مؤرخو اسرائيل الجدد.. مناورة جديدة أم ماذا؟

المؤرخون الجدد أكدوا على الطبيعة الاستعمارية لإسرائيل

أبو ظبي – من هم مؤرخو اسرائيل الجدد، وكيف ظهروا، ولماذا، وهل يشكلون توجها جديدا في المجتمع الإسرائيلي أم انهم امتداد لمن سبقهم من الباحثين اليهود.
هذه الأسئلة وغيرها كانت محور دراسة أصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة بعنوان " مدرسة المؤرخين الجدد في إسرائيل "، وذلك في إطار إصدارات المركز حول المجتمع الإسرائيلي ماضيه وحاضره ومتغيراته الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية.
وجاء اختيار موضوع " مدرسة المؤرخين الجدد في إسرائيل " بهدف طرح إشكالية جديدة حول ظاهرة فكرية تنمو بوضوح في الآونة الأخيرة في داخل المجتمع الفكري والثقافي في إسرائيل، وهي ظاهرة ما يطلق عليهم بـ" المؤرخين الجدد في إسرائيل "، والتي بدأت في الظهور بوضوح بعد حرب أكتوبر عام 1973م، وتعكس هذه الظاهرة مدى التصدع الذي أصاب الشخصية الإسرائيلية التي تعيش حالة من الشتات الفكري والنفساني والثقافي نتيجة التناقضات الشديدة بين موجات الفكر السائد المفروض على هذا الكيان المستحدث، والتي تعكس أيضاً المزيج الواضح من حالات فقدان المرجعية الفكرية والثقافية والعقائدية أيضاً، وتعكس الكذب والتشكيك وعدم مصداقية الأفكـار والمبادئ الإنسانية والعقائدية والفكرية التي قام عليها المجتمع الإسرائيلي.
ومجموعة المؤرخين الجدد في إسرائيل هي مجموعة من الاجتماعيين الأكاديميين الإسرائيليين الهاربين من حصار قوالب الفكر العقائدي، والباحثين عن صياغات اجتماعية وفكرية جديدة للواقع السياسي الحالي للمجتمع الإسرائيلي، والساعين إلى إلغاء الطابع اليهودي لهذا المجتمع، اعتقاداً منهم بإمكانية انفتاح هذا المجتمع لاستيعاب الآخرين من غير اليهود.
ويتعامل المؤرخون الجدد في إسرائيل مع كافة القضايا المطروحة على الساحة الاجتماعية والسياسية والفكرية في داخل إسرائيل، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، ونظرية الدولة الإسرائيلية وارتباطها بالفكر الصهيوني، وإفلاس الفكر الصهيوني، وعدم مقدرته على الصمود في مواجهة التطورات والمتغيرات السريعة في المجتمع الإسرائيلي وما يحيطه.
وتحث الدراسة على متابعة التطورات والمتغيرات الفكرية والثقافية والاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي، وضرورة التعامل بحذر وبموضوعية مع هذه المتغيرات والتطورات، وعدم الانسياق وراء بعض الدعوات التي تنادي بالتعامل المباشر مع المجموعات الثقافية والفكرية الجديدة في إسرائيل تحت حجة الاستفادة منها لخدمة قضايانا العربية.
وتقدم دراسة " المؤرخون الجدد في إسرائيل " المحاور الفكرية الأساسية التي يقوم عليها هذا التيار الفكري في إسرائيل، وكذلك النقد الموجه إليهم سواء من داخل إسرائيل أو من خارجها، وخاصة في الدول العربية، والاتجاهات العربية الفكرية والسياسية التي تحذر من التعامل مع هؤلاء المؤرخين الجدد باعتبار أنهم لا يختلفون كثيراً عن سابقيهم، وخاصة في الأهداف وفي الحفاظ على كيان الدولة ودعمها، ودفعها للأمام عن طريق طرح أفكار جديدة بديلة للأفكار السابقة البالية التي لم تستطع الصمود أكثر من نصف قرن.

بدايات ظهور التيار الجديد
وباستعراض بدايات ظهور هذا التيار الفكري التجديدي في المجتمع الإسرائيلي، نجد أنه في أعقاب حرب عام 1973م ظهرت في إسرائيل موجة من الكتابات التي كشفت عن مدى التصدع الذي أصاب النفس الإسرائيلية ومعنوياتها، وطالبت بعض هذه الكتابات بضرورة المكاشفة، وخاصة في ضوء اعتراف المؤسسة العسكرية الحاكمة بأن هناك حالة من التقصير قد حدثت وتشكلت اللجان لبحثها.
وفي ظل هذه الظروف ظهرت أعمال أدبية وفنية تلقي بظلال الشك على الدور الذي لعبـه اليهود الشرقيون ( السفارديم ) – وخاصة يهود البلدان الإسلامية – في الحركة الصهيونيـة، ومن أبـرز تلك الأعمـال الدرامية مسلسل " عمود النار " ، والذي عرضه التلفاز الإسـرائيلي عام 1974. وأخذت مؤسسات المجتمع الإسرائيلي تلقي باللوم على بعضها البعض، وسيطرت فكرة محورية مفادها أن البيئة الاجتماعية والنفسية الإسرائيلية قد شهدت تغيراً، وأن التقصير العسكري الذي تسبب في الهزيمة والمفاجأة التي حدثت يعودان إلى تقصير ذهني ومادي إسرائيلي أكثر من كونهما نتيجة تفوق مصري وسوري، وأن حالة الاستعلاء والتفوق المزعوم التي سيطرت على الإسرائيليين نتج عنها جمود فكري أدى إلى النتائج التي أفضت إليها حرب أكتوبر عام 1973م.

دور اليهود الشرقيين
وقد نشأ الصراع الثقافي والاجتماعي الداخلي معبراً عن غضب اليهود الشرقيين، بعد أن تحملوا الكثير من اللوم والتشكيك عن دورهم في مرحلة تكوين الدولة، فظهرت بعض التنظيمات الاحتجاجية، ومن ثم أسسوا في بداية السبعينيات حركة " الفهود السود "، وتلتها تنظيمات سياسية متعددة تعبر عن وجهة نظر فئة اجتماعية في إسرائيل هي فئة اليهود الشرقيين، الذين عانوا من تعالي الفئة الإشكنازية الحاكمة، والتي لم تسمح لتطلعاتهم أن تظهر على سطح الحياة الاجتماعية، وعانوا من مواقف الحرمان والتهميش الكثير وحرص اليمين الصهيوني في إسرائيل على احتضان هذه التيارات، واستغل احتجاجاتهم لصالحه، مما كان له أكبر الأثر في وصوله إلى الحكم عام 1977م.
ولقد لفت هذا التغيير الاجتماعي والسياسي نظر علماء الاجتماع والتاريخ فاهتموا بدارسة هذه الظاهرة الاجتماعية، وخاصة مع تنامي شعور الثقة الذي بدأ يسود في الأوساط الفلسطينية التي لم تغادر أرضها عام 1948م، والذين كان محرماً عليهم تشكيل تنظيمات سياسية خاصة بهم، وكان تمثيلهم السياسي والاجتماعي يتم من خلال مؤسسات يهودية صهيونية، وبدءوا يتحمسون أكثر من ذي قبل لإسماع صوتهم ومناقشة الرواية الصهيونية في تاريخهم الذي تعرض للتحريف من جانب كل الدراسات الإسرائيلية التي تناولته.

حرب العام 1973
ومن جانبهم بدأ علماء التاريخ والاجتماع في البحث مرة أخرى في العديد من القضايا من خلال دراسات أكاديمية تحاول توضيح الصورة، ومناقشة قضايا لم يكن يُسمح بمناقشتها من قبل خشية تأثيرها السلبي على البناء الاجتماعي والسياسي والعسكري للدولة، وخاصة أنها في طور التكوين، ولكن من بين هؤلاء العلماء من كان ينظر إلى أن النظرية القومية التي قامت عليها إسرائيل، وهي الصهيونية، على انه أصابها الإفلاس، وأصبحت شيئاً من الماضي، وينبغي النظر إلى ما بعد الصهيونية، باعتبار أن الصهيونية أكملت مهمتها بإنشاء الدولة.
وقد وجدت البدايات المبكرة لهذا التفكير الأكاديمي معارضة شديدة، خاصة في ضوء التطورات التي شهدها المسرح الإقليمي، مع تزايد نفوذ المؤسسة العسكرية وسيطرتها وانتصاراتها وتوسعاتها في يونيو عام 1967م، وانحســر في هذا الوقت التفكير " المابعدي ( ما بعد الصهيونية) أو كاد، إلى أن جاءت أحداث عام 1973م ثم أحداث غزو لبنان عام 1982م وتطوراتها، التي ما زالت حلقاتها مثارة حتى الآن لتعيده إلى بؤرة الشعور لدى البعض، وقامت فئة من العلماء وخاصة علماء الاجتماع بطرح افتراضات أكثر تشككاً في الوقائع المطروحة، وكانوا يهدفون من ذلك الوصول إلى الحقيقة .
واعترض علماء الاجتماع الجدد على الجامعات الإسرائيلية التي لم تشجع الاتجاهات النقدية في المجالات الدراسية المختلفة، وخاصة الاجتماعية، خدمة لاتجاهات محددة بعينها، وانتقدوا أيضا المناهج الدراسية والبحثية المطبقة في الجامعات الإسرائيلية والتي تهدف إلى تكريس اتجاهات عقيدية بذاتها تشير إلى استحقاق الأرض وتميز الشعب اليهودي.

اقرب للرواية الفلسطينية
وفي محاولة من علماء الاجتماع الجدد لإخضاع مفاهيم تاريخية للدراسة النقدية، تعرض هؤلاء العلماء، مستخدمين أدوات علم الاجتماع السياسي، للصهيونية بمنظور نظري في اقترابها من فلسطين، والتعامل مع الأرض والسكان فوصلوا إلى نتيجة مؤداها أن التناول الصهيوني لا يختلف عن أي ممارسة استعمارية تقليدية مواكبة للعصر الاستعماري الذي وجدت فيه الصهيونية.
وجاءت هذه النتيجة، وهي أقرب إلى الرواية الفلسطينية، وآمن بها كثير من المؤرخين الجدد.
وتكشف الدراسة أن هؤلاء العلماء تجنبوا استخدام النموذج العقيدي في دراساتهم، حتى لا يقعوا فريسة الفرضيات التي التزم بها زملاؤهم الأكاديميون من قبل في الإطار التبريري لقيام الدولة الإسرائيلية، ولأنه لا يُمكن التراجع عن الواقع السياسي الحالي ودولة إسرائيل القائمة فإنه ينبغي أن تصبح هذه الدولة لجميع مواطنيها، يهود وعرب ، على قدم المساواة ، وبالتالي فينبغي إلغاء الطابع اليهودي للدولة لتحقيق هذا الأمر.