السيجار الآسيوي العريق يواجه ازمة

مشاهير السياسيين يفضلون السيجار

مانيلا وجاكارتا - من جون جرافيلو وبيتر يانسن
ارتبط السيجار دائما بمعان خاصة في اذهان الناس، فهو رمز للثراء والمكانة الاجتماعية، وهو رمز للذوق الرفيع في اختيار وتصنيع وتغليف التبغ، وهو ايضا رمز لتاريخ طويل من الاستعمار الاوروبي لاشهر مناطق انتاج التبغ في آسيا، والتي تتصدرها تاريخيا اندونيسيا والفلبين.
وقبل عام 1958، عندما تم طرد ما تبقى من المزارعين الهولنديين وغيرهم من الطفيليين الملازمين لهم من العهد الاستعماري من إندونيسيا على يد الرئيس الاسبق سوكارنو، اشتهر الارخبيل الاندونيسي في أوروبا بالتبغ الممتاز الخاص بصناعة السيجار ولاسيما أوراق التبغ المزروع في سومطرة. ويستخدم التبغ الاندونيسي في صناعة السيجار الاوروبي عالي الجودة منذ قرون، كما تشتهر إندونيسيا بسجائر الكريتيك المصنوعة بنكهة القرنفل.
ويذكر أن الهولنديين أداروا لقرون مزارع شاسعة للتبغ في شمال سومطرة حيث كانوا يعالجون الاوراق هناك ويشحنون الانواع العالية الجودة منها في بالات إلى روتردام حيث تباع بالمزاد لصناع السيجار الاوروبيين.
وانتهى مزاد روتردام عام 1955 في ظل توتر العلاقات الاندونيسية- الهولندية بسبب الحرب في منطقة ايريان جايا. وفي النهاية، انتقل مزاد التبغ الاندونيسي إلى بريمن بألمانيا ومازال هناك حتى الان.
ومازالت أنواع شهيرة من السيجار الاوروبي، مثل فيلاجر ولاباز وكلوب ماستر وفاسكو دا جاما، تستخدم التبغ السومطري المشترى من مزاد بريمن.
وحتى أربع سنوات فقط ورغم وجود الكثير من أنواع السيجار المصنوعة من التبغ الاندونيسي، لم تكن هناك أنواع سيجار إندونيسي فاخر يمكن الحديث عنها.
وفي عام 1998 أنتجت شركة "بي.تي دجاروم"، ثالث أكبر منتج لسجائر كريتيك في إندونيسيا، أول سيجار فاخر ملفوف يدويا في البلاد تحت اسم "دوس هيرمانوس" أو "الشقيقان"، تيمنا بالشقيقين اللذين يمتلكان الشركة.
ويرجع تفكير الشركة في إنتاج السيجار أساسا إلى الزيادة الهائلة في شعبية تدخين السيجار في الولايات المتحدة، مدفوعا بازدهار الاقتصاد الاليكتروني في التسعينات. وفي السنوات الاخيرة، أصبح تدخين السيجار أيضا موضة في أوساط مديري الشركات الاندونيسيين من الشباب ومن هم في منتصف العمر.
ويقول هاريانتو ويرتمان مدير إدارة التسويق بشركة دجاروم "نعتقد أن هناك سوقا محتملا طيبا في الولايات المتحدة وأن إندونيسيا لديها كافة المواد الخام، ورق تغليف السيجار والاربطة والحشو الداخلي (التبغ)".
وورق التغليف، الذي يعتبر أهم جزء في السيجار الملفوف يدويا، هو الورقة الخارجية التي تغطي الاربطة والحشو من أوراق التبغ في نوع السيجار الطويل الرفيع.
وقال بوليدوروس نوت مدير شركة "بي.تي سويدش ماتش سيجارز- إندونيسيا" "لاوراق التبغ السومطرية الجيدة مذاق خاص. يمكنك إيقاظي في منتصف الليل من أجل سيجار سومطري جيد".
لكن بسبب لوائح حكومية يتعين بيع كافة كميات التبغ السومطري في بريمن حيث مازال السعر مرتفعا رغم الشكاوى من أن نوعية أوراق سومطرة في تراجع في السنوات الاخيرة.
ويلجأ الجيل الجديد من صناع السيجار في إندونيسيا لجلب تبغهم أساسا من مزارع جديدة في جاوة ولاسيما من منطقتي كليتين وبيسوكي، وذلك بدلا من شراء الاوراق السومطرية من بريمن.
وعلى غرار دجاروم، قررت شركة سويدش ماتش سيجارز بدء إنتاج سيجار إندونيسي ملفوف يدويا لسوق التصدير عام 1998 لكنها توقفت عن الانتاج بعد سنتين بسبب ضعف الاقبال على سيجارها الاندونيسي من نوع "مونتاك" في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأستطرد نوت قائلا "أعتقد أن السوق في الولايات المتحدة تعرض للاغراق المفرط، ونقطة أخرى هي أن معظم مدخني السيجار الطويل يريدون سيجارا من منطقة الكاريبي، والافضل ان يكون من كوبا، لكن يوجد على هذا النوع عبارة صنع في إندونيسيا".
وتقتصر شركة "سويدش ماتش سيجارز" حاليا على شراء تبغ السيجار من بيسوكي وتصدره إلى بلجيكا وألمانيا حيث يتم استخدامه في صنع السيجار الملفوف آليا من إنتاج الشركة.
ولم يثبط فشل "سويدش ماتش" عزيمة الشركات الاخرى في إندونيسيا عن محاولة إنتاج السيجار محليا.
وبدأت شركة بي.تي ويسميلاك التي تنتج نوع "دبلومات" الشهير من سجائر كريتيك في إنتاج سيجار ويسميلاك في السوق الاندونيسي عام 2000.
ويباع السيجار في المتاجر المحلية بسعر ستة دولارات، وهو نفس سعر سيجار هافانا الكوبي الشهير الذي يخضع لضريبة استيراد نسبتها 67 في المائة.
اما في الفلبين، التي تمثل مع اندونيسيا وكوبا معاقل صناعة التبغ في العالم، فان وضع صناعة السيجار اكثر سوءا.
وتخوض صناعة السيجار في الفلبين بحارا متلاطمة الامواج بسبب المنافسة الشديدة في الاسواق وتراجع أعداد السياح الذين يزورون البلاد.
ويقول جيري يابوت، وهو موظف مبيعات بشركة "لا فلور دي لا ايزابيلا"، وهي واحدة من أكبر شركات صناعة السيجار بالفلبين التي تأسست قبل أكثر من مائة عام، ان هناك انخفاض شديد في مبيعات الشركة من المنتجات ذات الشهرة العالمية.
وبينما رفض يابوت كشف الاحصاءات الاخيرة الخاصة بمبيعات شركة "لا فلور دي لا ايزابيل"ا، قال أن العاملين الرئيسيين وراء ذلك هما الانخفاض في عدد السياح والحركة البطيئة لطلبات التصدير.
وأضاف "السياح خائفون من القدوم إلى بلادنا بسبب مشاكل متعلقة بالسياسة والسلام والنظام. ثم هناك أيضا الركود الاقتصادي العالمي الذي أثر على سوقنا التصديرية".
كما تهدد حملة عالمية قوية لمكافحة التدخين من جهة، وطرح الصين لمنتجات أرخص من جهة اخرى، صناعة التبغ في الفلبين التي كانت مزدهرة والتي تعتبر واحدة من الاقدم في العالم.
وتقول مصادر في صناعة التبغ أن شركة "لا فلور دي لا ايزابيلا"، التي بدأت نشاطها عام 1881 وتصدر إنتاجها من سيجار تاباكاليرا، شرعت في خفض عدد العمال وتقوم بتوزيع بقية العاملين على أسبوع العمل ومدته ثلاثة أيام.
وطبقا لادارة التبغ الوطنية، فإن صناعة التبغ الفلبينية حققت للحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية عائدات سنوية قدرها 21.18 مليار بيزو (415.43 مليون دولار).
وقالت الادارة أن صادرات الفلبين والتي يبلغ متوسط حجمها السنوي 15.94 مليون كيلوجرام من التبغ "المصنع وغير المصنع" تصل قيمتها إلى 36.67 مليون دولار.
وصرح كارليتوس اينكارناسيون رئيس الادارة في مقابلة بأن "هذه الصناعة ثابتة لكن ليس لدينا سوق تصدير كبيرة للغاية"، مشيرا إلى أن إجمالي صادرات الدولة من التبغ تمثل جزءا ضئيلا من الانتاج السنوي الذي يبلغ 71.63 مليون كيلوجرام.
وأضاف اينكارناسيون أن السوق الخارجية "انكمشت" بالنسبة للسيجار الفلبيني رغم جودته العالية ومناخ البلاد الجاف والرطب المثالي لانتاج التبغ.
وأوضحت إدارة التبغ الوطنية أن منتجات التبغ المصنعة ومن بينها السيجار تمثل 19 في المائة فقط من إجمالي صادرات البلاد من التبغ أي بمعدل سنوي يبلغ 3.17 مليون كيلوجرام قيمتها 14.09 مليون دولار.
وأسواق التصدير الرئيسية للتبغ المحلي المستخدم في صناعة السيجار هي الولايات المتحدة وأسبانيا وبورتوريكو في حين تتمثل الاسواق الرئيسية للصادرات من التبغ العطري المستخدم في السجائر في الولايات المتحدة وألمانيا وبلجيكا وماليزيا.
وقال اينكارناسيون "حملة مكافحة التدخين تضر حقيقة بصناعة السيجار. واذا كان من الممكن لشركات صناعة السجائر التصدي بقوة للحملة العالمية لمكافحة التدخين، فانه ليس لدى صناعة السيجار نفس الموارد للتصدي لهذه الحملة".
ولان السيجار يصنع يدويا ويتكلف إنتاجه أكثر، فإن ارتفاع أسعاره ينفر الراغبين في تدخينه ويجعلهم يكتفون بالسجائر.
وأستطرد اينكارناسيون قائلا "نعد واحدة من أفضل الدول المنتجة للسيجار في العالم. لكن ذلك على ما يبدو ليس كافيا لجذب محبي السيجار".
كما لاحظ أن مدخني السيجار الفلبينيين، وهم عادة أغنياء المجتمع، مازالوا يفضلون الانواع المستوردة "كرمز لمكانتهم".
وردا على سؤال حول اعتقاد الفلبينيين بأن المنتجات الاجنبية أفضل من المصنوعة محليا، قال اينكارناسيون "إنها عقليتنا الاستعمارية".
ورغم انكماش السوق، يعرب يابوت عن ثقته في أن مبيعات السيجار ستنتعش بمجرد استقرار أوضاع الاقتصاد العالمي.
كما يأمل يابوت في أن تنجح الحكومة في تعزيز وضع السلام والاستقرار في البلاد حتى تتزايد أعداد السياح من جديد.
غير أن اينكارناسيون لا يعلق كل آماله على تحسن سوق السيجار والسجائر لدعم صناعة التبغ الفلبينية التي يزيد عمرها على 300 عام والتي توفر سبل العيش لما يقرب من مليوني فلبيني.
وأوضح اينكارناسيون أن إدارته بدأت بحثا مكثفا للاستفادة من التبغ في صناعة الورق والمبيدات الحشرية والاسمدة والكحول.
وأعرب اينكارناسيون عن أمله في أن تؤدي جهود الحكومة الرامية إلى اكتشاف استخدامات بديلة للتبغ إلى إنقاذ الصناعة من الانهيار رغم الاوقات الصعبة التي تمر بها.