تحليل: اوروبا تزحف نحو اليمين

باريس - من زيجفريد مورتكوفيتز وليون مانجاساريان
صعود لوبن يعكس صعودا مستمرا للاحزاب اليمينية في اوروبا

جاءت نتائج الجولة الاولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية التي أجريت الاحد لتقدم دليلا جديدا على أن أوروبا تتجه في سياساتها نحو اليمين.
ونتيجة لاخفاق رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان وبالتالي استبعاده من الانتخابات، فلن يكون هناك مرشح لتيار اليسار في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الخامس من أيار/مايو المقبل.
وبدلا من ذلك، فسيتنافس في الجولة الثانية الرئيس الحالي الذي ينتمي لليمين جاك شيراك أمام زعيم الجبهة الوطنية اليمينية المتشددة المعادية للهجرة والاتحاد الاوربي، جان ماري لوبن.
ووصف مرشح حزب الخضر نويل مامير الموقف بأنه "أسوأ أزمة سياسية في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية".
ووصف معلقون آخرون نجاح لو بان على أنه "صدمة"، و"زلزال" أو "طوفان".
غير أن الناخبين الفرنسيين على ما يبدو يسيرون مع التيار الاوروبي المنتشر ويرفضون المرشحين الاشتراكيين وغيرهم من اليساريين كما فعلت كل من أسبانيا والنمسا وإيطاليا والدانمارك، ومؤخرا، البرتغال.
وكان الاتجاه قد ظهر للمرة الاولى من خلال الناخبين النمساويين في بداية عام 2000 عندما حصل حزب الحرية المعارض للهجرة وللاتحاد الاوروبي بزعامة يورج هايدر، على ما يكفيه من الاصوات للانضمام لحكومة رئيس الوزراء فولفجانج شويسل.
ولا يبدو أن الحظر الدبلوماسي الجزئي الذي فرضته الدول الاخرى الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، والبالغ عددها 14 دولة، على فيينا قد فعل شيئا لتغيير طريقة تفكير الناخبين الاوروبيين.
وبعد مضي أقل من عام، أخرج الناخبون الايطاليون ائتلاف اليسار الحاكم من السلطة، مؤثرين قطب الاعمال اليميني سيلفيو بيرلسكوني وحزب التحالف الوطني خليفة الحزب الفاشي بزعامة جيانفرانكو فيني وحزب رابطة الشمال المعادي للاجانب بزعامة امبرتو بوسي.
وهاهو لوبن يأتي إلى الساحة بعد إحراز نجاح مذهل مبني على نفس المخاوف التي استخدمها اليمين المتطرف في بلدان أخرى، وهي الهجرة وارتفاع معدل الجريمة والهيمنة المركزية للاتحاد الاوروبي في بروكسل.
وقد استغل لوبن تلك القضايا منذ عقود في فرنسا، محرزا نتائج معقولة ولكنه لم يحقق مطلقا نجاحا كبيرا.
وأصبح واضحا الان أن وقت لوبن قد جاء، حتى وإن لم تكن أمامه فرصة كبيرة لهزيمة شيراك في الدورة الثانية من الانتخابات.
وقال تيري دو مونبريال، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس، أن أفضل وصف لما حدث هو أنه "موجة رفض للسياسات التقليدية، وثورة على المؤسسة السياسية".
وقال "إن صعود اليمين المتطرف في أوروبا هو نتيجة لعدم مقدرة أحزاب اليسار واليمين التقليدية على إصلاح أنفسها ومواجهة المشكلات الحقيقة مثل الهجرة والجريمة".
وقال أن سياسيي الدولة رفضوا التعامل مع هذه القضايا، ومن ثم استغلها الشعبيون اليمينيون الذين تصادف أيضا أنهم خطباء مفوهون. وكان هذا هو الواقع في النمسا وإيطاليا وفرنسا.
وقال دو مونبريال أن عاملا آخر من عوامل هذا التطور هو توحد أوروبا داخل الاتحاد الاوروبي.
وقال "أعتقد أن الاتحاد الاوروبي مشروع سياسي غير عادي. ولسوء الحظ، غالبا ما يسيء السياسيون شرحه، وغالبا ما يستخدم ككبش فداء لكافة الاشياء الشريرة".
وأضاف أنه نتيجة لذلك فإن "هناك حالة من القلق العميق بشأن هذه التغيرات السريعة".
وتشكل الانتخابات الفرنسية والميل الاوروبي نحو الحكومات اليمينية نذيرا مزعجا بالنسبة للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر الذي يواجه تحديا انتخابيا صعبا للبقاء في منصبه في 22 أيلول/سبتمبر المقبل.
يشار إلى أن شرويدر يتخلف عن خصمه اللدود المحافظ، ادموند شتويبر، في كافة استطلاعات الرأي التي أجريت منذ بداية هذا العام.
ومني الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي ينتمي إليه المستشار الالماني بهزيمة قاسية في انتخابات ولاية ساكسونيا- انهالت، حيث جاء في المرتبة الثالثة بعد حصوله على 20 في المائة من الاصوات فقط بعد الحزب المسيحي الديمقراطي وشيوعيي ألمانيا الشرقية السابقين.
وفي مناسبات عديدة انتقد شتويبر، وهو رئيس وزراء ولاية بافاريا الثرية، ائتلاف يسار الوسط بزعامة شرويدر، والذي يضم حزب الخضر، بسبب سياسة الهجرة التي ينتهجها.
وفي حين لم يعلق شرويدر على نتيجة الانتخابات الفرنسية، فإن المتحدث الرئيسي باسمه، أمين عام الحزب الاشتراكي الديمقراطي فرانز موينتيفيرينج، اكتفى بالتصريح بأن أوروبا لا تترنح نحو اليمين، وأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي لديه دور سوف يلعبه لابقاء أوروبا حرة ومتسامحة ومفتوحة.
وعلى النقيض من ذلك، أكد شتويبر أن هناك اتجاه واضح نحو انتخاب حكومات محافظة كما حدث في اليونان والبرتغال والدانمارك وقبلهما في أسبانيا.
وتفادى شتويبر بوضوح الاشارة إلى النمسا وإيطاليا، مشيرا إلى أنه مازال يعمل على كسب أصوات من الوسط.
بيد أنه إذا ما أدى ذلك إلى انصراف جمهور الناخبين المحافظين المعتادين عنه، وهو أمر محتمل في واقع الامر، فإنه قد يعود إلى أصوله الشعبية ويحاول أن يركب الموجة المعادية للمؤسسة السياسية الآتية من فيينا وروما لكي يحرز فوزا في انتخابات الخريف.