فرنسا: هل كانت التغطية الاخبارية التلفزيونية وراء نجاح لو بان؟

باريس - من سيجفريد مورتكوفيتز
لوبان نجح لتركيزه على ما يمس قضايا الفرنسيين بشكل مباشر

ثبتت عدسات الكاميرا على وجه الرجل العجوز الذي كانت آثار الرضوض الناجمة عن ضربات تلقاها لا تزال واضحة فيه، ثم تحولت الكاميرا لعرض مشاهد لشقته المدمرة التي أضرمت فيها النار على يد نفس قطاع الطرق الشباب الذين انهالوا عليه ضربا ورفسا.
وقال مذيع الاخبار في قناة فرانس-2 التلفزيونية "إنها الوحشية والهمجية بعينها".
وقد حظي الهجوم الوحشي على الرجل العجوز المعروف باسم "بابا فواز"، إضافة إلى منظره المؤثر وهو يبكي في حجرته بالمستشفى، بتغطية واسعة في مختلف البرامج الاخبارية الفرنسية قبل يوم واحد فقط من الجولة الاولى للانتخابات الرئاسية في فرنسا التي جرت يوم الاحد الماضي.
ويتساءل الفرنسيون عقب تلك الانتخابات الصاعقة عما إذا كانت مشاهد العنف الاجرامية الكثيرة وضحاياها في البرامج التلفزيونية الاخبارية الليلية قد ساعدت اليميني المتطرف جان-ماري لو بان على التقدم إلى انتخابات الاعادة في الخامس من أيار/مايو القادم على حساب رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان.
ويدعو لو بان إلى إعادة تطبيق عقوبة الاعدام التي ألغيت في فرنسا منذ عام ،1981 وإلى إعادة توطيد الحدود الفرنسية التي أزيلت بموجب اتفاق شينجن في إطار الاتحاد الاوروبي بغية "السيطرة على تدفق الاجانب" الذين طالما حملهم المسئولية عن الجريمة في فرنسا.
وقد أثيرت مسألة دور التلفزيون في النجاح الانتخابي غير المتوقع للو بان بعد تقارير أفادت أن قرى فرنسية عديدة ليست لديها مشاكل تتعلق بالجريمة قد صوتت بأغلبية ساحقة لصالحه.
وفي محاولة لتفسير منح صوته لليمين المتطرف قال رجل في منتصف العمر من المقيمين بإحدى تلك القرى في منطقة الالزاس شرق فرنسا، لصحفي أن "ما أراه كل يوم على شاشة التلفزيون يصيبني بالهلع".
ولم تكن مشاهد مأساة "بابا فواز" سوى الاحدث في سلسلة طويلة من التقارير في التلفزيون بشأن الجريمة في فرنسا.
فلعدة أشهر والبرامج الاخبارية تتحدث باستفاضة وبالصور عن جرائم القتل والاغتصاب والتعذيب وحرق السيارات.
وقبل أقل من شهر واحد من انتخابات الاحد الماضي استفاضت تلك البرامج في الحديث عن اغتيال ثمانية من أعضاء المجلس المحلي في نانتير القريبة من باريس على يد رجل في الثلاثين من غيره يعاني من اضطرابات نفسية تم منحه ترخيصا بحمل أسلحة آلية.
وفي مناقشة على محطة تلفزيون ال.سي.اي، اتهمت سيجولين رويال وزيرة الاسرة الفرنسية محطات التلفزيون الفرنسية "بالتنافس على عرض المشاهد الاكثر عنفا" وبخيانة "مسئولياتهم الاخلاقية".
وتساءلت الوزيرة الفرنسية "لماذا لا تعرض أيضا الاحياء الآمنة ونتحدث عن المدارس التي حلت مشاكل العنف فيها".
وأثار الرئيس جاك شيراك الذي يواجه لو بان في الخامس من أيار/مايو القادم القضية بشكل غير مباشر في مقابلة تلفزيونية مؤخرا.
وفي معرض تلميحه أن الناخبين صوتوا لصالح لو بان بسبب ما يراودهم من مخاوف تتعلق بالامن والنظام، انتقد شيراك الصحفيين بشدة بقوله "إنني لا أختار موضوعاتكم. ولكن ما هذا الذي نشاهده في التلفزيون كل يوم؟ مشاهد عنف ومشاهد عن الجريمة".
بيد أن باتريك بوافر دارفور قارئ الاخبار المعروف ونائب مدير قناة تي.اف-1 دافع عن التغطية الاخبارية التلفزيونية،قال "اهتماماتنا هي نفس اهتمامات الجميع. ونحن نريد أن نؤدي عملنا على أفضل ما يرام. وهذا يعني عرض كافة المعلومات دون حذف وبطريقة فنية مدروسة".
وفي معرض إشارته إلى ارتفاع معدلات الجريمة في فرنسا مؤخرا بنسبة7.6 في المائة قال "إننا لم نخلق الجريمة إنها موجودة بدوننا".
وأضاف أنه تلقى خطابات عديدة من مشاهدين يلومونه على عدم عرض بعض الحوادث الاجرامية التي ارتكبت في أحيائهم.
وقال "هذا ما يقول لي الفرنسيون أنهم يريدونه. إنهم يريدون أن يعرف الشعب ما يجري".
ويتفق مارك لازار الباحث بالمركز الفرنسي للبحوث السياسية مع هذا الرأي. ويقول أن انتصار لو بان بني بصورة واسعة على أساس واقع الجريمة.
وقال لازار "إن جوسبان والاشتراكيين لم يفهموا أن الفقراء في فرنسا يخافون الجريمة أكثر من خوفهم من فقدان وظائفهم أو من عدم حصولهم على حقوق متكافئة في التعليم".
وأضاف أن معظم الجرائم لا تقع في الاحياء التي تسكنها الطبقة المتوسطة بل في الضواحي والاحياء التي يسكنها من هم دون ذلك.
وكان تحول هؤلاء من الاشتراكيين إلى لو بان، وراء إلحاق الهزيمة المخزية بجوسبان في الانتخابات وهو كذلك الذي قلب الحياة السياسية في فرنسا رأسا على عقب.