تحليل: بيرلسكوني يحاول تكرار تجربة تاتشر

روما - من نيكولاس ريجيلو
مظاهرات واسعة ترفض سياسات بيرلسكوني

يبدو أن الايطاليين يعيدون اكتشاف ما في مظاهرات الشوارع من إغراء بعد سنوات طويلة من اللامبالاة.
فقد تدفق الثلاثاء الملايين منهم إلى شوارع روما وميلانو وفلورنسا وغيرها من المدن الكبرى تجاوبا مع نداء لنقابات العمال للقيام بإضراب عام.
وهذا الاضراب هو الاول الذي يتم فيه التوقف عن العمل طوال اليوم منذ 20 عاما، ويأتي في إطار احتجاج النقابات العمالية على خطة حكومية ترمي إلى تغيير قانون العمل بحيث يمكن فصل العمال بسهولة.
وكانت مظاهرة حاشدة أخرى قامت لذات الهدف قد نظمت في روما الشهر الماضي وتخطت حاجز المليون مشارك.
وفي ذات الوقت انضم الآلاف من مواطني الطبقة الوسطى ممن في منتصف العمر للمفكرين اليساريين في احتجاجات حول مراكز السلطة. وتمثلت أهدافهم في الاحتجاج على نفوذ الحكومة على القنوات التلفزيونية الحكومية وخطط الدولة لاصلاح نظام التعليم والخدمات الصحفية والسلطة القضائية.
وتتزامن مع هذه الصحوة الشعبية المعارضة مع وصول سيلفيو بيرلسكوني إلى رئاسة الوزراء، وهو الامبراطور الاعلامي الذي اعتاد أن تسير الامور كما يراها هو.
وقد منحه فوزه المذهل في الانتخابات العامة التي جرت في أيار/مايو الماضي، كممثل ليمين الوسط، الزخم اللازم لدعم خططه الاصلاحية. ويرى بيرلسكوني أن إيطاليا في حاجة عاجلة إلى تغيير شامل بعد سنوات من الجمود في ظل حكومات يسار الوسط المتعاقبة.
ويأتي إصلاح سوق العمل، الذي ينظر إليه على أنه صارم للغاية وغير قادر على استيعاب نسبة البطالة المرتفعة في إيطاليا، على رأس قائمة رغبات بيرلسكوني الاصلاحية.
ولكن للاصلاح ثمن. وفي مثل ظروف إيطاليا يتمثل الثمن في إظهار ضخم للسخط من قبل هؤلاء الذين يسعون للابقاء على الوضع الراهن. ويدرك بيرلسكوني ذلك جيدا ولكنه برغم ذلك تعهد بالمضي قدما في برامجه الاصلاحية.
وثمة تشابه مدهش بين إيطاليا بيرلسكوني في عام 2002 وبريطانيا مارجريت تاتشر في أوائل الثمانينات.
فصراع السلطة الحالي بين بيرلسكوني واتحادات العمال ذات النفوذ القوي يعيد للذاكرة الصراع بين تاتشر وعمال مناجم الفحم في بريطانيا.
وفي واقع الامر فإن بيرلسكوني مغرم بتشبيهه بسيدة بريطانيا الحديدية، وهو يستخدم معول إصلاحات العمل لشق طريقه في المعتقدات الصلبة للنقابات العمالية الايطالية التقليدية.
ويرى الخبراء السياسيون أن مشكلة هذا النهج تتمثل في أن بيرلسكوني ليس تاتشر، كما أن الايطاليين لا يشبهون من قريب أو بعيد أبناء عمومتهم الانجلوساكسونيين (وهو اصطلاح يقصد به اهل بريطانيا واميركا الشمالية).
ويقول سرجيو لوشيانو في افتتاحية له في مطبوعة "إل نويفو" على شبكة الانترنت إن "بيرلسكوني حر في أن يتطلع إلى مارجريت تاتشر كنموذج يحتذيه، وهو نموذج جيد في الواقع"، وتابع بقوله "لكنه قطعا لم يأخذ في الاعتبار حقيقة أن إيطاليا ليست بريطانيا وسوف يدرك ذلك قريبا".
وكما يرى لوشيانو فإن الايطاليين لن يصبحوا بريطانيين يوما من الايام.
فأول شيء يقول لوشيانو أن مساحة الحركة المتاحة لبيرلسكوني محدودة بسبب طبيعة ائتلافه، الذي يجمع في داخله بين المناهضين للهجرة من رابطة الشمال، والتحالف الوطني المحافظ فضلا عن أحزاب كاثوليكية صغيرة.
وفي ذات الوقت فإن أصحاب العمل والنقابات العمالية في إيطاليا مختلفون تماما عن نظرائهم البريطانيين حيث أن الايطاليين مشغولون بكيفية إخفاء أرباحهم عن محصلي الضرائب، بينما البريطانيون مهتمون في المقام الاول بالدفاع عن حقوق أعضاء نقاباتهم التي يمثل كبار السن المتقاعدون نسبة كبيرة منها في الوقت الحالي.
وكان بيرلسكوني قد فقد منصبه كرئيس للحكومة خلال فترة توليه السابقة عام 1994 ثمنا لمحاولته إصلاح نظام معاشات التقاعد السخي في إيطاليا. فقد انسحبت رابطة الشمال، التي كانت حريصة على عدم فقد شعبيتها، فجأة من الائتلاف الحاكم بعد سبعة أشهر فقط من توليه.
وتشير الاحداث الاخيرة إلى أن بيرلسكوني ربما يلجأ لتبني نهجا أخف حدة للتعامل مع مواطنيه الذين أفاقوا مرة أخرى لتبني مظاهرات الشوارع بينما لا تنقصهم الخبرة في رفع شعارات اليسار التي تطالب بالعدالة الاجتماعية، والتي لها جذور عميقة في ايطاليا.