999، في حين لم تتجاوز قيمة الناتج الإجمالي عام 1998 مبلغ 481 مليار ريال (128.2 مليار دولار).
وكان من تأثيرات الأزمة ان تحول فائض الميزانية الذي تحقق عام 2000 وقيمته 22.7 مليار ريال (6.053 مليارات دولار) إلى عجز بلغ أكثر من 25 مليار ريال (6.67 مليار دولار) في ميزانية العام الماضي، فقد بلغ إجمالي الإيرادات في عام 2001 حوالي 230 مليار ريال (61.3 مليار دولار).
كما ارتفعت النفقات الحكومية لتصل 255 مليار ريال سعودي ( 68 مليار دولار) العام المنصرم، أما بالنسبة لعجز ميزانية العام الجاري 2002، فتشير البيانات إلى أنه سيبلغ نحو 45 مليار ريال (12 مليار دولار) إذ قدرت إيرادات الدولة لعام 2002 بمبلغ 157 مليار ريال (41.8 مليار دولار) ، ومصروفاتها بمبلغ 202 مليار ريال (53.8 مليار دولار). وبذلك تعود الميزانية الحالية إلى العجز المستمر منذ عام 1983 مع استثناء عام 2000 الذي تم تسجيل فائض فيه. تراجع العائدات النفطية يعتمد الاقتصاد السعودي بصورة رئيسة على النفط، إذ تمتلك السعودية أكبر مخزون منه في العالم (ما يعادل 261.7 مليار برميل، وهو أكثر من ربع إجمالي الاحتياطي العالمي) وبذلك تحتل المرتبة الأولى كأكبر مصدر للنفط في العالم، وقد بلغ معدل إنتاج النفط خلال العام الماضي 2001 نحو 7.9 مليون برميل في اليوم (ما يعادل 12.2 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي)، فيما هبط متوسط سعر البرميل من 27 دولاراً في عام 2000 إلى 21.1 دولاراً خلال العام 2001، ومن المتوقع أن يهبط سعر البرميل إلى 17.5 دولاراً بانخفاض قدره 24.3 في المائة.
أما بالنسبة لقيمة العائدات النفطية فبلغت خلال العام الماضي 2001 نحو 187 مليار ريال (49.8 مليار دولار)، ومن المتوقع أن تنخفض العائدات النفطية لعام 2002 بنسبة 39 في المائة لتصبح 113 مليار ريال (30.1 مليار دولار). ولتشكل العائدات النفطية حوالي 72 في المائة من إجمالي العائدات لهذا العام بينما تشكل العائدات غير النفطية 28 في المائة.
أما بالنسبة للعائدات غير النفطية فسجلت هي الأخرى تراجعاً خلال عام 2001 حيث بلغت 45 مليار ريال، ومن المتوقع أن تنخفض خلال العام الجاري إلى 44 مليار ريال بسبب تخفيض التعريفة الجمركية من 125 إلى 5 في المائة والتي بدأ تطبيقها في منتصف العام الماضي.
ومن المتوقع أن يكون إجمالي العائدات لعام 2002 حوالي 157 مليار ريال (41.8 مليار دولار) مما يشكل انخفاضاً بنسبة 31.7 في المائة من العائدات الفعلية لعام 2001. تزايد الدين العام تقول تقارير رسمية إن حجم الدين الحكومي العام، والذي أغلبه ديون لمؤسسات ومصارف داخلية بلغ حالياً 630 مليار ريال (168 مليار دولار)، ويمثل 99 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي المقدر مبدئياً لعام 2001 بـ 637 مليار ريال (169.8 مليار دولار) مقابل 600 مليار ريال عام 2000 (160 مليار دولار) منها 26.3 مليار دولار ديون خارجية وهو ما يعادل 112 بالمائة من الناتج الإجمالي لعام 1999 ويساوي إجمالي الناتج لعام 2000، وتمسك البنوك التجارية بملغ 121.4 مليار ريال أو ما يعادل 19 في المائة من هذا الدين بارتفاع قدره 11.4 مليار ريال عام 2001.
وتتوقع مصادر مطلعة أن تزيد كتلة الدين العام خلال العام الجاري بأكثر من 10 مليارات دولار بسبب زيادة الاقتراض لسد العجز في الميزانية.
كما أظهرت إحصاءات رسمية أن الاحتياطات السعودية من النقد الأجنبي وحقوق السحب الخاصة (ناقصاً مخزون الذهب) بلغت 17.6 مليار دولار حتى نهاية العام الماضي 2001 مقارنة مع 19.6 مليار دولار عام 2000، وبذلك تكون احتياطات البلاد من العملات الأجنبية قد تراجعت خلال العام الماضي بمقدار 1.9 مليار دولار.
ومن المتوقع أن يستمر تراجع الاحتياطات من العملات الأجنبية في الوقت الذي ستبلغ موجودات البنوك المحلية في الخارج بنحو 105 مليارات ريال مع نهاية عام 2002.
أما بالنسبة لميزان المدفوعات فقد سجل تراجعاً هو الآخر في قيمة الفائض بلغت 22.3 مليار ريال (5.94 مليار دولار) الذي بلغ مع نهاية العام الماضي 2001 نحو 31.3 مليار ريال (8.34 مليار دولار) مقابل فائض قدره 53.6 مليار ريال (14.29 مليار دولار) تحقق خلال عام 2000 . والفائض الذي تحقق في عام 2000 يعد واحداً من أعلى مستويات الفائض في تاريخ المملكة حيث يمثل نحو 8.26 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
يشار إلى أن الحساب الجاري قد سجل عجزاً بلغ 49 مليار ريال خلال عام 1998 بسبب انخفاض أسعار النفط. ارتفاع معدلات البطالة تقدر المصادر الرسمية نسبة البطالة الحالية بين 15 إلى 20 في المائة بين السعوديين الذي بلغوا سن العمل بينما لا تتعدى نسبة السعوديات العاملات البالغ عددهن نحو 4.7 ملايين عن 5.5 في المائة، فيما يبلغ حجم قوة العمل نحو 7.2 مليون عامل حسب أرقام نهاية عام 2000، وفي ظل النمو السكاني المرتفع الذي بلغ معدله العام الماضي 3.27 في المائة فإن نسبة البطالة قابلة للارتفاع سنوياً بسبب أن أكثر من 60 في المائة من السكان دون سن 19 عاماً، وهو ما يعني أن أكثر من 120 ألف شاب يدخلون سوق العمل سنوياً.
ومن أجل مواجهة هذه الظاهرة والتقليل من آثارها الاقتصادية والاجتماعية عمدت السلطات السعودية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات منها توسيع قائمة الوظائف التي يحظر على الأجانب شغلها، وتحديد سقف أدنى للأجور في القطاع الخاص الذي يعمل فيه نحو 6.2 ملايين شخص. ويعمل الأجانب في هذا القطاع بأجور ضئيلة ويبلغ عددهم خمسة ملايين، إضافة إلى فرض ضريبة دخل على الوافدين بنسبة 2.5 في المائة، وجعل التأمين إلزامياً.
ووفقاً لتوصية أعدتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية سيتم إضافة 34 وظيفة إلى قائمة كبيرة من المهن التي يحظر على أكثر من خمسة ملايين من العمال الأجانب العمل فيها. وغالبية المهن الجديدة وظائف إدارية في القطاعين الخاص والعام.
وأعلن وزير العمل السعودي علي النملة أن بلاده تسعى لخفض العمالة الوافدة ضمن الخطة الخمسية إلى 25 في المائة وإن جهود الحكومة في سعودة الوظائف ارتفعت العام الماضي ما بين 16 و19 في المائة. وتنص الخطة الخمسية على تأمين وظائف لنحو 817 ألف سعودي بينهم 782 ألفاً في القطاع الخاص وللتوصل إلى ذلك تطمح إلى استحداث 311 ألف وظيفة جديدة وسعودة 471 ألف وظيفة أخرى.
ومن أجل تنفيذ الخطة أقامت الحكومة العام الماضي صندوقاً خاصاً لتشجيع سعودة الوظائف في القطاع الخاص. ويتم تمويل هذا الصندوق من رسم سنوي يبلغ مائة ريال (27 دولاراً) فرض على كل العاملين غير السعوديين. وقد جمع منذ إحداثه أكثر من 400 مليون ريال (107 ملايين دولار)، لكن المشكلة تكمن في الأجور المنخفضة التي لا تجذب السعوديين إلى القطاع الخاص إذ قدر متوسط الأجور بـ2461 ريالاً (656 دولاراً) عام 2000، لكن أجور السعوديين قدر متوسطها بـ6560 ريالا (1749 دولاراً). استقرار معدل التضخم تتمتع المملكة العربية السعودية بسجل مميز من معدلات التضخم المنخفض عبر فترة طويلة من الزمن وفي الواقع فقد انخفض مؤشر سعر الاستهلاك بمعدل 0.2 في المائة عام 2001 بالمقارنة مع انخفاضه بمعدل 0.6 في المائة العام السابق.
ومن المتوقع حدوث ازدياد طفيف في معدل التضخم بنسبة 1 في المائة خلال عام 2002 نسبة للارتفاع المتوقع في أسعار السلع غير البترولية المستوردة. إلا أنه ليس من المتوقع أن تتجاوز هذه الزيادة سعر السلع للمستهلك 2 في المائة خلال العام 2002 - 2003، ومع استمرار الحكومة في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، فإنه ليس من المتوقع حدوث زيادة ملحوظة في معدل التضخم في السنوات القليلة القادمة، وهي ميزة هامة بالنسبة للراغبين في الاستثمار في السعودية. عودة رؤوس الأموال من الخارج أما بالنسبة للتأثيرات الإيجابية للأحداث فلعلها تتمثل في عودة رؤوس الأموال المستثمرة في الخارج، فقد أكدت مصادر مقربة من أروقة وزارة المالية والاقتصاد السعودية أن 101.3 مليار ريال ( حوالي 27 مليار دولار) سحبها مستثمرون سعوديون من أرصدتهم في مصارف خارجية منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وحتى كانون ثاني/يناير الماضي.
وأشارت هذه المصادر إلى أن معظم هذه الأموال التي أعيدت استثمرت في سوقي الأسهم والعقار داخل البلاد، ومن الممكن أن تساهم هذه الأموال إذا ما استمر سحبها في التقليل من الانعكاسات السلبية الناتجة عن تراجع العائدات النفطية وتنشيط الاقتصاد. توقعات العام الجاري في ظل المؤشرات الحالية والمتوقعة حتى نهاية العام الجاري، يؤكد الخبراء أن العام 2002 سيكون صعباً بالنسبة للاقتصاد السعودي، فكل التقارير والبيانات تشير إلى انخفاض أسعار وإنتاج النفط الأمر الذي سيؤدي إلى نمو سالب في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2002.
ويبني هؤلاء الخبراء توقعاتهم على اساس أن يبلغ متوسط سعر برميل النفط 17.5 دولاراً لعام 2002 (مقابل 21.1 دولاراً للبرميل لعام 2001)، وأن يسجل متوسط الإنتاج النفطي للسعودية 7.25 مليون برميل في اليوم ( مقابل 7.9 مليون برميل في اليوم خلال 2001).
وهذه التوقعات أكدها تقرير للبنك الأميركي جاء فيه أن عام 2002 سيكون عاماً عسيراً حيث أن النمو الفعلي للناتج المحلي الإجمالي سيتراجع بنسبة 2 في المائة بصورة عامة، بينما سيبلغ الإنتاج النفطي 7 ملايين برميل، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يعوض النمو في القطاع الخاص غير النفطي لحد ما عن التراجع الكبير في النمو الحقيقي لقطاع صناعة النفط الذي يتوقع له أن يحقق نموا نسبته 4 في المائة في الوقت الذي ستظل نسبة التضخم ما دون 1 في المائة خلال العام الجاري.
بكلمة أخيرة إن تأثيرات الأحداث العسكرية والسياسية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال العام الماضي 2001 على الاقتصاد السعودي لم تكن كبيرة بسبب النتائج الإيجابية التي سجلها الاقتصاد السعودي خلال عام 2000، لكن هذه التأثيرات ستكون أشد وطأة خلال العام الجاري 2002 في ظل توقعات بتراجع الأسعار والإنتاج معاً وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى تزايد العجز في الميزانية، وتراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وتضخم كتلة الدين العام، وتزايد معدلات البطالة، فيما سيظل إنتاج النفط وعائداته هو العامل الرئيس في تحديد قوة أو ضعف الاقتصاد السعودي، على المديين القصير والمتوسط، إلا أن تركيز الحكومة المتزايد على الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية وتنشيط القطاعات غير النفطية سيقلل من الاعتماد المفرط على النفط وسيكون الاقتصاد في المستقبل أكثر قدرة على مواجهة تقلبات أسعار النفط. (ق.ب)