مظاهرة 20 أبريل ... نهاية لصمت المواطن الأميركي

بقلم: علاء بيومي

هناك دلالات عديدة لمظاهرة العشرين من أبريل الحالي والتي وصفها المحللون بأنها أكبر مظاهرة تأييد للشعب الفلسطيني في تاريخ الولايات المتحدة، وسوف نحاول في هذه المقالة تلخيص بعض هذه الدلالات خاصة فيما يتعلق بدور المسلمين الأميركيين في مساندة القضية الفلسطينية داخل الولايات المتحدة.
أول الدلالات التي رأيناها ظاهرة في مظاهرة العشرين من أبريل هي كون القضية الفلسطينية المحرك الأول لجموع المسلمين والعرب في أميركا، فما رأيناه يوم السبت الماضي يوضح أن فلسطين وحدها القادرة على تجميع المسلمين والعرب في أميركا وعلى تحريكهم عاطفيا وماديا، وعلى تحويل قوتهم العددية إلى فعل مادي محسوس.
ولا يعني هذا أن فلسطين هي القضية الوحيدة الموجودة على أجندة مسلمي أميركا السياسية، فقد احتج المتظاهرون يوم العشرين من أبريل على السياسية الأميركية تجاه العراق وكشمير وتجاه حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا وتجاه التحيز ضد قضايا المسلمين والعرب في الدوائر الإعلامية والسياسية.
ولكن المثير هو أن القيادات المسلمة والعربية الأميركية اتـفقت وقتا ليس قصيرا في الشهور الماضية تفكر في كيفية تحريك الجماهير المسلمة والعربية في حدث سلمي إعلامي جماهيري وسياسي ضخم يشغل العاصمة الأميركية واشنطن، وسبحان الله استطاعت القضية الفلسطينية تجميع ليس فقط المسلمين والعرب الأميركيين وإنما أيضا الأميركيين أنفسهم بعشرات الآلاف، كل هذا حدث تلقائيا وعفويا وبسهولة ونجاح أدهشوا منظمو مظاهرة العشرين من أبريل.
ثاني الدلالات التي أحب الإشارة إليها في هذه المقالة هو دور الأميركيين أنفسهم في مظاهرة السبت الماضي، وهو دور كبير ليس فقط لمشاركة آلاف الأميركيين في المظاهرة ولكن أيضا لأن منظمي المظاهرة هم بالأساس مجموعات ومنظمات أميركية تتشكل من تحالف يضم أكثر من 300 منظمة أميركية غير مسلمة وغير عربية.
وقد رأيت بعض الأميركيين الذين شاركوا في هذه المظاهرة يجوبون شوارع واشنطن ليلا وبعد انتهاء المظاهرة ورحيل الجموع المسلمة والعربية حاملين الأعلام الفلسطينية.
فعدد كبير من المنظمات الأميركية غير المسلمة وغير العربية التي شاركت في مؤتمر الأمس تعتبر جزأ مما يسمى بحركات السلام الأميركية وهي نفسها تعد جزأ مما يسمى بحركات الحقوق المدنية والحركات المناهضة للحرب والحركات المناهضة لسيطرة الدول الغنية على الدول الفقيرة والحركات المناهضة لانتشار أسلحة الدمار الشامل، بمعنى أخر هي حركات مناهضة لكل المكونات السلبية لنظام الرأسمالية الغربية خاصة فيما يتعلق بهيمنة الغرب على الشعوب الفقيرة.
فأبناء هذه الحركات يشعرون بالظلم الواقع على أبناء الشعوب الفقيرة ويبذلون أقصى جهودهم لتوعية الشعب الأميركي بمعاناة هذه الشعوب وبمعاناة الأقليات التي تتعرض للتمييز، ولو أتيحت لك الفرصة لمصادقة بعض المشاركين في هذه الجماعات لوجدتهم من أكثر الناس انفتاحا على الأخر ورغبة في تفهمك وشعورا بهمك وخوفا على التمييز ضدك وجرح مشاعرك بسبب اختلاف اللغة أو الثقافة أو الدين.
بمعنى أخر أبناء هذه الحركات هم دبلوماسيون على أعلى مستوى ولكنهم دبلوماسيون فقراء يرفضون عمدا القوة الاقتصادية والسياسية كنوع من الاحتجاج على ما قادت إليه هذه القوى في صورتها الرأسمالية السلبية من ظلم وقسوة في حق الفقراء والمستضعفين.
ومن خصائص أبناء هذه الجماعات الحزن والقلق النفسي الدفين الذي يحملونه معهم أينما ساروا فهم عبارة عن جماعات رفض لواقع المجتمعات الغربية الأخلاقي والقيمي الفاسد فهم يشعرون بالأسى ليس فقط لأبناء الجماعات المستضعفة والمظلومة ولكن أيضا لأسرهم الممزقة ولأحلامهم وأجسادهم المنتهكة المظلومة التي لا تجد مرسى ولا نهاية لعذابها هذا فهي لا تجد من يقدم لها بديل قيمي يذود أنفسها التائهة بالراحة.
ولمعاناة أبناء هذه الجماعات لا يقبل علي عضويتها أعداد كبيرة من الأميركيين، فالأميركيين بطبيعتهم يخشون الألم ويبحثون عن اللذة، ولكن هذه الجماعات رغم قلة عضويتها تتميز باحترام وتقدير فئات واسعة داخل المجتمع الأميركي فهي تكاد تكون ضمير الأمة الأميركية الحي والذي يتألم ويعاني العذاب – وفقا لبعض فلسفات الفكر الغربي – ليكفر عن سيئات بقية أبناء المجتمع ويحقق لهم الخلاص الأبدي الذي يبغونه ولا يطيقون مشقة السعي إليه.
وجود مثل هذه الجماعات في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية يعطي لنا مؤشرا على وجود فرصة كبيرة للتقريب بين الحضارتين الغربية والإسلامية، وقد أثبتت مظاهرة العشرين من أبريل أن هذا التقريب هو حقيقة واقعة، وأتذكر قول أحد قادة هذه الجماعات - خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد يوم الخميس الموافق التاسع عشر من أبريل للإعلان عن المظاهرة – حين ذكر أن هذا التحالف من المنظمات المنظمة لمظاهرة العشرين من أبريل فكر منذ عشرين سنة وتحديدا حين توغلت القوات الإسرائيلية في لبنان في أن ينظم مظاهرة مشابهة لمظاهرة اليوم للاحتجاج على التصرفات الإسرائيلية، ولكنه وفقا لقوله في ذلك الوقت خشيت هذه الجماعات من تهميش دور المنظمات الموالية لإسرائيل داخلها في الوقت الذي لم تجد فيه منظمات مسلمة وعربية مساندة لها.
بمعنى أخر أن وصول المسلمين والعرب لهذه الجماعات تأخر حوالي عشرين عاما، كما أنه يعني أن المنظمات الموالية لإسرائيل عزلت نفسها عن إحساس وحركة الجماهير الأميركية والمواطن الأميركي العادي فقد أصبحت ترى يوم بعد يوم كجزء من تركيبة القوة السياسية والإعلامية والاقتصادية في أميركا وبعيدة كل البعد عن تركيبة البنية الشعبية والسياسية والإعلامية والاقتصادية التي لولاها لما سارت عجلة الإنتاج والقوة في الولايات المتحدة.
هذه يعني أن المسلمين والعرب في أميركا لديهم فرصة كبيرة للوصول إلى الشعب الأميركي ذاته، وأعتقد أيضا أن هذه الفرصة كانت سانحة منذ سنوات وربما عقود طويلة ولكننا لم نستثمرها، وقد كرر قادة المنظمات المسلمة والعربية الأميركية المقولة السابقة وأكدوها في كل مناسبة، فليس من الصعب على أي نشط مسلم أو عربي مقيم في أية مدينة من المدن الأميركية بما في ذلك العاصمة الأميركية واشنطن أن يدرك أن جميع أبواب المؤسسات الإعلامية والسياسية والدينية والجماهيرية الكبرى مفتوحة أمامه بما في ذلك الكونجرس الأميركي ذاته.
والمشكلة بالأساس تكمن – من وجهة نظري – في عقلية المسلمين والعرب أنفسهم الذين ينظرون إلى كل النظم والتجارب السياسية بنفس العقلية التي كونوها بسبب نشأتهم في بعض البلدان التي لا تشجع المشاركة السياسية، إذ يميل العرب والمسلمون دون قصد إلى رؤية جميع الأنظمة السياسية على أنها أنظمة مغلقة مستحيل الوصول إليها ومحاطة بسياج أمني وسياسي قوى يستحيل التوغل فيه بأي طريقة إلا بإرادة القائمين عليه.
وبسبب هذه المعتقدات يقرر غالبية المسلمين والعرب عدم خوض تجربة التأثير على المواطن الأميركي قبل بدايتها أساسا، ويفضلون اتباع مذهبهم السياسي المفضل الذي نشئوا وتدربوا عليه خارج أميركا وهو مبدأ النقد من أجل النقد الذي لا يقود إلى فعل وإنما إلى السخرية من كل شي وحتى من النفس ذاتها.
وأحب هنا أشير إلى الدور النشط الذي يقوم به بعض النشطاء المسلمون على شبكات الإنترنت والذين نجحوا إلى حد كبير في استخدام الإنترنت كوسيلة اتصال بنظرائهم في المجتمع، ويوما بعد يوم يثبت نجاح هؤلاء النشطاء في الوصول إلى قطاعات واسعة داخل المجتمع الأميركي.
النقطة الثالثة التي أحب الإشارة إليها هنا هو دور القيادات المسلمة الأميركية في قيادة هذه الحركة وتوجيهها في اتجاهها الصحيح، فقد وجه أحد القادة المسلمين الأميركيين انتباهي إلى حقيقة أن بعض حركات السلام الأميركية مثل الحركات التي شاركت في مظاهرة العشرين من أبريل انتهجت منهجا انعزاليا رافضا العمل على التغيير السياسي بالضغط على قمة النظام السياسي الأميركي مكتفين بالعمل مع والتأثير على القاعدة الجماهيرية الأميركية.
وقد وجه هذا القائد نظري إلى ذكاء المنظمات المسلمة الأميركية ووعيها السياسي، فهي ترفض تصنيفها كجماعات جماهيرية فقط أو سياسية نخبوية فقط فهي تريد العمل على المستويين معها، ودلالات هذا المنهج هامة وعظيمة، لأنها تعنى أن هذه القيادات تحاول التحلي بأكبر قدر من الحكمة السياسية الذي يسعدها للوصول إلى قمة الهرم السياسي الأميركي دون الانعزال عن قاعدته.
ومن دلالات هذه المنهج أيضا أن قيادات المسلمين الأميركيين راغبة في العمل مع النظام السياسي الأميركي وأنها تؤمن بوجود فرص لها للعمل مع هذا النظام وأن هذا النظام لديه من العدالة والحرية ما يسمح لها بالمشاركة فيها والتسلق إلى أعلى قمته.
إضافة إلى ذلك في تصوري أن قيادات المنظمات المسلمة الأميركية السياسية تتمتع بقدر كبير من الحنكة السياسية الذي يميزها عن غيرها من المنظمات التعبوية الشعبية المسلمة الأميركية والتي تنتمي إليها غالبية المنظمات المسلمة الأميركية التي نشأت بالأساس لرعاية شؤون المسلمين الأميركيين التعليمية أو التربوية أو الاجتماعية أو الدينية.
وقد تولت المنظمات التعبوية الشعبية مهمة قيادة المسلمين الأميركيين حتى على الساحة السياسية لفترة طويلة، وأعتقد أنه حان الوقت لأن تفسح تلك المنظمات الطريق أمام المنظمات السياسية لقيادة حركة مسلمي أميركا على الصعيد السياسي، لأن المنظمات التعبوية التقليدية لا تمارس العمل السياسي ولا تفهمه على حقيقته فهي لا تنفق مواردها بصفة يومية للعمل مع الكونجرس والدوائر السياسية مثلما تفعل المنظمات السياسية الأخرى وهي لا تزود فرق عملها بخبراء في الإعلام والعمل السياسي بصفة مستمرة كما تفعل المنظمات السياسية.
وتنحصر المنظمات السياسية المسلمة الأميركية بالأساس في أربعة منظمات كبرى وهي مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)، ومجلس الشؤون العامة الإسلامية (MPAC)، والاتحاد الإسلامي الأميركي (AMA)، والمجلس الإسلامي الأميركي (AMC).
المسألة الثانية التي أعتقد أنه يتحتم على القيادات المسلمة الأميركية العمل فيها في المستقبل القريب هي توعية المسلمين والعرب في خارج أميركا بأساليب الحوار مع الغرب والولايات المتحدة، فالواضح أن هناك سوء فهم كبير لأساليب التأثير على الموطن الأميركي يتضح لي كل يوم من خلال متابعتي اليومية لما ينشر عن أميركا من أخبار وتحليلات في الصحافة العربية، والواضح من هذه الأخبار والتحليلات أن الجماهير المسلمة والعربية لا تحصل على أية تدريب حقيقي في مجال فهم عقلية المواطن الغربي والتأثير عليه، ومن أوضح أمثلة سوء الفهم هذا بعض المقالات العاطفية الجياشة التي تنشرها العديد من وسائل الإعلام العربية والتي إذا قرأتها لا تجد إلا سبابا في الأخر وسخرية من الذات ويأسا في العمل.
وأعتقد أنه يتحتم على القيادات المسلمة الأميركية الناجحة في مجال العمل السياسي أن توجه جزأ ولو قليل من طاقتها في توعية القارئ المسلم والعربي بديناميكيات التفاعل الإيجابي بينهم وبين نظرائهم الأميركيين، وللأسف مازالت جهود المنظمات المسلمة الأميركية السياسية محدودة وربما منعزلة في هذا المجال لضعف مواردها وحداثة عهدها وانشغالها بتوعية مسلمي وعرب أميركا، وزيادة معرفتها بأساليب العمل السياسي.
الدلالة الرابعة والأخيرة التي أحب تناولها فيما يتعلق بآثار مظاهرة العشرين من أبريل على السياسية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية هي حقيقة أن مظاهرة السبت الماضي كانت نجاحا كبيرا وأن البعض اعتبرها نهاية لصمت المواطن الأميركية على الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني. *علاء بيومي ، كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن